| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مالوم أبو رغيف

 

 

 

 

السبت 3/3/ 2007

 

 

العمائم الغليظة
وعمائم الحنين الى الماضي الاغبر


مالوم ابو رغيف

منذ سقوط نظام العبث ولحد يومنا هذا كانت للاحزاب الاسلامية اليد الطولى على الدولة وعلى الشارع، فهي تسيطر على اهم الوزارات وعلى الامور المالية والادراية والعسكرية، هي التي تقترح القوانين وتشرعها وتجيزها، فبدون الاغلبية البرلمانية الاسلامية لا يمكن لقانون ان يمر ويأخذ طريقه الى التنفيذ. كذلك تسيطر الاحزاب الاسلامية على الشارع فتسيّره لمصلحة هذا الزعيم او ذاك، تقود المظاهرات والمسيرات وتحشد الحشود، لها منظماتها الممولة تمويلا جيدا، منظمات مدنية ودينية وعسكرية ومليشايوية ونسوية وطلابية وشبابية، لها منابرها وقنواتها الاعلامية المدعومة حكوميا، لها صحفييها وصحفها وكتابها ، لها مبشريها ودعاتها، تستطيع ان تنشر شعاراتها ليس بواسطة منظماتها الحزبية فقط، بل عن طريق المساجد والمحافل الدينية، تسيطر على البرلمان وعلى الحكومة.

لكن هذه الاحزاب رغم سيطرتها واتساع نفوذها واستجابة الناس لها، انطلاقا من ديني وايمان بالغيب وتأثر بالعاطفة وحب الامام على بن ابي طالب والامام الحسين، الا ان هذه الاحزاب لم تحقق ما وعدت الناس به، ولم تف بما عاهدت الله والناس عليه بتحسين حالهم والدفاع عن مصالحهم وانصافهم واسترجاع حقوقهم، تصرفت وكأنها صاحب ملك له الحق ان يفعل ما يشاء بملكه، يهبه، يسئ استخدامه، يفرط به، يتمتع به، يورثه لمن شاء من الناس، يقتطع منه ما يشاء ويتحاصص مع من يشاء ويحميه بالاتفاق مع اللصوص بأن يجري لهم الاموال ويمكنهم من المناصب ويعرض عليهم العروض السخية على حساب الاغلبية مقابل عدم ازعاجهم واقلاق بالهم .

هذه الاحزاب الاسلامية تتحمل المسؤولية الكاملة عن ما يحصل في العراق الان، فبيدها مقاليد الحكم والسلطة والتحكم بالشارع. لقد رأينا كيف نُظمت المظاهرات وسُيرت المسيرات وجُمعت الحشود بعد اعتقال عمار الحكيم، فما من غبي يصدق بأن هذه الحشود خرجت بشكل عفوي لتعلن عن تأييدها لعمار الحكيم وتدين عملية الاعتقال، فمن هو عمار بالنسبة للناس، وما الذي عمله وانجزه وقام به بحيث يحتل هذه المكانة الكبيرة في قلوب الناس؟ فهو لا يختلف عن اي رجل دين زاده قراءة القرأن والحديث والتذكير بمأساة كربلاء ومقتل الامام الشهيد الحسين، وليس بمفتي ولا وعاظ ولا مؤلف وليس له رسالة دينية خاصة تميزّه عن غيره.؟

ما يميز السيد عمار الحكيم هو انه ابن السيد عبد العزيز الحكيم رئيس حزب المجلس الاعلى فقط.؟ الحزب الذي يقود الائتلاف الحاكم. وياله من امتياز كبير في عصر الديمقراطية التي يقتل الانسان فيها بالشارع وبكل برود وحرية بشعة.

ليست الناس وحدها هي التي اجبرت او أغريت على التظاهر، بل ان اكبر مسؤولي الحكومة استنكروا هذا العمل وادانوه، وتدخلوا لاطلاق سراحه. لسنا مع هذا الاعتقال الذي خلى من اللياقة ومن المعاملة الحسنة والمدفوع طائفيا من قبل فريق تكتل التوافق الردئ، لكنا ليس مع هذا التضخيم وهذا التمييز والامتياز لشخص ابن السيد وابن رئيس الكتلة البرلمانية وابن صاحب الائتلاف وابن رئيس حزب المجلس الاعلى.

لو كانت ردات الفعل هي نفسها، او مقاربة لردات الفعل ازاء الجرائم التي ترتكب يوميا بحق الناس، لو كان المجهود المبذول لتأمين حياة الناس ولمسك الارهابيين والقتلة والمتجبرين والمغتصبين وقطاع الطرق وفضح المفسدين مساوي او حتى اقل من المجهود المبذول لاطلاق سراح عمار الحكيم لكان الامر عاديا. لكن ان يتم السكوت او المهادنة او المساومة او عرض المناصب واطلاق سراح القتلة دون اي ردة فعل، فهذا لا ينبغي السكوت عنه، ولا ينبغي اغفاله. في عصر الديمقراطية ينبغي ان تكون المساواة وعدم التمييز هي الاساس في الفعل وردات الفعل، بل كما يقول المسلمون ايضا، ان الناس متساوية كأسنان المشط ، فما الذي جعل اسنان مشط عمار الحكيم اطول بما لا يقاس مع اسنان مشط العامة من الناس.؟

بالامس استطاع الارهاب الوهابي السلفي اختطاف 18 عسكريا، بالطبع ليس من دون تخطيط، ولا من دون تنسيق مع اجهزة سياسية متنفذه لها مواقع في الحكومة، في الشرطة وفي الجيش، نشروا صورالمخطوفين واسمائهم وهددوا بذبحهم ان لم يستجاب لمطالبهم الخسيسة على اثر مؤامرة ومكيدة قامت بها صابرين الجنابي بالاشتراك مع اطراف معروفة.

ذبحوهم هذا اليوم.
فماذا كانت ردة الفعل الحكومية.؟
ردة فعل معروفة اصبحت بديهية مهما كان حجم الكارثة
تجاهل الامر وكأن شئ لم يحدث.

من لم تهمه حياة الناس لا يستطيع بناء حياة جديدة. من لا يؤمن بالتساوي بين الناس لا يمكن ان يحقق الديمقراطية. لذلك فشلت هذه العمائم الغليظة في انجاز اي شئ يذكر، وتلك البحبوبة والنشوة والثورة بعد سقوط النظام لم تدم الا وقتا قصيرا، فلقد استطاعت العمائم الغليظة والعمائم الارهابية والبعثية المصابة بمرض الحنين للماضي البعثي ان توقف كل تطور وتقدم على مستوى الاعمار وعلى مستوى الامان وعلى مستوى تحسين حياة الانسان وتطمين حاجاته.

ما استطاع الانسان العراقي التخلص من شرنقة التسلط البعثي الهمجي، حتى اتى التسلط الديني والارهاب الوهابي السلفي الغادر، وما ان شعر الانسان بحريته واراد ان يعبر عن ذاته حتى فاجأته مليشيات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحشره غصبا عن انفه في شرانقها الظلامية.

وبدلا من المساهمة الشعبية في بناء الدولة وتوجيه الناس على استعادة حقوقها التي سلبها منها نظام البعث الهمجي، تولت الاحزاب الاسلامية تسير مواكب الحزن واللطم والبكاء، وكان البكاء المر والدموع الغزيرة التي يذرفها العراقيون يوميا سابقا ولاحقا لا تكفي. لقد امتصوا ثورة الناس واندفاعهم بالدفاع عن مصالحهم وتنظيم انفسهم للوقوف ضد الارهاب الاسلامي وغرسوا فيهم روح تلقي الموت بسلبية واضحة بحيث اصبحنا نرى عشرات من افراد الشرطة والحرس الوطني يقادون الى الذبح دون مقاومة، ورأينا كيف ان الناس تذبح على الطرق وتغتصب النساء في الشوراع ويختطف الموظفون والطالبات بوضح النهار وتهاجم البيوت وتهجر الاف العوائل امام انظار الاحزاب الاسلامية الشيعية والسنية دون تدخل منها، كل ما هناك ستكون هذه الافعال الهمجية دعايات واعلانات في الحرب الطائفية المستعرة بين المسلمين.

لولا الطائفية البغيضة التي تنتشرفي المجتمعات المختلفة من البئية العراقية، لما استطاعت هذه الاحزاب السيطرة على الناس واستغفالها بشعاراتها والقاء تبعات فشلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي احدها على الاخر. بل لما وجد الارهاب البيئة المناسبة لتكاثره واستقوائه على الابرياء. لما استطاع حزب العبث العبث بحياة الانسان وممارسة ارهابه الفاشي ، ولما استطاع التغلل مرة اخرى في هياكل الدولة وركائزها لينخرها من الداخل كما تفعل دودة العث بالحيطان غير المهملة.

الطائفية ليست هي تلك الاتهامات التي يوجهها هذا الفريق الى الفريق الاخر ويحّمل عواقبها الوخيمة على الفريق المناوئ، الطائفية هي ذهاب العقل الاجتماعي والسياسي وانتشار الفكر الديني واعتباره اساس الحياة، الطائفية هي الجهل الكلي والنفاق الكامل وخداع الناس بشعارت ومحاصصات لا تكسب الناس منها الا الحقد والبغضاء. الطائفية هي الدين بوجهه السياسي القبيح، وليس وجهه الايماني التعبدي الشخصي.

ان من يتحدث عن التهميش الطائفي وعن عدم اشراك هذا الطرف او ذاك ويطالب بمسؤوليات اكبر لنفسه او لتنظيمه، لا يفعل غير الطائفية، فالطائفيون عندما يتحصاصون او يطالبوا بالتوازن يبنون الطائفية بعينها، يؤسسون لها، لا ينظرون الا الانسان الذي يعدون الدفاع عن مصالحه، بل ينظرون الى مصالحهم وحدهم.

لن تموت الطائفية وتندثر وتمحى بكل افكارها الخبيثة ورجالها القبيحين الا بتحويل الدين من تنظيم سياسي حزبي شعاراتي الى حرية شخصية تحت شعار اتى به القرآن وتركه المنتفعون الاسلاميون السياسيون ولم يفعلوا به ولم يثقفوا الناس به، اهلموا هذه الاية العظيمة وكأنها ليست بكلام لله ولم نسمعها يوما من اي رجل دين، فهي ضد مصالحهم وضد اطماعهم وطموحاتهم الشخصية، تقول الاية القرآنية :

من شاء ان يكفر ومن شاء ان يؤمن.

ولا احد يود ان يكون كافرا، لكن لا احد يود ان يتسلط عليه الحزب الفلاني بأسم الله ولا ان يمتاز عليه فلان وعلان من الناس بأسم الله اوبأسم الحزب.