مالوم أبو رغيف
الأحد 3 /12/ 2006
السنة ـ الشيعة ـ والمواقف الامريكية
مالوم ابو رغيف
الذي يحدث الان في العراق ما هو الا مقدمات لحرب اهلية، فما نسمعه من غثيان الضاري والدليمي والعليان ومشعان وعربان ال سعود يدل دلالة كبيرة على ان هذه الاطراف تحاول اثارة حرب اهلية لتحقيق مكاسب سياسية. فهذه الاطراف التي يجمعها تكتل التوافق، لا تحبذ الانتخابات ولا تود خوضها لان نتائجها محسومة سلفا، شيعة وكورد، ان جرت الانتخابات بروح تبتعد عن الشعور الوطني والانساني ، روح مشبعة بالميول والاحلام الطائفية المبتذلة، وهي لا بد ان تكون كذلك فاغلب الاحزاب ومن ضمنها تكتل التوافق هي احزاب طائفية تعتمد على الدين ، والدين لا بد وان يكون طائفيا.
لم يدخل السياسيون السنة ذو الخلفية البعثية الانتخابات الا بعد وعود امريكية تتعهد لهم بالحصول على مناصب مهمة في الدولة التي ستتوزع مراكزها حسب اسلوب المحاصصة، ثم يتم تغيير الدستور والعمل على افراغ الفدرالية من محتواها وجعلها شكلية هامشية تشبه الحكم الذاتي في عهد البعث الهمجي، وارجاع كبار البعثيين الى مراكزهم في الجيش والشرطة والامن والاستخبارات عن طريق ما اطلق عليه المصالحة الوطنية. والمراقب للاحداث ومسيرة الحكومة التي يتراسها المالكي انها استجابت الى تلبية جميع مطالب هذا التكتل، فلم يعد قانون اجتثاث البعث الا اسما ليس له من معنى ولا مغزى. وبادر المالكي بطرح مشروع المصالحة الوطنية التي هللت له جبهة التوافق وطالبت بان تشمل المصالحة جميع الارهابيين والمجرميين واطلاق سراح الذباحين والمغتصبين المعتقلين فجميع هؤلاء بنظر جبهة التوافق ما هم الا مظلومين وضحايا لحملة طائفية صفوية بويهية علقمية كسروية رافضية حاقدة تستهدف عروبة العراق ووحدته، مصطلحات والقاب بغيضة عنصرية اخذ بعض العلمانين لا يتردد عن استخدامها وكتابتها معتقدا انه بذلك يساعد على وحدة العراق وعلى استقراره. اما الضحايا والقتلى الذين ذبحوا وفجروا على يد الارهابين والبعثيين، ضحايا يعدون بمئات الالاف، فهم قد قتلتهم ايران و الموساد و المخابرات الامريكية او المليشيات الشيعية.
لقد لا حظ الجميع تغيرا في الموقف الامريكي على الصعيد العسكري و على الصعيد السياسي حيث اقدمت الادارة الامريكية على اجراء مباحثات مع الارهابيين واطلقت عليهم لقب الفصائل المسلحة، خطوة تستهدف عزل الطامعين والطامحين بالمناصب والثروة والجاه والوجاهه عن المؤدلجين دينيا وطائفيا من وهابيين وضاريين وسلفين وائئمة مساجد متطرفين ، ،فتعبير فالفصائل المسلحة او ما يسمى المتمردون، هو تعبير يقصد به امكانية الحوار معهم بينما الارهابيون من جماعات القاعدة والمجموعات الوهابية والسلفية الاخرى لا يدخلون في اللعبة الجديدة التي وضعت شروطها وجوائزها الادارة الامريكية بناء على ايحائات من السفير الامريكي.
لكن الامور لم تجد نفعا، فكتلة التوافق ومن يقف ورائها من دول الجوار لا تريد الا حصة الاسد، ويا ليتها تكتفي بحصة الاسد انما تريد التهام الفريسة باكملها، فنهمها وطمعها لا يدعانها تشبع ولا تقتنع بما تحصل عليه من غنائم واسلاب. كما ان سياسيوها وان كانوا يترأسون احزاب وكتل، الا انهم جبناء لا يستطيعون التحدي ولا يجيدون الا فن الانبطاح على البطن. مثلا على ذلك هو طارق الهاشمي الذي فقد اخ واخت له على يد القطعان الذي تحالف معهم وساندوه في الحصول على الاصوات التي اوصلته الى ان يكون نائب لرئيس الجمهورية، طارق الهاشمي هذا، اقعده الخوف وشل لسانه الهلع وذهب بجنانه الفزعن فلم ينطق بكلمة بعد ذلك ولم يكتب حرفا واحدا ضد من قتل اخواه ولم يحرك ساكنا ولا يساند فعلا في القبض على الفاعل. بالعكس من هذا اخذ يتبنى نفس البرنامج الذي يطالب به اجرم بحق اشقائه، فاعلن عدم جدوى الاستمرار بالحكومة وهدد بالانسحاب منها بل ورفع السلاح ضدها.
ورغم ان الامريكين ممثلين بالسفير الامريكي خليل زاد قد وقف الى جانب هذه الجبهة وتبنى موقفا محابيا لها وشن حملة شعواء على المليشيات الشيعية متجاهلا المليشيات السنية بحيث اصحبت المليشيات الشيعية (بنظر الامرييكين) اخطر من القاعدة نفسها ومن مجاميع الارهاب الاخرى مثل انصار السنة وجيش محمد وجيش عمرمع ان المليشيات الشيعية قد اختلفت بواعث تشكيلها، فمنها من تشكل بنصيحة هيئة حارث الضاري وتم دعمها بالاموال والعتاد مثل جيش المهدي عندما كان التيار الصدري متحالفا مع هيئة علماء المسلمين لاحداث الضرر في العملية السياسة واثارة الفوضى، ومنها ما هو مليشيات شعبية للدفاع عن اهلهم ومناطقهم التي ينالها القصف والذبح المتواصل دون ان تتدخل الحكومة لانقاذها، فاعتمد الاهالي على جيش المهدي بالتسليح والدفاع المشترك، مثل المليشيات المتواجدة في ابو جيير التي يقصفها عرب جبور يوميا ويدخلون عليهم البيوت لذبحهم من الوريد اى الوريد او تلك التي تشكلت في مدينة الثورة للوقوف بوجه السيارات المفخخة، كان السبب الاول في نشوء المليشيات الشيعية هو عجز الحكومة وعدم جراتها وترددها بمحاربة الارهاب ثم الموقف الامريكي الذي ترك الارهاب يسرح ويمرح دون مواجهة حقيقة خاصة في مناطق الانبار حيث استطاع احتلالها بالكامل وجعل من اهلها رهائن واسرى همجيته وتعسفه وفتاويه الظلامية. لقد راهن الامريكيون على ان الاحزاب السنية المتكتلة في جبهة التوافق او تلك الجهات التي تدعمها ستثيب الى رشدها وتستخدم العقل والمنطق في التعامل مع الاحداث.
كان الهدف هو احداث التوازن ثم مسك العصا من الوسط فلا يتنامى حجم الاتجاه الايراني في الاحزاب الشيعية ولا يكبر شان المعسكر السعودي والوهابي والعروبي الشوفيني في معسكر الاحزاب السنية. جبهة التوافق لم تقف عند حدودها المرسومة لها ضمن الخريطة الطائفية ولم تلتزم بتعهداتها للامريكان واضعفت موقف السفير الامريكي ذو العقلية السلفية الذي لم تنفعه قشور اللبرالية المصطنعة اخفاء طائفيته وميوله الدينية، فاصبح غير مرغوبا به بل ممقوتا ملعونا لا يمكن له ان يؤثر على اي طرف من الاطراف، فالاغلبية الشيعية تشك به وتشك بدوافعه لا سيما وقد اخذ يتبنى من دون حياء اطروحات ليس من شانها اطفاء النار المشتعلة، ومعسكر السياسين السنة لا يستطيعون مدحه علانية، فهو وان كان سلفيا طائفيا، الا انه يبقى جزء من الاحتلال.
استمر التكتل الطائفي في النفخ في كانون الطائفية وتشجيع الارهابيين واعتبار اعمالهم الخسيسية الاجرامية مقاومة وطنية مشروعة، بينما تطوع الخرف عدنان الدليمي بالعمل على دق اسفين بين الشيعة والسنة في العراق، ففي الوقت الذي يصرخ باعلى صوته وكان ابليس قد تلبسه جسدا وروحا، عندما يطال القتل ابناء السنة ، لا يتكلم الا همسا اذا ما قتل مئات الشيعة في مجزرة على شاكلة مجزرة مدينة الثورة او كراج النهضة او مجازر الكاظمية او الجرائم التي تحصل يوميا في ديالى وغيرها من المناطق..
لقد تعامل تكتل التوافق الطائفي مع الحكومة وكانه ليس جزء منهن ومع البرلمان على انه غير شرعي، ومع الانتخابات على انها مزورة وليست ذات فائدة، ومع الشعب بتفرقة كاملة فقسمه الى سنة عرب وشيعة عجم وصفوين وبويهين وكورد متامرين على وحدة العراق، واتهموا الشيعة بولائهم لوطنهم وغلبوا النزعة الطائفة والعنصرية على منطق الوطنية والانسانية ولم يفهموا السياسة الا من الناحية الدينية الضيقة وليس من زاوية ان الوطن يمر بخطر الوقوع في محرقة الحرب الاهلية الشاملة والمهمة الاولى هي في كيفية انقاذه وايصاله الى بر الامان.
لم تكن جبهة التوافق وحدها تحمل سوف ذبح العراق، فلقد وقف معها القوميون واليساريون العرب ورجال الدين المسلمون العرب والايراننون وملالي حزب الله ومشايخ الارهاب السعوديون والانظمة العربية باجهزة اعلامها الضخمة واستخباراتها القذرة وحبائل مؤامراتها المدمرة.
نعم لقد نجحوا بعض الشئ في ادخال الطائفية كواقع معاش وكركن من اركان السياسة العراقية الراهنة، وكاسلوب من اسلايب تقسيم وتوزيع الغنائم والاسلاب، وشحنوا الوجدان العراقي بمقولات الصراع الطائفي التاريخي واستخدموا مصطلحات مستوردة لم يعرفها العراقي البسيط في تعامله اليومي واوصلوا التشنجات قريبا من الوجدان العراقي فاخذت بانفاسه وداهمته في خلوته وفي محيطه وفي تفكيره.
حقيقة وواقع يجب ان نقرها، فالانكار لم يعد ذو جدوى ولا منفعة. المرض قد استفحل ولربما ان ترك من دون معالجة سيقوى ويصل الى الذات العراقية حيث لا ينفع علاج بعدها.
على الجهة الثانية، حيث الاحزاب الشيعية التي تحاول ان تصبغ كل شئ بنفس اللون الاسلامي التي تعتنقه،فتصرفت وكانها قد ملكت العراق، واعتبرته ضيعتها، فسمحت لنفسها بان تطلق على المدارس والمستشفيات والمعاهد والدوائر الرسمية اسماء دينية شيعية معاصرة، فاينما تذهب تجد مدن وشوارع ومعاهد ومدارس ومستشفيات ومستوصفات ومعاهد وجامعات وافواج والوية الصدر. وكان العراق لم ينجب الا هذين الرجلين. لم ياخذوا بالحسبان بان هذه الاسماء الطائفية تثير بدورها النزعات والارهاصات المذهبية وتذكي نار الاحتراب. ولا احد يعرف ما علاقة السادة الصدر بالمدرسة او المستشفى او لواء عسكري، وهم ليس لهم من شان الا الشان الديني . فماذا يعني تجهيل الشعب بعظمائه وتاريخه وبحضارته ووشعراءه ومناضليه غير التهيئة لدولة دينية يتقاسم زعماتها الجامع والحسينة بعد تسوية الحسابات وتدخل اهل اللحى من جماعة مؤتمر مكة الذي فسدت بيضته منذ يوم الاعلان عنه.
ورغم ان الائتلاف الشيعي رفع شعار محاربة الطائفية الا انه سياسته وتقسيمه للسلطة كانت باسلوب طائفي بحت، فالوزارات اصبحت مملوكة للاحزاب والوظائف المهمة اعطيت للاقارب والاحباب، بحيث ان مالكا لمطاعم الفلافل في برلين اصبح مستشارا اقتصاديا لرئيس الوزراء الجعفري وبقي في منصبه لحد الان.
واصبح الفساد الاداري والاختلاس المالي وتهريب البترول وبيعه في السوق السوداء وبعثرة ثروات العراق شرقا وغربا من الملامح الرئيسة للحكومات العراقية. ولعل سكوت اصوات الناس عن المطالبة بالخدمات الاساسية وصبرها على غلاء الاسعار ونعدام ابسط قواعد الحياة الكريمة وعلوا صراخ المطالبة بالامن وانقاذ الحياة من الارهابين لهو دلالة سطاعة على فشل الحكومة والائتلاف في السيطرة على الاوضاع او في المقدرة على تنفيذ وعودهم التي طرحوها في ايام الانتخابات.
امريكا تعيد حساباتها الان وستغير من سياستها بعد فشلها في سياسة التقارب من المنظمات الارهابية او الفصائل المسلحة وكسبهم الى العملية السياسيى وسيرى الهاشمي والعليان والخرف الدلمة عدنان وجها امريكيا اخر، لان هؤلاء في تكتل التوافق ليس لهم من السياسة الا الصياح والنباح والزعيق والنعيق، ودس السم بالعسل.
لكن اذا كان البعثيون القدماء في التوافق سيرون وجه الغلظة، سيكون للاحزاب الشيعية نفس الوجه ان لم يغيروا سياستهم ويتخلصوا من تحالفاتهم مع تيار الصدر وجيش المهدي الذي ان سنحت له الفرصة سيعيث في العراق فسادا وعنجهة وظلاما، ان لم يغيروا توجههم في اقامة الدولة الدينية الظلامية المتخلفة والتخفيف من علاقاتهم الدهن دبسية مع نظام الملالي الايراني. سيكون للامريكان خيار اخر ستتضح معالمه بعد تجربة كافة الامكانيات المطروحة.