نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

مالوم أبو رغيف

 

 

 

 

الأثنين 27 /3/ 2006

 


 



اللا دولة العراقية

 

مالوم ابو رغيف

الدولة او المليشيات، فلا توجد دولة مليشيات، ولا توجد مليشيات دولة. واحد من اثنين، اما القانون او الفوضى.

عندما تكون الدولة ضعيفة، ووزرائها فاسدون، ورئيسها يعتقد ان اللغة قادرة على ان تصنع المعجزة، وان الدين عامل موحد، عندما لا يخرج المسؤولون من امكنتهم ولا يتزحزحون من كراسيهم ويكتفون بالتفرج على مصائب الناس من خلال اجهزة التلفزة، عندما تُفتقد الثقة باجهزة الامن الحكومية، وتخترق من قبل الارهاببين والبعثيين واللصوص، عندما لا يحاسب السارق على سرقاته حتى بعد افتضاح امره، ولا يحاكم المجرم على جرائمه وينظر اليه مقاوما وطنيا او مؤمنا يدافع عن حق ضائع، عندما لا يُعاقب المحرض على اشعال النار، عندما تسوء معيشة الناس الى درجة الملل والقرف من الحياة..عندها يصبح اللوم والانتقاد لا معنى له، والوعود لا معنى لها، والخطب لا معنى لها ولا مفعول لها ولا اثر لها مثل الحرث في الماء، سيحتكم الناس عندها ليس الى المبادئ وليس الى الاعراف وليس الى الدين ولا التقاليد، سيحتكم الناس الى عواطفهم الطائفية حيث يغيب العقل والتعقل ويسود الانفعال ويختل التوازن ويكون الفعل هو رد اللحظة الواقعة، ردا اهوجا غير مدروس.

كم كنت اتمنى ان يكون رد الفعل على مذابح الناس، وقتل الجنود والمتطوعين، وتفجيرالعمال، وذبح الزائرين، وقصف المدارس، واغتصاب النساء، مساويا او مشابها لردة الفعل التي اعقبت مذبحة حسينية المصطفى.؟ اعلاميا بالطبع وليس عمليا، فالعمل اصبح مثل حلم الدخول في الجنة نوع من الخيال غير القابل للتحقيق. كم كنت اتمنى حين تقتل الناس ان يسارع السياسيون الى عقد مؤتمرات صحفية، ويلقون خطب ضد الارهاب والارهابيين، ويشكلوا لجانا وفرق عمل تشترك فيها جميع الاحزاب والشخصيات العراقية، ويقيمون الندوات، ويسيرون المظاهرات والمسيرات، ويقفون محكومين وحاكمين ضد الارهاب، كم كنت اتمنى ان يعلن المسؤولون ان لا تهدئة مع الارهاب، ولا مفاوضة مع الارهاب، ولا سماح للارهابيين، كم كنت اتمنى ان ارى ولو مرة واحدة محكمة علنية للارهابيين، محكمة ترفع غطاء السياسيين عن المستور الذي يودون له ان لا يبدو للعيان.

ولأن الغضب له مواسم، والحديث له مواسم، والخطابات لها مواسم، وخطط الامن لها مواسم، اصبح موسم الارهاب موسما دائما، ضحايا بشرية تنحر او تخنق او تُقطع ثم توزع ، الى حاويات القمامة والى مشاريع المياه او ترمى بتأني وعلى مهل في الحفر وعلى ارصفة الشوارع وقرب الجوامع وفي المزارع، جثث مجهولة الهوية، مقطوعة الرؤوس، او منتفخة، وراء كل اكمة جثة اذا تسآل احد عن ما وراء الاكمة. لكن كل هذا لا يثير زوبعة ولا رعد، يستقبله السياسيون ببرودة متناهية، رعونة متناهية، او لاابالية متناهية وكأن الوحوش الارهابية لم تنفلت بعد من عقالها وان الكلاب لم تسعر بعد.!!

الناس المغلوبة على امرها، بدأت تستسلم للامر الواقع، لا تعول لا على جيش ولا شرطة ولا استخبارات، غير امنة في بيوتها ولا اعمالها، محكومة بالصدفة وحسن الحظ او سوءه. فنحن نعيش في اللا دولة، اللاحكومة، اللاوزارة، اللامسؤولية، الجميع انتهت ولايتهم او صلاحيتهم، لا فرق، احدهم يصر على ان صلاحيته لا زالت كما هي لم تنتهي رغم ان رائحة الفساد تزكم الانوف.

ولاننا في اللا دولة، اللا حكومة بدأت كل مجموعة ، كل مليشيا، كل عصابة، كل محافظة، قضاء، قرية، عشيرة، او قبيلة، تعتبر نفسها هي الدولة وبس...

فلا غرابة ان تتكاثر المليشيات ولا غرابة ان يزداد عددها ويلتحق الناس بها، ففي دولة اللا دولة، المليشيات هي الدولة.