مالوم أبو رغيف
الأثنين 26/3/ 2007
من ينقذ الدين من رجاله السياسيين؟
مالوم ابو رغيف
اذا كان المسلمون حريصين على دينهم، على نقائه وعلى صفائه وابعاده عن كل التأثيرات المضرة التي تشوبه، عليهم ابعاده عن السياسة والسياسيين. فالدين مسألة روحية خالصة واعتقاد شخصي وايمان ثابت لا يحتاج الى ادلة ولا اثباتات او براهين، له طقوسه وواجباته وتعليماته التي يتولاها مراجعه والراسخون في خفاياه، ينصحون ويرشدون ولا يتبعون العنف والاجبار، لذلك قالوا ان الدين النصيحة. اما السياسة فهي تصارع مصالح ليس لها علاقة بالسماء ولا بالعبادة ولا بالطقوس، تحتاج الى ادلة وبراهين الى صحتها او بطلانها، قد تسحب الناس ثقتها من السياسي ومن الحزب او التكتل، قد تتهمهم بالنصب والاحتيال والخديعة واستغلال مشاعر الناس، تشتمهم وتهينهم، فهم رغم مناصبهم العليا، ورواتبهم الضخمة وامتيازاتهم الكبيرة، الا انهم اكثر الناس عرضة للتشهير وللاستهزاء وللطعن، قد يُنعتون بالكذابين والمحتالين والنصابين والحرامية والمهربين، قد يُطعن بأخلاقهم وسلوكهم ويُشهر بهم، السياسي يضع سمعته على كفي عفريت، مهما علا سيسقط يوما، ليس شهيدا ولا قديسا ولا يأخذه لا الله ولا الناس برحمتهما، سيكون محل شماته وتشفي . حتى وان لم يسقط ، فإن الخصوم لا تكف عن البحث عن زلات له او تفبركها وتتهمه اتهامات قد تكون باطلة وترسم صورة كالحة له وللمقربين منه وتعمل على زوال سلطته وعلى التقليل من سيطرة حزبه.
والتجربة العراقية قد بينت بشكل لا يقبل الشك ولا الجدال، بأن رجال الدين الذين دخلوا معترك السياسة واسسوا احزابا اسلامية اصبحوا هدفا لسهام الانتقادات والاتهامات وتوسيخ السمعة، لقد خسروا مكانتهم الاجتماعية والدينية، فلم يعد احد يوليهم اهتماما ولا يصدق احد بكلامهم ولا بوعودهم ولا بتعليماتهم وارشاداتهم، فالسياسي عليه العمل وليس الارشاد، عليه التقرب الى الناس لا الى الله ، الناس او المنتخبون يأخذون بيده وليس الله. يصبح الله هامشيا في حياته، مركون في زوايا سجلاته المنسية. في الحياة الديمقراطية، تصبح السياسة مهنة، حرفة لا تعطي مجالا ولا متسعا من الوقت لمهنة اخرى مثل ان يكون سياسي ورجل دين بنفس الوقت، تتطلب تفرغا كاملا، لا يتسع لشؤون الرب وشوؤن العبادة، ولا للصلاة ولا للصيام وقتل الجوع بالنوم او التلهي بدردشة فارغة.
ليس رجل الدين السياسي وحده الذي سوف يفقد احترامه ودوره ومكانته في المجتمع، بل الدين نفسه سيفقد وظيفته وتأثيره، ويصبح مجرد طلاء يخفي وجه الطمع والجشع، وغطاءا يستر النوايا الحقيقية، النوايا الانانية الضيقة، فرجال الدين الذين يمتهنون السياسة محاولين ادلجتها واعطائها طابع قدسي، انهم بذلك يسيؤون للدين نفسه ويعرضونه للاختبار يجرده من الايمان، وعندها تزول كل قدسية منه وتسقط كل محرماته التي لا ينبغي السؤال عنها لانعدام الجواب، سيكون الدين مثل اي نظرية، باهتة مهملة، لانها اتت من الازمان الغابرة، وليس آلهية، الاله لا يوكل لبشر ان يحكموا بإسمه مستخدمين اوامره لبلوغ الارب وتحقيق الاهداف الذاتية.
نظرة بسيطة على الاحزاب الاسلامية ورجالها، لم يسلم احد منهم من الانتقاد: فمن منهم الذي لم يُتهم بالسرق اوالاستحواذ و اللصوصية او الانتهازية او التحكم بمصير الناس.؟
الناس تقارن بين حياتها وحياة من يوعظها بالزهد والصبر، وكما هو حال العمائم السياسية، سنية او شيعية، تعيش في ترف وبحبوحة من العيش الرغيد وتستلم الرواتب الضخمة بينما الناس تعاني الامرين من العوز والفقر والاحتياج، فهل يصدق احد رجل دين ينصح بالصبر وكرشه يصل الى انفه من كثرة الشبع.؟
تتسائل الناس، كيف تسنى لرجال الدين امتلاك هذه البيوت الكبيرة والاموال الضخمة وهم كانوا مطاردين، منفيين مشردين لاجئيين ليس بمقدورهم العمل، اياديهم ناعمة فهم لم يمسكوا يوما مطرقة ولا معولا، على جباههم علامات الايمان والصلاة وليس علامات المكابدة والسعي لكسب الرزق بقوة العضلات.
ليخطب اي رجل دين امتهن السياسة مهما كان موقعه ومركزه ومعرفته بشؤون الدين، سوف لن يصدقه احد، لن يلتفت اليه احد، وان التفت اليه فإن ذلك لا يخرج عن تزلف الملتفت وليس تقديسا او اخذا بكلامه.
بينما رجال الدين الذين لم يمتهنوا السياسة ولم يدخلوا في دهاليز نفاقها، ولم يطالبوا بتكوين دولة اسلامية، او الحكم وفق شريعة اسلامية، او يغصبوا رجلا او امرأة على التقيد بأوامرهم وفتاويهم بالعنف والاجبار، هؤلاء لا تزال الناس تحترمهم وتقدسهم وتسمع لنصائحهم وارشاداتهم، لهم مكانتهم الاجتماعية والدينية المرموقة التي لا يستطيع احد مسها ولا تدنيسها.
بل ان من نفاق الاسلاميين السياسيين هو الذهاب الى رجال الدين غير السياسيين لاستخدامهم كدعاية انتخابية او تعزيز لمكانة مهزوزة، في حين وعندما يصرح هؤلاء الاسلاميون السياسيون ويلقون خطبهم السياسية، سيطيلون بخطبهم ويتبجحون بإيمانهم ويضفون القداسة على مشاريعهم ويقدمون انفسهم وكأنهم العلماء الكبار بكل صغيرة او كبيرة بشؤون الدين والحياة والسياسة.
العراقيون يدفعون ثمنا غاليا لهذه الصراعات الاسلامية، ليس بين الطوائف المتخالفة، بل بين الطائفة نفسها.
الخلافات الدينية بين المذاهب المؤدجة سياسيا لا تنتج سوى الطائفية وامراضها.
والخلافات ضمن احزاب الطائفة المؤدلجة سياسيا لا تنتج سوى اتهامات التخوين والتصغير والصراع الدموي.