مالوم أبو رغيف
السبت 25 /3/ 2006
صراع المؤمنين
مالوم ابو رغيف
بالتاكيد ان الولايات المتحدة الامريكية قد ارتكبت اخطاء وربما حماقات في مرحلة ما بعد سقوط نظام البعث الهمجي، لكن ان تكون هي المسؤولة الاساس عن التدهور الامني والانزلاق الخطير على منحدرات التحزب والحقد المذهبي، فهو انكارا للواقع وتجني على الحقيقة. من السهل تفسير الامر وفق نظرية المؤامرة او وفق مبدا فرق تسد وتحميل الادارة الامركية كل الذنوب والكبائر مثلما اعتاد العرب على ذلك، لكن هذا الامر سوف لن يساعد لا كثيرا ولا قليلا في فهم وحل المشكلة لأنها ستبقى عالقة طالما بقيت اسبابها ومسبباتها بعيدة عن التناول وعن التشخيص الصحيح. يجب علينا الاقرار بان هناك انقاسم خطير في بنية المحتمع العراقي وان هذا الانقاسم ليس بالجديد، فقد عمل نظام البعث الهمجي على تمزيق الوحدة الوطنية بل وتبديل مفهوم الوطنية نفسه من اخلاص للوطن شعبا وارضا ومصالح الى ولاءات وطاعة عمياء للهمجي صدام وحزبه، وعلى هذا الاساس الذي استمر لاكثر من 25 سنة، بُنيت المناهج الدراسية والمبادئ الدينية وقوانين الدولة ووفق مفهوم الوطنية البعثي تم التعامل مع مكونات الشعب العراقي ومع المحافظات والمدن العراقية. مبدا فرق تسد استخدمه حزب البعث بخبث ودهاء كبير، فمحافظات سوداء واخرى بيضاء، مرجعية شيعية ايرانية واخرى عربية، عرب اقحاح واخرون شعوبيون ، وفرس مجوس وعملاء الخ. هذا التقسيم الخبيث اخذ طريقه الى تفكير العراقيين بين رافض له و متمرد عليه وبين متبنيا له او موافقا له، وانعكس على الشارع والمكونات المذهبية له باشكال متعددة. جماعة الصدر والتجمعات السنية مثلا رفعوا شعار نعم لعراقي الداخل ولا لعراقي الخارج، اكانوا علمانيين او ايمانيين، رغم ان مشروع العلمانيين كان يدعوا الى التسامح والتصالح تحت شعار عفا الله عما سلف الا عن من تلطخت يده بدماء الشعب العراقي، اما الايمانيون فانهم المنافسون الرئيسيون لتيار الصدر وللمرجعية الناطقة التي وجدت نفسها مهمشة وخارج اللعبة السياسية وخارج مجلس الحكم. فزاد تقارب الصدريين من التكتل السني الديني الذي لحد الان لم يتخذ شكلا سياسيا بقدر اسلاميا سلفيا رجعيا برفض اي جديد بدعوى مقاومة الاحتلال والغزو والمؤامرات الصهيونية والامبريالية على العراق . ثم انصب تثقيف التكتل السني الصدري وتركز على زحزحة مكان المرجعية الدينية والاساءة اليها والانتقاص منها وأعابة صمتها المجبورة عليه والتمجيد بالمرجعية الناطقة وفق مبدا الولاء البعثي. فوجدت المرجعية النجفية نفسها مصادرة من احزاب الاسلام السياسي القادمة من الخارج و منجرة هي الاخرى للدخول باللعبة السياسية داعية الى انتخابات مبكرة لم يتهيأ لها الناس سياسيا وانقادوا اليها باندفاعات دينية طائفية لتاكيد امرا واحدا هوالاغلبية العددية المذهبية. الاغلبية المذهبية وان تنكرت لها وشككت بها هيئة علماء المسلمين كحقيقة لا تقبل الجدل، واستماتت في تزوير الحقائق وتشويه الارقام، لكنها لم تتمكن من تغيير الصورة فالواقع يفرض نفسه والحقيقة لا يمكن حجبها بغربال، هذه الاغلبية المذهبية العددية والرفض الدائم للاقرار بها قاد الى حدوث انشقاق وتصدع في البناء الاجتماعي العراقي الذي يعاني من التثقيف البعثي البغيض، وبدلا من الصراع على البرامج السياسية للاحزاب، اصبح الصراع مذهبيا طائفيا للسيطرة على الدولة وفرض ايدلوجية المذهب الديني على الناس. بالغت الاحزاب الشيعية في اظهار وابراز كل ما هو شيعي اسلامي، وصورت الصراع مع البعث على انه كان صراعا ضد المذهب الجعفري فقط وليس صراعا شاملا عم كافة طبقات الشعب ولم يترك قومية ولا مجموعة ولا مذهب ولا حزب دون ان يشمله بظلمه واجرامه، واطلقت على انتفاضة الشعب في 91 اسما ايمانيا( الانتفاضة الشعبانية) رغم ان الانتفاضة قام بها الجنود العائدون من جبهات القتال وانتفض الجنوب والشمال عربا واكرادا ضد الظلم والطغيان وقام الشيوعيون والبيش مركة الكردية بدور باسل فيها. ومما زاد في تصدع المجتمع العراقي هو محاولة الاحزاب الشيعية تكرار التجربة الايرانية في سرقة الثورة عن طريق الاستيلاء بالقوة على الدوائر المهمة في المحافظات ومراكز البلديات وفرض الامر الواقع حتى على قوات التحالف.
ومع هذا لم تخرج الاحزاب الشيعية عن الطريق السياسي ولم تسلك طريقا عنفيا او ارهابيا في محاولاتها الدائمة من اجل السيطرة على مقاليد الامور.
بينما اتخذ من يدعي تمثيل السنة وعلى وجه الخصوص هيئة علماء المسلمين من رفع السلاح واسناد ما يسمى بالمقاومة وتشجيع الانتحاريين القادميين من الخارج والتنسيق مع الاستخبارات العربية والانظمة الخائفة من ضربة امريكية قادمة، وسيلة لتاكيد القوة وتعويض النقص عن موقع الاقلية في المعادلة المذهبية. وراهنت ايضا على استغلال غضب الصدرين من التهميش الاولي وطموحهم بالاستيلاء على الشان الديني الشيعي والحاقهم بحركة مقاومة التغيير. وان نجحوا في مسعاهم هذا في بادئ الامر الا ان الامور لم تجر على هواهم او حسب مخططاتهم، فاغلب المنظمين الى مليشيات جيش المهدي هم من المراهقيين والصبيان الذين تغويهم المغامرة والمخاطرة اكثر من الايدلوجية الدينية او طموحات وتعليمات من يدفعهم الى واجهة الصراع، وهم اولا واخيرا شيعة يتأثرون بما يجري لابناء مذهبهم، لذا اضطر الصدر وجماعته الى التخفيف من حدة خطاباتهم ومن اندفاعاتهم نحو ما يسمى المقاومة، تكتيكا وقتيا وليس استراتيجية دائمة، لئلا يخسرون جمهورهم الذي وجد نفسه منحازا لفئته المذهبية اكثر من لتكتيكات قيادته واطماعها وطموحاتها السياسية، لذلك نجد التناقضات في خطب وتصريحات الشخصيات المتنفذه للصدريين وبين ما يجري على ارض الواقع من تصادمات مذهبية.
ان ما يجري في العراق في حقيقته ليس سوى صراعا مذهبيا معبرا عنه في وسائل سياسية، اتخذ من الموقف من القوات الاجنبية او الاحتلال وشكل اخراجه، قناعا لاخفاء الصراع المذهبي، ومن هنا تاتي صحة التشخيص بان اي خروج مبكر لهذه القوات معناه اذكاء نار حرب اهلية. لقد اعتادت احزاب الاسلام السياسي بادماج السياسة بالدين وتهجينهما وانتاج سياسة مشوهه وخلطة من الصعب معرفة ماهو ديني وما هو سياسي فيها.
رغم علمانية بعض الاحزاب في تكتل جبهة التوافق السنية، الا انهم يتحدثون من منطلق مذهبي سني عندما يتعلق الامر بالمصالح وموازين القوى، وهذا المنطق هو الارضية الصالحة لانبات روح البغض والعداوة والشقاق. فعند المطالبة او السعي للحصول على امتياز اوتفضيل سياسي او اقتصادي لفئة معينة من الناس او طبقة او مجموعة فان ذلك سيتم على حساب مجموعة اوفئة اخرى اذا لم يكن الصالح العام هو الاساس في هذا الامتياز وليس الصالح او المعيار المذهبي.
واذا نظرنا الى الارهاب نفسه الذي يبتعد كلا الطرفين، السني والشيعي عن تشخيص منطلقاته النظرية والايدلوجية والدينية، لانه يستند على قاعدة من الاحكام والمقولات الدينية ولا تود الاحزاب الاسلامية سنة او شيعة ان يكون الدين على نطاق البحث والمناقشة، لانها عندها ستخسر المعركة بتهدم الاعمدة التي تستند عليها وتبني على قاعدتها قلاعها الدينية المغلقة المنافذ، اقول اذا نظرنا الى الارهاب فهو ارهاب اسلامي العقيدة والنزعة والوسائل والتاريخ، يلعب فيه الاتجاه المذهبي الدور الاول في تحريكه ونموه واتساعه، بمعنى كلما اتسعت سيطرة الاحزاب الشيعية على السلطة كلما زاد الارهاب بشكله الرافض لهذه السيطرة ووجد تعاطفا ومؤازرة من مَن يعتقدون بانهم سيُهمشون ويُغبن حقهم بشكل عام. لذلك ليس مصادفة ان الارهاب يكاد ينحصر في المناطق السنية.
من هذا كله اذا صح التحليل، فان ما تتحدث عنه الاحزاب السياسية العراقية وما ترمي فيه القوات الامريكة لا يتعدى عن كونه تقصير او اخطاء ثانوية وليست اساسية في اشتداد شوكة الارهاب الذي يتخذ من الاختلافات والصراعات المذهبية المسكوت عن الاشارة اليها تحت ذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية. التقصير والخطأ هو شئ طبيعي يرافق اي عمل مهما حرصنا على اتمامه على اكمل وجه. فالسبب الرئيس الذي قوى شوكة الارهاب هو عدم فصل الدين عن الدولة وسيطرة رجال الدين عليها وعلى جميع المظاهر القانونية والاجتماعية والفكلورية والفنية وعلى وسائل الاعلام المتعددة. كما ان الجهود المبذولة لحل النزاع هي ايضا جهود تتخذ من الاسلام قاعدة للانطلاق، بينما من المفروض ان يكون الانطلاق من قاعدة الوطن، فالاسلام متعدد مختلف غير متفق عليه لا في العام ولا في الخاص بينما الوطن واحد. واخيرا لا بد من ملاحظة ان المقصود بالشيعة او السنة في هذه المقالة هم المؤمنين و ليس المسلمين.