|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  23 / 8 / 2015                                 مالزم أبو رغيف                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 



لا تحشروا ايران في زحمة الهتاف

مالوم أبو رغيف

المظاهرات التي يشهدها العراق هي رد فعل لسياسة الاهمال العام والشامل التي تنتهجها الحكومات العراقية منذ سقوط النظام الصدامي الى يومنا هذا.

فالعراقي لا يرد في نشرات الاخبار الا رقما في قوائم القتلى والجرحى والمختطفين والمذبوحين، لقد اهملته الحكومة والاحزاب حتى غدا مجرد عددا صغيرا حتى وان كبر في احصائيات العنف المستشرس الذي ليس من طبائعه السكون. العراقيون حتى وهم ضحايا يطالهم الاهمال، اذ ان قوائم التفجيرات والحوادث الحكومية تكتب باهمال واضح لا يراعى فيها لا الدقة ولا الاكتمال.

وردا على سياسة الاهمال الحكومي المتعمد، ذلك المبني على مبدأ جوّع كلبك يتبعك، خرج العراقيون في مظاهرات مطلبية تنسجم مع القانون والدستور وحقوق الانسان ولا تتعارض مع اي بند او مادة، اكانت مدنية او دينية. تجمعات سلمية الطابع وسلمية الشعارات والهتافات وسلمية النوايا، لا تحمل بذرة للعنف حتى في احتمالات تطورها الى فعاليات اخرى.

لذا فان الاعتداء على المتظاهرين اياً كانت صوره، واياً كانت ذرائعه يعتبر بمثابة جرم لا يختلف عن جرم الاجهاز على جرحى واسرى الحروب. ان اي اعتداء يُعد بمصاف الجريمة المقصودة ضد الانسانية، فالرصاص الحي لا يستخدم للتخويف او لتفريق الحشود، بل يهدف الى القتل العمد، الى انهاء الحياة، لذلك، فان التهاون بتقديم الفاعل للمحاكمة هو تستر واشتراك في الجريمة وتدنيس واضح للقانون والدستور وحقوق الانسان. فدولة الحقوق لا يمكن ان تنشأ الا على اساس تطبيق القانون على الاعلى اولا.

المظاهرات العراقية انسانية الطابع، هي صيحات وجع والم وحسرة. انين مريض ليس له من يرعاه، صرخة مكلوم لا احد يهتم بتخفيف اوجاعه، حسرة محروم يائس محبط، انها زفرات المعذبين تحت شمس العراق الحارقة.

المظاهرات التي يشهدها العراق لا تتدخل في سياسية الدولة الخارجية ولا سياستها الداخلية تلك الموجهه ضد الارهاب ولا بعلاقات الدولة الاقليمية او الدولية. فالمظاهرات ليست جزء من الصراع الديني او الطائفي او الاقليمي. لذلك لم تخلف صدى طائفيا او قوميا، فهي لا تحمل عداء لشخص ولا لجهة ولا لمؤسسة ولا لسياسة ولا لطائفة، انها حزمة نداءات انسانية لتحقيق العدالة الاجتماعية والعيشة الكريمة للجميع.

ذلك يعني بان الهتافات ضد هذه الدولة او ضد صنوها المضاد، ضد ايران او ضد السعودية يعني حرف المظاهرات عن مسارها المطلبي وتحويلها الى مسار سياسي طائفي يتخذ موقفا منحازا.

فهتاف ايران بره بره بغداد تبقى حرة، هو هتاف سياسي بحت، وحتى على افتراض صحته، فان المظاهرات الشعبية ليست مكانا له، فهو يحمل نفسا سلطويا وحزبيا سياسيا. كما ان هذا الهتاف يتناغم مع السياسية السعودية والخليجية التي تبذل كل ما في وسعها من اجل حشر ايران في كل شاردة وواردة وفي جميع محاور الصراع، اكان في العراق او سوريا او في اليمن او لبنان.

نعتقد ان العراقيين في غنى عن تفتيت جهودهم وقواهم في صراعات اقليمية وطائفية تدار من قوى مخابراتية كبرى. نرى بان المظاهرات يجب ان تبقى في اطار جوهرها المطلبي الذي يفند كل تبريرات زيف الوعود ويكشف كل مظاهر الايمان الكاذب والمخادع ويطالب باحالة الفاسدين الى ساحات القضاء، وان لا تنتقل المظاهرات الى ساحات الصراع السياسي الذي من ميزاته الطائفية والمذهبية والتسقيط.

الصراع السياسي لعبة الاحزاب وشغلها الشاغل، قد يُسقّط بعضها البعض، قد يفضح بعضها البعض، قد يتحول فيها القواد الى قديس والقديس الى قواد فمثل ما يقول المثل العراقي (نارهم تاكل حطبهم). كما لا يهم الشعب ان مالت الاحزاب الدينية شرقا او غربا او جنوبا او شمالا، فلتنهش لحومهم الكلاب الضالة وليفتك بهم الموت الاسود.

لسنا في وارد تقديم النصائح، ولكننا في معرض الاشارة الى واجب الانتباه بان لا يتسرب صراع سياس او طائفي او اقليمي الى المظاهرات متخذا شكل شعار او هتاف حتى لو كان عن صفاء نية، فالطريق الى جهنم معبد بالنوايا الحسنة

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter