مالوم أبو رغيف
سين والمالكي وما يكذبونمالوم ابو رغيف
أول علامات الخوف والهلع عند المسئولين هي عندما تضعف ثقتهم بالشعب، فلا يطمئنون للشارع، يفضلون البقاء في مكاتبهم كأنهم مرضى منعهم الطبيب من الحركة.
لا تختلف الحالة عند رئيس شمولي أو ديمقراطي طفيلي، كل منهم يدعي المعرفة بمشاكل الناس ويحس بمعاناتهم مع أنهم منبتون في قصورهم الرئاسية مثل ما تنبت الأحراش في الحدائق، تحيط بهم أفواج وألوية من الحمايات العسكرية المدججة بالسلاح، لم يروا أناسا آخرين غير فلاحي الحدائق والطباخين والجنود وفصيلة المستشارين. صدام كان يستدعي الصحفيين والكتاب والشعراء والمدرسين وشيوخ العشائر للقصر الجمهوري. يستقبلهم حراسه بالتفتيش الدقيق الذي يظهر من جسم الإنسان أكثر ما تظهره الـ body scanner ويملون عليهم أوامر كيفية التصرف أثناء وجود القائد، يعينون لهم الأسئلة وطريقة وأوان طرحها والهتافات. عندما يدخلون القاعة لا يحق لهم الخروج منها مرة ثانية ولو اضطرتهم الحاجة للذهاب إلى الحمام حتى يأتي القائد المقبور وينهي لغوه، لذلك حرصوا على عدم الأكل وعدم الشرب وتفريغ الأمعاء من الفضلات البيولوجية يوما قبل الموعد وغالبا ما يشترون حبوبا مسهلة للزيادة في التأكد ، فهم لا يعرفون كم يطول الانتظار، ساعة أو ربما ست ساعات أو يوما كاملا الأمر موكول بمزاج المقبور. وعندما يأتي الرئيس سيتحولون مثل التلاميذ الصغار في حجرة المدرسة، يفتحون آذانهم ويغلقون أفواههم ويبعدوا نعاس الانتظار عنهم ويطردوا الملل الذي سببه لهم كلام الرئيس.
في الدول الديمقراطية، دول القانون وحقوق الإنسان لا يوجد مثل هذا التقليد، فهو تقليد دكتاتوري يشير إلى عظمة الحاكم وترفعه عن شعبه ووجوب الخضوع له وعدم عصيانه، فمن عصاه لن يحظى بعطاياه إن لم يكن هدفا لغضبه وانتقامه. فالحاكم العربي يُزار لا يزور، يستنجد به كما يُستنجد بالرب.
لقد دأب المالكي في المدة الأخيرة لا نقول استدعاء فنحن في الزمن الديمقراطي، إنما دعوة الصحفيين والكتاب والمدرسين وشيوخ العشائر وغيرهم إلى مكتبه ليلقي عليهم مواعظه وجمله، التي يعيدها ويكررها مرة بعد أخرى دون ادني تغيير لا بالمعنى ولا بالمضمون ولا حتى بالكلمات، تكاد لا تخلوا كلمة من حرف السين، سنبني وسنعمل وسنعطي وسننجز وسنضيء وسنبلط وسنقضي، إما سلبيات وتخلف و فقر وأمراض الحاضر، وبعد سبع سنوات مرت على الإطاحة بنظام البعث المقبور، وخمس سنوات أخرى منذ ترأسه الوزارة، فأنه يحمل أوزارها النظام السابق ويصفها بأنها مشاكل موروثة، وكان الموروث عصي على الحل.. هل للسيد المالكي إن يخبر الشعب بانجازاته في قطاع الصناعة والزراعة والثقافة والسياحة والطب والتعليم دون استخدام سين وسوف؟
وبعد إن يفرغ من خطابه المكرر المعاد يشرع بتوزيع عطاياه قطع أراضي ومنح مالية ووعود تبقى طي الكتمان والسرية.
كان من عادة القادة الثوريين الخروج إلى الجماهير ومخاطبتهم مباشرة بخطب حماسية جلها مكرسة ضد الامبريالية والصهيونية والعدو الإسرائيلي، ورغم سلبية الخطاب وكذبه إلا إن هناك نوع من علاقة ورابط بين الحاكم والمحكوم حتى لو كانت هذه العلاقة مضللة.
بعد انتهاء الزمن الثوري وانتهاء صلاحية شعاراته الحماسية الخادعة، وعندما فشلت الدولة القومية فشلا ذريعا وأفلست تكتيكا وتطبيقا، واتضح حجم الزيف والرياء والتضليل الذي مارسه القادة على شعوبهم، وعاشت الأجيال الموعودة بمستقبل أفضل، فوجدته فقر وإملاق وزنازين و مقابر وملاجئ في بلدان الغربة و في المنافي الباردة البعيدة، لاجئون من غير أوطان إلا تلك التي يحملونها في قلوبهم .
لم يعد للقادة ما يقولونه لشعوبهم سوى كلمات تبتدئ بحرف السين أو تسبق بـ (سوف) سين وسوف لن تثق بها الناس أبدا، فقائلها حتى لو كان نبي فانه نبي كاذب لن يصدقه احد.
وإذا ما قارنا مواعظ السيد المالكي بمواعظ السادة الدكتاتورين الذين أطيح بهم أو سيُطيح بهم نجدها لا تختلف فحوى ومضمونا اللهم إلا باللهجة. فهم دائما يحذرون المتظاهرين والمحتجين من المندسين ومن اللجوء إلى العنف والعبث بالدولة والحفاظ عليها متناسين إن من يعبث بالدولة هو من يفسد فيها ماليا وإداريا ويستبعد الأكفاء من أصحاب الخبرة والقابلية الأكاديمية والعملية ويعين الأميين والمخادعين والمحتالين واللصوص ومزوري الوثائق والشهادات. فاي العبثين اضر.. عبث التظاهر والمحتجين ام عبث الفساد والمفسدين المسئولين؟