مالوم أبو رغيف
الأربعاء 19/12/ 2007
مهنة الارتزاق الوطنيمالوم ابو رغيف
لعل السيد احمد ابو ريشة صحى للمرة الثانية عندما قال بأن افراد الصحوة ليسوا بمرتزقة يعملون لمن يدفع اكثر، فهم تحت أمرة الحكومة العراقية وليس القوات الامريكية.
لم يقل السيد ابو ريشة ذلك اعتباطا، فالاتهامات وضعت رجال الصحوة في خانة المرتزقة، وليس خانة المناضلين الذين يدافعون عن بلدهم وعن شرفهم وسمعتهم دون ان يتوقعوا ان يجازوا او ان تشترى اتجاهات بنادقهم.
لو لم تدفع الاموال الجزيلة، لفضل الكثير من الصاحين الرقاد والسبات ولما رأينا هذا التزاحم والتدافع في مراكز التطوع الصحوي.
لقد ذهب ذلك الزمن الجميل، زمن النضال المجاني من اجل الحرية والكرامة والمبدأ والوطن، ففي الزمن الرأسمالي يتحكم قانون العرض والطلب بكل شيئ، بالدين والشرف والمبدأ. فلننظر كيف ترك رجال الدين ربهم يشكو الوحدة وانشغلوا عنه بالسياسة وجمع الثروة من دون جهد.!!
السيد ابو ريشة يرى ان المال اذا كان مدفوعا من الحكومة، 700 دولار شهريا للصاحي الواحد، فالمهنة عندها ليست مهنة ارتزاق، ولا هي تأجير للبنادق لمن يدفع اكثر او تغييراتجاه الرصاص حسب الطلب، فبعد ان كانت بنادقهم تصوب على البسطاء المسافرين عبر الطريق الى سوريا والاردن، اصبحت نفس البنادق حماية للطريق والسابلة والمسافرين من بطش رجال القاعدة ومجاميع "المقاومة الشريفة " .وبذلك فهي مهنة ومهمة وطنية شريفة لمحاربة البغاة الطغاة من سلفية الوهابية الجهادية واتباع ابو عمر البغدادي ودولته الاسلامية.
للسيد ابو ريشة كل الحق في طروحاته هذه، فهو يعرف ان النفس آمارة بالسوء، وان السواعد والنوايا لها سوقها التي وان رأينا اعلاناتها ودعاياتها في اسواق الوطنية الوهمية، لكن الاسواق الحقيقية، في مواقع ما، تدار عبر تجار وسماسرة الحروب، في مكاتب ودوائر مغلقة، قد تكون خيام او منتجعات اوربية، تخاض فيها مباحثات واتفاقيات سرية للغاية، لغتها الاموال وليس العواطف الدينية والوطنية، فالعواطف الدينية علف الشعب المسكين المغلوب على امره. يعرف السيد ابو ريشة والحكومة وغيرها، بأن الصاحي ان لم يستلم في نهاية الشهر المبلغ المتفق عليه، فربما سيعود الى سبات غير محمود العواقب.
لا عيب في ذلك ولا خجل، فالحكومة العراقية تبعثر ملايين الملايين على الدول العربية وغير العربية المجاورة وغير المجاورة من اجل شراء امنها او قل محاولة التخفيف من الهجومات الاعلامية المسمومة، فلماذا لا تبعثر ولو قليلا من هذه الملايين على العراقيين، الذين وان انحرفوا وان كانوا غافلين او غير صاحيين، فهم لا يتحملون اسباب ذلك، فلقد ولدوا وتربوا ونشأوا في دولة كل ما فيها بعثي، الاخلاق بعثية، الدين بعثي، المساجد بعثية، الادعية بعثية، المدارس بعثية، الزيجات بعثية، المشيخة بعثية، الاعلام بعثي، فهل يستطيعون مقاومة هذا الانحراف المغروس في كل مناهج الحياة والمعرفة والمقدسات طوال حكم صدام .؟
من اين لهم تعلم الوطنية المجانية وحب الوطن.؟
فماذا يفعلون اذا كان حب الوطن من الايمان والايمان كان صداميا.؟
الوطن بالنسبة لهم تتحدد حدوده بجيوبهم، ما ان تفرغ حتى ينتهي الوطن من ان يكون موجودا. عندها يتأسس وطن اخر يرسم حدوده من يملأ الجيب بالمال مرة اخرى.
فالصدر مثلا بنى وطنا ايضا من الخزعبلات والخرافات والمخدارت الدينية وخروج المهدي، لم تدفع له الدولة مثلما تدفع الان لجيوش الصحوة، فأتت ايران وحددت مهمات وواجبات عصابات الصدر ورسمت الحدود بالتومان الايراني.
السعودية، تلك الدولة اللئيمة رسمت حدودا وحددت مهمات وواجبات منها تفجير كل ضريح مقدس، زرع الشوراع العراقية بالشقاق والنفاق والحقد، تمكنت ايضا من تأسيس جيوشا همجية تسمى المقاومة الشريفة، فكان الريال السعودي هو بيرغ الله المرفوع على سيوف وسكاكين ورماح جحافل الهمج السلفية الوهابية.
ولكي نتخلص من هذه المعمة، هذا الزيف، هذا البيع والشراء، خداع العواطف الدينية، علينا ان نتعرف ان الوطنية اصبحت ارتزاقا ايضا.
علينا ان نفهم ايضا بأن الولاءات الوطنية اصبحت سلعة، تباع وتشترى، قد يشتريها الغير بثمن بخس، فقد عرفنا ان رأس العراقي يتضاءل بالثمن حتى يكون 10 دولارات. اقول لكي نتخلص من هذه المعمة ما علينا الا ترك كل هذه العواطف الدينية الفارغة، هذه الولاءات المزيفة لرجل الدين فلان وعلان، والعمل على زرع حقول النفوس العراقية ببذور التفاءل، بزهور الانسانية، بنظرات مشتركة تتطلع الى عراق مزدهر متقدم متطور ديمقراطي انساني علماني. لقد كان هذا التفاءل هذا الحلم هو القوة المحركة لكل نضالات الثوار العراقيين وتضحياتهم الكبيرة.
عندما تستطيع الحكومة والاحزاب الوطنية توليد مثل هذا الشعور في نفوس الجميع ستنتهي مهنة الارتزاق الوطني الى الابد.