مالوم أبو رغيف
الثلاثاء 15/9/ 2009
الطائفية التوافقيةمالوم ابو رغيف
أصحاب الأحزاب الإسلامية وكبار قادتها يحاولون إيهام الناس بان الخلاص من الطائفية هو في إقامة ائتلافات أو تكتلات تضم سياسيين من مختلف الطوائف والأعراق. خليط يجمع السني والشيعي، الكوردي والعربي في قوائم غايتها وهدفها الرئيس خوض الانتخابات وكسب اكبر عدد من أصوات الناخبين وليس التخلص من الطائفية كما يدّعون. فلقد أدركت الجماعات الإسلامية بان العزف على أوتار الطائفية لم يعد نغما راقصا ولا زخما دافعا. عدنان الدليمي الذي صرخ يوما بملئ فمه المريض بأنه اكبر طائفي، سيفرد بعيدا من أي تكتل سياسي كما يفرد البعير الأجرب. ولم تعد صورة جلال الصغير صورة جذابة ولم يعد لكلماته صدى مسموعا بل طنينا خافتا تصفعه جدران جامع براثا فيرتد إلى فم صاحبه مذموما.
الطائفية نتاج حتمي لسياسة الأحزاب الإسلامية وللتفكير السياسي الإسلامي، فهما لا ينتجان سوى شحنات عدائية متنافرة، ولا يحييان إلا في أجواء الضغائن والأحقاد والتنافس المذهبي العدائي.
القرضاوي رئيس اتحاد المسلمين العالمي الذي يضم السنة والشيعة وجماعات التقريب بين المذاهب الإسلامية، القرضاوي الذي يؤكد إن الشعب المصري المسلم هو مجتمع سني خالص مالص، قد جن جنونه وأعلنها حربا شعواء عندما عرف إن بعض المصريين لغاية أو لأقتناع أصبحوا شيعة، مع انه يعيش في قطر وليس في مصر، ويحُسب على خانة المعتدلين والمتسامحين، فقد أجاز الكثير مما يعتبر حرام في عرف المتزمتين السنة والشيعة، مثل مصافحة المرأة. إلا انه ومثل أي طائفي أخر، سيكون من اشد المتزمتين والمتصلبين والمتعصبين إذا ما حس إن مضاربه الطائفية مهددة، سيحسب نفسه بأنه فارس الطائفة السنية الوحيد وشيخ إسلامها المظفر، يجرد حسامه ويصيح بأعلى صوته واسنتاه.
لا اعتقد إن الشيعة، رجال دين وسياسيون سيسرون و يفرحون ويتقبلون الأمر برحابة صدر إذا غيّر بعض الشيعة اعتقادهم وقلدوا القرضاوي واتبعوا فتاواه وإحكامه وتثقفوا بكتبه وتحولوا من المذهب ألأثنى عشري إلى المذهب الحنبلي أو الشافعي أو الحنفي أو المالكي. هم بدورهم سيتصرفون مثل القرضاوي ويحذون حذوه، لن يصرخوا واشيعتاه، فالتفكير الطائفي لرجال الإسلام السياسي الشيعي غيّر حتى الاسم ذو الطابع الموالي لمعسكر اليسار الإسلامي إلى تسمية دينية طائفية بحته هي .. (أتباع أهل البيت) والتي ليس لها إلا حس طائفي يثير النزاعات ويحيي الخصومات التاريخية.
الصراع الطائفي الإسلامي ليس محصورا ضمن حدود جغرافية الوطن السياسية، حتى يقضي عليه بحاصل جمع الإسلاميين المختلفين طائفيا ومذهبيا، فهو أشبه بمجابهه شاملة على جبهات مختلفة تخوضها مرجعيات دينية تختفي وراءها دول وأجهزة استخباراتية ومصالح ومنافع دولية متصارعة.
فالأحزاب الإسلامية ليست مستقلة بذاتها ولا بتفكيرها ولا بسياستها، هي مرتبطة على الأقل بمرجعيات أجنبية ودول، فلا احد يجهل ارتباطات الأحزاب الإسلامية الشيعية بإيران وملاليها ولا ارتباطات الأحزاب الإسلامية السنية بالسعودية وكهنوتها وبدوائر إخوان المسلمين أكانوا في الأردن أو مصر أو بسوريا أو ارتباط الأحزاب الطائفية بدول المنطقة.
لولا هذه الارتباطات لما صرحت الحكومة السعودية أنها ستمد أهل السنة بالمال والرجال إذا ما نشأ صراع طائفي بين السنة والشيعة، ولولا ارتباطات الأحزاب الشيعية بإيران لفضحت هذه الأحزاب دور إيران الخبيث في إذكاء جذوة الصراعات وتهريب الأسلحة والصواريخ والعبوات الناسفة إلى العراق لقتل العراقيين. لولا هذا الارتباط لما سكتت الأحزاب الإسلامية الشيعية عن التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي. ولولا هذا الارتباط لما اعترض المجلس الأعلى الإسلامي على مطالبة الحكومة العراقية بتشكيل محاكمة دولية بتوجيه إيراني.
لو كان القضاء على الطائفية هو حاصل جمع السياسيين المختلفين طائفيا في حزب أو في قائمة، إذن لبطل اتهامنا لصدام بالطائفية، فحزب البعث الإجرامي كان فيه الشيعي والسني والعربي والكردي والمسيحي والتركماني الخ.
القضاء على الطائفية لا يمكن إلا بفصل الدين عن الدولة، بمنع إن يكون الدين والمذهب محركا سياسيا للأحزاب، إن لا تتضمنه برامجها ولا أنظمتها الداخلية، إن لا يؤطر شعاراتها ولا تزين صور الأولياء والرموز الدينية دعاياتها. القضاء على الطائفية يمكن فقط عندما يبتعد الإعلام المرئي والمسموع عن بث البرامج الدينية، عندما يتعامل مع الإرهاب ليس برؤية طائفية بل برؤية القانوني الذي يعتبره إجراما وليس واجبا دينيا أو جهادا منصوص عليه بالقرآن. القضاء على الطائفية يمكن عندما يكون الدين شأن شخصي وليس جزءً أساسياً من الهوية الوطنية.
الديمقراطية التوافقية التي هي اختراع بائس وفاشل كبّل ليس الحكومة وحدها عن اتخاذ أي قرار، بل كبّل العراق وجعل منه أسيرا لأحزاب اتفقت على إن لا تتفق أبدا، هذه الديمقراطية التوافقية التي أفرزت لنا أنواع مختلفة من الفساد هي نفسها التي أفرزت هذه المرة الطائفية التوافقية التي ستجعل من العراق، كل العراق وقفا سنيا أو وقفا شيعيا إن كتب لقوائمها الفوز، إن لم يلفظ الشعب العراقي هذه الأحزاب التي لم تنتج إلا فسادا ولم تنجب إلا فاسدين ولصوص.