مالوم أبو رغيف
الأحد 12/10/ 2008
العراق من غيرهم عراق لا نعرفه!مالوم ابو رغيف
عمليات القتل و التهجير التي شملت بأرهابها ووحشيتها العراقيين من غير المسلمين، مسيحيين ومندائيين وأيزيديين هي ليست بعمليات عشوائية غير منظمة او مبرمجة، فهي لا تخطئ اهدافها ولا تصيب الا ضحاياها وليست مثل السيارات المفخخة التي تحصد في انفجاراتها اولئك الذين يجب ان يقتلوا او الذين يجب ان لا يقتلوا، هنا الوضع مختلف، فمن يُهّجر او يُقتل او يُعتدى على عائلته هو اما مسيحي ، أيزيدي او صابئي. كما ان هذه العمليات البربرية ليست مناطقية، فهي في الجنوب والشمال والوسط وفي كل اماكن تواجد العراقيين من غير المسلمين، حتى العابرين منهم الى سوريا او الاردن لو وقعوا بيد عصابة اسلامية لما رحموا احدا ولو كان طفل رضيع. ومجرمو هذه العصابات الدينية لا يقتصرون في انتمائهم الديني على مذهب معين، فهم مؤمنون سنة مثل ما هم مؤمنون شيعة.
في مناطق الجنوب الشيعية هُجر المسيحيون والصابئة المندائيون وقُتل العديد منهم ونهبت وسُرقت وفجرت محلاتهم وبيوتهم وكنائسهم، وفي بغداد حيث الخليط المتنوع من القوميات والاديان والمذاهب، وحيث تقبع الحكومة بكل ادعاءاتها وبكل ابطالها الكارتونيين وعلى مقربة من حصون المنطقة الخضراء فجرت العديد من الكنائس والمعابد حتى في ايام الاعياد المسيحية والتي كان من المفروض على الحكومة ان تقوم بحراستها مثلما تحرص على حراسة مسيرات الحزن العاشورائية.
وتعرضت القرى والقصبات الأيزيدية الى مجاز ابادة جماعية عديدة وعلى الجدران علقت ملصقات التهديد التي تتوعد الأيزيديين بأهوال يشيب لها شعر الرضيع إن هم لم يهجروا بيوتهم ومحلاتهم وقراهم..
الحملة على المسيحيين ليست بالجديدة، هي حملة مستمرة منذ خمس سنوات ولحد الان، غير انها هذه الايام اتخذت اسلوبا سافرا يخلق الريبة والتساؤل في النفوس، فعلى حد قول مراسلة فضائية الحرة في نينوى السيدة سروة عبد الواحد ان مسلحين مجهولين كانوا يستقلون سيارات تابعة للجيش العراقي يصرخون بالتهديد تلو التهديد ويطالبون المسيحيين بهجر بيوتهم والا لا يلقون الا القتل.
ووزعت الكثير من رسائل التهديد تتضمن نفس شروط الغزاة المسلمين عندما وطئوا بخيولهم وجمالهم ارض وادي الرافدين.. اما اعتناق الاسلام، او دفع الجزية وهم صاغرون او الموت، وشرط رابع اضافه الارهابيون هو الهجرة و ترك البيت في الحال.
هي نفس الوسائل والاساليب التي اتبعت أكان في الجنوب او في الشمال او في الوسط وكأن الارهابيين قد تخرجوا من اكاديمية عنف دموي واحدة رغم اختلاف طوائفهم ومعتقداتهم المذهبية. فالارهاب مدرسة واحدة وان اختلف طلابها، مدرسة لا يتخرج منها الا نفس الاخساء والهمجيون الدمويون ، مدرسة تسمع فيها نفس الشعارات عن الجهاد والمقاومة وطرد الاحتلال، مدرسة يديرها رجال يدّعون حب الله والخوف منه ويقتلون خلائقه.
ومثل كل مرة وبعد ان يأتي الحريق على البيت واهله يخرج علينا اطفائيو الحرائق الكلمجية الذين بخراطيش كلامهم المتقطع يحاولون جهدهم ان يقنعوا الناس بأنهم سوف يقبضون على من اشعل النار ومن حرق البيت ومن تسبب في قتل هذا العدد الكبير من الابرياء، غير ان الناس تعرف، انه اذا سبق الكلام الفعل او لم يقترن به، فإن خراطيش كلامهم وخراطيم مياههم فارغة وكل ما نحصل عليه من افواههم هو لعاب متطاير لكلام احمق يثر الغثاء.
لا نسأل عن الاسباب، فنحن نعرف ان مدارس الارهاب الاسلامية منتشرة في كل مكان ولها فضائيات وصحف ومنابر ومواقع، واصواتها مسموعة، ولا يخشى اصحابها ولا طلابها احدا، فكل شيئ في سبيل الله في عرف الاسلام السياسي جائز، فالغاية تبرر الوسيلة، مهما كانت الوسيلة جبانة همجية خسيسة، ومهما كانت الغاية ملفقة منافقة، لكننا نتساءل، الا تعرف الحكومة واحزابها ان نتيجة تحويل الحياة المدنية بكل معاملاتها وتشعباتها ومباهجها وعلاقاتها الى حوزة دينية سيخلق حالة من العداء بين المواطنين، اكان عداء مذهبي او عداء ديني ضد اتباع الديانات الاخرى، فكان لابد وان تكرس كل جهدها لحمايتهم والحفاظ على حياتهم ورصد الجهات والحركات والعصابات التي يمكن ان تأتي منها رياح الخبث والشر والعدوان، وهي جهات وحركات معروفة لا نعتقد ان الحكومة بكل هذا القض والقضيض من الاستخبارات ورجال الامن والجيوش والشرطة تجهلها او على الاقل تتوقع ان يأتي السوء منها.
عندما يتحول الدين الى سياسة ويصبح هو الدولة وهو نظامها، سيتخلى عن دوره العبادي وعن دوره كملجأ اخير للمحتاجين والمحتارين الذين لا يجدون من يساعدهم الا الله، سيصبح الدين وسيلة عنفية لفرض نظام ممقوت بالقوة، وسيلة قمعية لاجبار الناس على تغيير قناعاتهم ودياناتهم ومذاهبهم، وستختفي روح المواطنة، روح الانتماء الى العراق، وستسود حالة شعورية من الانتماءات المذهبية والدينية التناحرية، ويصبح التنافس ليس في مجال خدمة الناس والوطن، بل في مزايدات ايمانية تجعل من الحقد والتنكيل على اتباع الديانات الاخرى وسيلة للتقرب الى رجل دين او حاكم او رئيس حزب اسلامي.
ان المسؤول الاول والاخير عن حماية المسيحيين اكان في الموصل او في غيرها وعن الأيزيديين والصابئة هي الحكومة..فأين هي عن الجرائم المتكررة التي حوّلت الموصل الى فلوجة اخرى ما قبل التطهير...
هل لنا ان نعرب عن استغرابنا الشديد بأن رئيس الوزراء المالكي او رئيس الجمهورية الطالباني او رئاسة البرلمان العراقي لم يأخذوا الموضوع بجدية كافية ولم يقتطعوا ولو بضع دقائق من وقتهم للظهور على شاشات التلفزة او عقد مؤتمر صحفي لادانة هذه الاعمال الاجرامية والتعهد بأنها لن تتكرر مرة اخرى.
هل يبقى العراق عراقا وكل يوم تذوي سنابله وتذبل وروده ويهوى نخيله وتسكت اجراس كنائسة وتهّجر معابده وتفارق القداسة مياه انهاره، هل يبقى العراق عراقا ان غادره المسيحيون والأيزيدون والصابئيون...ان عراقا من دونهم هو عراق يبست وجفت عروقه هو عراق لا نعرفه...