مالوم أبو رغيف
الجمعة 11/9/ 2009
الدونية والمديونية عند السياسي العراقيمالوم ابو رغيف
اعتاد بعض السياسيين العراقيين تكرار القول بان لسوريا فضلا عليهم ودينا في رقبتهم وهم لم ولن ينسوا هذا الدين أبدا. ومهما كانت طبيعة هذا الدين الذي برقبة بعض السياسيين العراقيين ومهما كان صدق هذا الوفاء وقوة الامتنان والاعتراف بالجميل الذي يشعر به السياسيون العراقيون تجاه سوريا، ألا انه يجب إن يكون ضمن حدود الشعور الشخصي أو التعامل الحزبي وإن لا تتحمل الدولة تبعاته، فالدولة ليست ملكا لحزب ولا لشخص مهما كان منصبه، ولا يتجاوز الشعور بالدين المجال الشخصي بأي حال من الأحوال ليكون السياسة الرسمية للدولة العراقية أو إن يكون دينا عاما، كاملا وشاملا كي يعلق برقبة الشعب العراقي، الذي على ما يبدو لا يرحمه جيرانه ولا حكامه، ولا المنظمات الدولية ولا أحزابه العراقية.
فان كان لسوريا دين في رقبة عادل عبدالمهدي أو جلال الطلباني في الماضي أيام المعارضة، فان هذا الدين لم يكن في سبيل الله ولا من اجل خالص مصلحة الشعب العراقي، ولم يكن شعورا إنسانيا بمظلومة ومهظومية الشعب العراقي والعمل على إنصافه بمساعدة أحزابه للإطاحة بنظام البعث العراقي. لم يكن ذلك أبدا.
فمثلما التقت مصالح الولايات المتحدة الأمريكية ومصلحة الشعب العراقي وأحزابه السياسية في الإطاحة بالنظام الدموي ألبعثي، التقت آنذاك مصلحة هذه الفئة من السياسيين العراقيين مع مصلحة سوريا ورئيسها حافظ الأسد في عدائه الشخصي لصدام حسين. ومثلما يقال بان أمريكا لم تسقط نظام صدام من اجل سواد عيون العراقيين فان سوريا بدورها لم تساعد بعض الأحزاب العراقية من اجل سواد عيون قادتها أو إيمانا بأهداف أحزابهم، بل لمأرب ذاتية ومصالح حزبية بعثية سورية. ولم تكن تعمل من اجل إسقاط البعث كحزب بل تسعى للتخلص من صدام ووراثة حزب البعث العراقي.
لم تكن هنالك أية اختلافات أيدلوجية ولا تناقضات فكرية بين الحزبين، فكلاهما يعزفان نشيد الوحدة والحرية والاشتراكية على إيقاع ضحايا التعذيب في الزنازين والسجون ومجاهل المعتقلات وكلا الحزبين ليس له من السياسة إلا سفسطة فارغة وجمل ثورية طنانة رنانة عن الصمود والتصدي وعن تحرير القدس والانتصار على إسرائيل، شعارات ليس لها من سوق ، اللهم إلا أسواق الجهل والأمية السياسية والارتزاق.
لقد كان العداء الشخصي هو الذي يحكم الصراع.. لذا للمعارضة العراقية دينا أيضا في رقبة سوريا لأنها، أي المعارضة العراقية عملت على إسقاط النظام أو على إضعافه وكانت له شوكة في الحلقوم وسكينا في الخاصرة .
الشعوب لا تتحمل تسديد ديون حكامها ولا دفع فاتورة الوفاء المزعوم لهذا السياسي أو ذاك، له إن يشعر بالامتنان والعرفان لدولة أو لشخصية أو جهة ما فهو حر في هواه وميوله، لكن عليه تطبيق القانون والانحياز إلى شعبه والوقوف معه في أيام المحن والأزمات وليس التفريط بمصالحه والعبث بأمنه والاستخفاف بدمائه والتسامح مع قتلته والمتعاونين مع الأعداء على تدميره بحجة إن لهذه الدولة أو تلك دينا لن ينسوه ما بقوا على قيد الحياة.
إن الدين الأكبر والأعظم الذي يجب إن يشعر به جميع السياسيين العراقيين، جميع الأحزاب، والذي يجب إن يكون في رقبتهم مهما حيوا وعاشوا هو الدين للشعب العراقي الذي قدم ما لم يقدمه شعب في المنطقة من اجل التخلص من كابوس البعث والذي يتحدى الإرهاب يوميا بصدور أبناءه العارية، الشعب الذي انتخبهم بعد إن صدق وعودهم على أمل إن يحققوا ما وعدوه وما عاهدوه فإذا به يتفاجئ إن هذا النفر لا يعترف بدين الشعب العراقي إنما يعترف بدين وجميل من يعملون على قتله وخراب دياره.
وعلى أية حال إن الشعور بالمديونية إذا كبر وزاد عن حجمه الطبيعي يتحول إلى شعور بالدونية والذيلية والتبعية. لا نجد تفسيرا أخر غير هذا التفسير للذي يجامل بعض الدول على حساب الدماء العراقية التي لم يتوقف نزيفها نتيجة هذا الشعور الدوني او المديوني.. ليس سوريا فقط، بل تجاه إيران والسعودية وبقية دول الجوار.