مالوم أبو رغيف
نوري و أسامةمالوم ابو رغيف
فجأة ومن دون مقدمات وجد أسامة النجيفي نفسه على خط النار تنهال عليه الضربات من كل حدب وصوب حتى من الجهة التي ظن انه يتحدث باسمها والتي أراد إن يكون بطلها الأوحد ومغوارها الشرس الحامي والمدافع عن مصالحها ومنافعها والرافع راية مظلوميتها. لم ينفع أسامة تبريراته في انه لسان معاتب وليس لسان مطالب، لم ينجده كل الذين وقفوا معه وحاولوا ترقيع الثوب المشقوق في مواضع كثيرة، لم ينفعه مركزه ولم يسرع احد لنجدته، ليس لأنه اشتكى مظلومية السنة، بل لأنه حاول تمزيق الثوب المشقق حيث لا ينفع بعدها ترقيع.
الخطأ التي وقع بها أسامة النجيفي ليس هي شكوى مظلومية السنة وتهميشهم، فهذه الشكوى تجد يوما بعد آخر قبولا وتفهما عند الناس، فهم يعانون نفس الإهمال ونفس التهميش، لكنه تفهم آخر لم يدر بخلد أسامة ولم يدركه.
فهو عندما يتحدث عن التهميش لا يقصد به تهميش الناس، بل يتحدث عن شريحة السياسيين والتجار والشيوخ والإقطاعيين، هو لا يتحدث عن فقراء السنة بل عن أغنياءهم وتجارهم وأثريائهم، لا يتحدث عن الطبقة الوسطى ولا عن الطبقة الفقيرة بقدر ما يتحدث عن طبقة الميسورين أصحاب الملايين، هو لا يتحدث عن خلق فرص عمل للناس بقدر ما يتحدث عن مناصب وزراية ورواتب مليونية ومسؤوليات سياسية.
مثله مثل الذين رفعوا لواء مظلومية الشيعة وإذا بهم بعد إن صفا الأمر لهم يقتسمون الغنائم والمناصب ويتحاصصون بفرهدة قل مثيلها ويصيبون الشيعة بمثلبة ووصمة تحتاج عقود لمسحها، وصمة الحرمنة والفرهدة والتزوير.
ومن هذا المنطلق أيضا، عندما ينفي نوري المالكي التهميش بإصرار وعناد كما يقول، فان قوله لا يفهم منه حرصه على تحقيق العدالة الاجتماعية للناس العاديين أكانوا سنة أو شيعة، إنما يعني إن المحاصصة الطائفية لم تغبن احد، فكل له استحقاقه وله مجال فرهدته ووسائل إثرائه، وبما إن العملية السياسة هي طائفية الجوهر، لذا فان جميع الأحزاب غير الطائفية وجدت نفسها خارج اللعبة، فقانون الانتخابات سن لهذا الغرض وتوزيع المناصب والوزارات السيادية قسمت بين المكونات وفق هذا الغرض باعتراف نوري المالكي نفسه عندما قال إن وزارة الدفاع للمكون السني والداخلية للمكون الشيعي.
نوري وأسامة لا يتحدثان عن الشعب بسنته وشيعته وعربه وأكراده وبقية دياناته وأعراقه، لا يتحدثان عن الشعب كوحدة ومصير، بل يتحدثان عن المحاصصة الطائفية وتقسيم الغنائم بين اسماك القرش، يتحدثون عن الحيتان التي تأكل الأسماك الكبيرة والصغيرة.
هما لا يتحدثان عن قلة الخدمات وانعدام الكهرباء وانتشار الإمراض وكثرة اللصوص وانعدام الأمان وانتشار التسول وجيش العاطلين عن العمل وعدم احترام حقوق الإنسان، فهذا لا يهمهما ولا يأخذانه بنظر الاعتبار. فما دام نوري وأسامة وذويهما بخير وعافية ونعمة من الباري كافية فلا شيء يهمهما ولا يكدر بالهما، حتى لو قتل المئات باليوم الواحد..
عندما يفجر إرهابي نفسه ويموت ويجرح العشرات لا يهتم نوري ولا أسامة لعوائل الضحايا، لا يحاول حتى تسكين آلامهم ولا إصدار قانون يجبر الدولة على التكلف بنفقات الطبابة والمعالجة.
لا يكلف نوري ولا اسأمه نفسيهما بمواساة المنكوبين ولا وضع حد لهذا الموت المستفحل في العراق. فلا اسأمه يناقش ظاهرة الإرهاب ولا يطلب استقدام ومحاسبة الأجهزة المسئولة عن الأمن ولا نوري يعترف بعجزه عن حماية الناس، فما دام نوري وأسامة بخير فالعراق بألف خير وخير..
أراد أسامة إن يكتسب زخما إضافة إلى زخم وظيفته كرئيس لمجلس النواب، فقد حلم انه وبعد تصريحه الطائفي سيجد جماهير الموصل والانبار وما بينها تخرج مساندة ومؤيدة له، ترفع صوره وتكتب اسمه على الرايات، وإذا به يجد نفسه صريع تسرعه وتهوره، فالمظاهرات التي حلم أنها ستخرج لمساندته خرجت منددة متنكرة له، فهو لا يمثل إلا نفسه، هو لسان حال طمعه وتهوره وليس لسان حال احد، خرجت الناس لتؤكد بان هذا الثوب، الوطن لا ينبغي لنا إن نمزقه أكثر مما هو ممزق.
نوري سيعلم إن حبل الكذب قصير وان هو استطاع امتصاص الغضب بحيلة المائة يوم، فانه سوف لن يستطيع كبح غليان الناس في القادم من الأيام إذا ما هو استمر بسياسته التي لا تحاسب المقصرين ولا الفاسدين ولا اللصوص وتبذر ثروات العراق هبات وعطايا لشراء الولاء السياسي .