مالوم أبو رغيف
هيبة الجيش ام هيبة الشعبمالوم ابو رغيف
يجب اعادة هيبة الجيش يقول السيد رئيس الوزراء المالكي، وهذه الهيبة حسب تصوره لا تكتمل الا بتسليح الجيش، حتى لو كان هذا التسليح يتم بصفقات فساد كبرى. ان هذا ليس بتصور رجل مدني يطمح الى بناء الدولة وترسيخ حكم القانون واحترام حقوق الانسان فيها، بل انه فكر كسيح لرجل يعتقد ان الهيبة تفرض بالقوة وليس بالاحترام.
وعبارة المالكي تبقى غامضة فهي لا تخبرنا كيف للجيش ان يستعيد هيبته ومن من ؟ ومن الذي فرّط فيها وعلى من يفرضها ؟
وما علاقة التسليح بهيبة الجيش؟
لقد كان الجيش العراقي في العهد الصدامي مجهزا باحدث الاسلحة والمعدات التقنية العسكرية واللوجستية، لكنه كان جيشا بلا هيبة. فقد كان جيشا لا يخضع لعقيدة عسكرية تقوم على اساس خدمة وحماية الوطن والشعب، انما كانت قائمة على اساس الخضوع لنزوات ورغبات الدكتاتور وحماية نظامه ومركزه وسلطته.
ان مثل هذا الجيش لا يملك هيبة داخلية ولا هيبة خارجية، انه جيش يعاني من عقدة نقص تعكسها قسوة تعامل الاعلى على الادني وتفكك صفوفه الداخلية، الخوف هو الرابط الوحيد، فان زال، تفكك الجيش برمته وضاع شذرا مذرا.
ربما يعتقد المالكي ان الهيبة تعني الخوف، وهذا فهم بائس وتصور احمق، اذ ان الهيبة لا تعني الخوف انما تعني الاحترام عن دراية واقتناع. فحكومة المالكي مثلا حكومة عديمة الهيبة رغم كل ما يحيط بها من حمايات ومن اجهزة امن واستخبارات، لكن لا احد يحترمها ولا يقيمها الا كحكومة سراق ومختلسين للمال العام.
في الدولة الديمقراطية لا توجد هيبة غير هيبة القانون، فلا توجد هيبة لرئيس الوزراء ولا لقائد عسكري او اي عنوان وظيفي مهما كبر المركز لذاتهما او لشخصهما، انما هم مهابون فقط، لامتثالهم وتطبيقهم القانون، فان خرقوا القانون، زالت الهيبة عنهم واعتبروا مخالفين للقانون وخارجين عليه ووجب محاسبتهم وفق الاصول والقواعد المعمل بها.
ان تصريح السيد المالكي حول ضرورة استعادة هيبة الجيش يعكس حقيقة افتقاره الشديد للفهم الديمقراطي والقانوني، فهو يعتقد ان الهيبة هي شكل للقوة {التسليح}، والتسلط وليس للقانون، وهذا هو اعتقاد كل الدكتاتوريين والمتسلطين في العالم الذين يميلون الى حل نزاعاتهم ليس عن طريق القانون، بل عن طريق العنف.
كما ان الاصل في الهيبة هي للشعب، يجب ان يكون الشعب مهابا ومحترما، يعيش حياة كريمة غير مذلة، مؤمّن معاشيا صحيا وسكنيا وخدميا، يعامل في الدوائر الرسمية بكل احترام ومهنية حرفية. هيبة الشعب ليس في الداخل فقط، ولكن في الخارج ايضا، فتعامل الدول الاجنبية مع رعايا بلد معين هو انعكاس لاحترام الدولة لمواطنيها في الداخل. فاي احترام يحظى به العراقيون في الاردن او في دول الخليج بشكل خاص، وبقية الدول العربية بشكل عام؟
الجيش يجب ان يحرص على حماية هيبة الشعب، وليس العكس، اي ان يحرص الشعب على هيبة الجيش، الذي هو عبارة عن فم واسع وكبير لالتهام الاموال دون انتاج ثروة وطنية، لقد استفادت المانيا واليابان كثيرا عندما فرض عليهما تقليص جيشيهما وتجنب تخصيص ميزانيات كبيرة للتسليح، وان يكوّنا جيشا للدفاع فقط. لقد خصصت الاموال التي كانت تهدر على الجيش لخدمة التنمية والتطور والنهوض بالمهمات الانية مثل اعادة الاعمار وبناء البنية التحتية التي خربتها الحرب.
الا يشعر السيد المالكي وحكومته بان المهمة الاولى بالعناية هي اعادة الاعمار وتأمين حياة المواطنين؟
كنا نعتقد ان النظام الجديد سيلغي التخاطب بلغة التسيد {سيدي} ويستعيض عنها بلغة تخاطب ثانية لا تبنى على تسيد الجيش بل على تسيد الشعب، واذا بنا نفاجأ بان السيد المالكي لا يبقى على لغة التخاطب المذلة فقط، بل يريد ان يعززها بفرض هيبة الجيش على الشعب. وهذا كان شكل التعامل في العهد الصدامي.
لقد صرح صدام وبخطاب تلفزيوني منقول على الهواء، بانه اذا ما اصطف جندي في اخر طابور المشترين ، وجب على الناس تقديمه عليهم ليكون في رأس الطابور. انها هيبة مبتذلة وافساد لروح المواطنة وتمييز وتخريب لعقيدة الجندية التي هدفها خدمة الشعب والوطن.