مزهر بن مدلول

 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

                                                                    الخميس 24/1/ 2013

 

الدليل، تجربة ومعاناة!
(
13)

مزهر بن مدلول

اليأس في مثل هذه اللحظات الصعبة يتحول الى (ابن كلب) لا يرحم، واذا لم تحسن التصدي لعضّاته قد يرديك مخبولا، لذلك حاولت بكل عزيمة ان اطردهُ من رأسي وابحث عن وسيلة تقيني شرَّ فكرة كل الذي يحصل قضاءٌ وقدر!.
عندما وقف (الباص الهرم) في باب مخفر شرطة (صفوان) كنتُ اسمع ضربات قلبي التي تنذر بأنهُ هو الآخر يحاول كسر باب قفصه ليهرب، وخاصة عندما بدتْ نظرات رجل المباحث الذي توعدني صباحا مثل نظرات (ضبع شرس) يحوم حول جثة آيلة للموت!.
صعد الى الحافلة رجل عسكري، كان قصير القامة وقوي البنية ووجهه اسمر بملامح جنوبية ويحمل على كتفه (ثلاث خيوط) يعني برتبة (عريف)، حيّانا ب (السلام عليكم)، ثم سأل: هل كلكم عراقيون؟، فرفعتُ سبابتي وكأني تلميذ شاطر يهمهُ ان يجيب على السؤال قبل غيره!، وقلت له: انا سوري (وخبَطوني) مع العراقيين، لفضت (خبَطوني) بفتح الباء وإن سكّنتها لأصبحتْ ناصرية! وتغير الموقف، فنظر الرجل بالورقة وسألني عن اسمي فيها، ثم قال لي: (انت خليك كَاعد) واشار الى الاخرين طالبا منهم النزول جميعا من الباص.
ذهبوا كلهم (العريف والسجناء والشرطة الكويتيون) الى داخل (المخفر) وتركوني وحدي بعد ان احكموا غلق الباب الحديدي.
كانت عشر دقائق فقط، لكنها صارت عشرة قرون، جسدي نضح ما فيه من ماء! ورائحته العطنة ملأت فضاء الحافلة!، حتى انّ يدي امتدتْ (لأشيائي) لأتاكد من أني (تبولت) داخل سروالي ام لا! (شسوي هذا المكتوب)، كنتُ خائفا من ان تتحول رأفة الانسان في لحظة ملتبسة الى طغيان، ولكن يبدو ان الله استجاب لأبتهالات (أمي) فقد جاء الشرطة الكويتيون مبتسمين وصعدوا في الباص الذي تحرك عائدا باتجاه (العبدلي)!، وعندما توقفنا هناك اخذوني بالاحضان (والأحضان لها قصة بمائة فصل سأكتبها فيما بعد)!، قالوا لي الآن اثبتت لنا حقا بأنك (سوري الجنسية) فأشتروا لي سندويشا وقنينة بيبسي (بس لا يطلع واحد يسألني، ماهو الثمن الذي دفعته لكي تحصل منهم على سندويشٍ وبيبسي)!.
أعادوني الى سجن (التسفيرات العامة) لكي أُرّحل يوم غد مع عدد من الموقوفين العرب الى العراق، وفي السجن رويت القصة كاملة للزبائن الذين اخبروني (بأن هناك الكثير من المشادّات التي تصل الى درجة الاشتباك بالأيدي بين الشرطة العراقية والكويتية بسبب تسليم غير العراقيين الى السلطات العراقية وأنّ الكويتيين حذرين جدا من هذه القضية، لذلك لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئا سوى ان يعيدوك الى هنا)!.
ارخيت جسدي مثل منتصرٍ في الحرب، ورغم أني اعرف مازال امامي مشوارا طويلا ومعقدا لكني أجّلتُ التفكير بذلك لكي لا افسد على روحي متعة الفوز!.
في اليوم الثاني قبل الظهر طلبوني للتحقيق، فدخلت الى مكتب المدير ووقفت بالباب برفقة عسكري يقف خلفي كأني متهم بارتكاب جريمة كبرى، كان في الغرفة اربعة من رجال المخابرات يرتدون الدشاديش البيضاء الشفافة والمكوية بأناقة بحيث انك لا تجد صعوبة في لمح عوراتهم من تحت الثياب، نظر لي المدير بعينين مليئتين بالتهديد وقال: هذه المرة سأقوم بتسفيرك على اساس انك سوري، ولكني اذا رأيتك مرة اخرى سوف اكسر لك ظهرك! وانتهت المقابلة، فتحسستُ فقراتي وخرجت من الباب!.
بعد الظهر قاموا بتسفيرنا بنفس الطريقة التي تحدثت عنها آنفا، فدخلتُ الى العراق بسلامة ولكن بدون آمان!، حيث هنا في هذه الارض ينتابك شعور بأنّ الريح والتراب والاشجار البرية جميعها تتلصص عليك!.
صعدت في احدى سيارات الاجرة المتجهة الى الزبير فقادتني نكهةُ الطريق بتلقائيةِ ظمآنٍ الى حيٍّ غجريٍّ محتشمٍ بالبساطة ومضاءٍ بمصابيح الأغراء (حي الطرب)!.
قالت لي فتاةٌ جميلة، بدتْ كما لو انها خرجتْ لتوها من البحر، استقبلتني بنهدين منتفضين تحت قميص ليلي، قالت ومن دون ان تخفي ترددها، بأنها حاولتْ ان تحب، ولمّا مرًّ بها، تحولتْ الى افعى ترقصُ لمن يعزف على المزمار!.
امضيتُ ليلتي بخدر لذيذ مع الغجرية، وكنتُ انتظرُ فجرا يأتي هادئا مطرزا بالقصب، ومغسولا برطوبة شط العرب.
في ذلك الفجر، تسابقتْ الى مخيلتي كثيرٌ من الصور الجميلة، واستيقظتْ الكثيرُ من الاحلام النائمة تحت الجفون.
كنتُ سعيدا، سعادة طائرٍ عاد من غربةٍ طويلة
كنتُ اغني...... ( يا عشكنة.. فرحة الطير اليرد لعشوشة عصاري )
وكنتُ ايضا ،
رثَّ الثياب، ومحملا بالغبار ودائم العطش.
والبصرة انذاك، ما زالت تترنح على حافة متاهة لا تشبع، غارقةً بالشجون، وتعصفُ بها الهموم.
طرقتُ باب بيت شقيقتي، دخلتُ من شقٍ ضيقٍ الى الفؤاد المليء بالجروح الندية، لفحتْ وجهي نسائمٌ من رائحة الماضي، رائحة بيتنا الكبير، محاطا بالبساتين والحقول والطيور، رائحة طفولتي التي رافقتني مثل ارق مزمن.
حملقتْ ( ام حسن ) في وجهي بعينين مذهولتين، تحسستني باصابع مرتعشة، دارت حولي، كأنها تبحث عني، تبحثُ عن نورٍ تكسر في الظلال، عن ازمنةٍ التهمتها النيران، عن عطر النعناع وشاي المنقلة، علّهُ ينبعث من شراييني.
ولْولتْ شقيقتي بصوتٍ مخنوق، ولْوَلتْ بصوت يابس، واخذتنا نوبةٌ من العناق والدموع في ايماءة شوق يصعب التعبير عنها.
في ذلك النهار، اكلتُ ديكا مشويا كاملا، وكانت قيلولتي على وسادة ناعمة تطرد الهموم والكوابيس، نفضتُ عن جسدي كلّ غبار الصحراء واوجاعها، حتى عادت لي بعض صفاتي البشرية!.
في المساء غمرني حنين مكبوت، حنين استفز خوفي، فاستبسل خيالي في حينها وسقط رغما عني في ظلام المدينة، ( والظلام، حتى الظلام هناك اجمل )!.
تحت تمثال السياب، تأملتُ ليل العشار، تأملتهُ كثيرا ولم اعثر على عنوان، كانت الوجوه متشابهة وقد مضغتْ ملامحها، والافواه تلعثم و تلوك كلماتها من غير شهية، والليل ليس هو الليل، والالحان باهتة والعازفون كلهم هربوا!.
في صباح اليوم الثاني قررت ان اذهب الى الناصرية لأرى أمي فقد كان عندي احساس بأني ان لم اراها اليوم فلن اراها ابدا، وبعد اسبوع من الخوف والحسرات وجدت نفسي ابحث عن (الدليل) الذي يعيدني الى الصحراء مرة اخرى!.

ملاحظة: الاحداث بالصحراء لحد الان بين عامي 77 و 78
بالحلقة (رقم 13) اعلاه اكون قد انتهيت من كتابة الفصل الاول، وسأبدأ بكتابة فصول التجربة الاخرى بعد ان استريح قليلا مع كبير الاعتذار.

شكرا للمتتبع العزيز، كما اشكر موقع الحزب الشيوعي العراقي وموقع الناس وصوت العمال على النشر.
وشكر خاص للكاتب المبدع الصديق يوسف ابو الفوز الذي شجعني على الخوض في غمار الكتابة عن الايام الصعبة.


 

 









 

 

 

 

 

free web counter