مزهر بن مدلول

 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأحد 18/2/ 2007

 

 

مربط الفرس (1)


مزهر بن مدلول

الغريب

كل مساء ، بعد غروب الشمس ، حيث تترك خلفها الالوان الذهبية الجميلة ، ويرتفع الى اعماق السماء ، صدى ثغاء الاغنام وخوارالابقارالعائدة للتو من مراعيها ، ويهبط منها ، اسراب من الحمام والعصافير ، على سطوح المنازل والاشجار ، فيبدو ذلك الفضاء الدائري ، كبانوراما موسيقية هادئة ورائعة ..
كل يوم ولبضع دقائق قليلة ، اراه واقفا على سطح ( السوباط ) ، روحه تناجي ذلك الجمال ، الذي ينتشر في كل ركن من حوله ..
عاشورة .. اجمل فتيات القرية ، تلبس فستان مزركش ، ضفائرها طويلة مثل ظفائر فتاة غجرية ، تقف في هذا الوقت بالتحديد ، عند عتبة الباب ، تنظر اليه نظرة حالمة ، نظرة مخادعة كمخادعة السراب ، تمنت لو انه ترجّل من سوباطه وعانقها ولو لمرة واحدة ..
لكن شيخ حسين الذي تجاوز الثلاثين من عمره ، كان مسحورا بطريقة حياته الزاهدة ، مشغولا عنها بتأليف الردات الحسينية والهوسات الريفية وبعض من ابيات شعرية ، يرثي فيها حاله واحواله ، انه في هذا الوقت الضيق والمحدود ، لم يعد يستخدم حواسه بطريقة عادية ، انها تجتمع في روحه ، ليعيش لذاته منفردا ، منعزلا ، ويعود متصوفا ..
لا احد في القرية يعرف شيئا عنه .. من اي مكان هو ، اين اهله وعشيرته ماحسبه ومانسبه ، وما السر في حياته ..؟؟ ، وليس من احد مهتم لذلك ، فمنذ سنوات وهو يعيش معهم ، ينام على سطح السوباط في ليالي الصيف وفي مضيف الشيخ ايام الشتاء ..
كل البيوت مشرعة الابواب لشيخ حسين ، يدخلها دون حرج ، يأكل ما يأكلون ويلبس مثلهم وكأنه واحدا منهم ..
حين يجتمع اهل القرية وفي كل ليلة ، في مضيف الشيخ ، يشربون القهوة المرة ، ويتبادلون اكياس التبغ من واحد لآخر ، وحين يمتلأ المكان بالدخان ويرتفع سعال كبار السن والمرضى ، كان شيخ حسين هو الاخر يستمتع بفنجان القهوة المرة ويمتص دخان غليونه بنهم ..
يبدأ بقص الحكايا الغريبة على اسماع الفلاحين ، وغالبا ما تكون من نسج خياله ، لكنهم يحبون الاستماع الى قصصه ويطالبون بالمزيد منها ..
وما ان يفرغ من سرد حكايته ، حتى ينتقل الى الغناء ، له صوت جميل ، ناعم وعذب ، يغني الالوان الريفية كلها وخاصة الابوذية ، التي يكتب بعض ابياتها بنفسه ، وعادة ما يضمنها بعض الكلمات ، التي تسخر من بعض شخصيات القرية ، او تصف شيئا من حياتهم وسلوكهم بطريقة هزلية تثير دهشة واعجاب المستمعين ، وتضفي جمالا على مجلسه ..
يتحول شيخ حسين الى طبيب قادر عندما يرى مريضا ، ولم يتردد في اظهار امكانياته في معالجته ، خاصة اولئك الذين يتعرضون الى لدغات الافاعي وما اكثرهم هناك ، وفي مناسبات ختان الاطفال السنوية يقوم بالاشراف على تطبيب جروحهم ، ويسكن معهم في مخيم يقيموه بعيدا عن القرية ..
في حوزته كتاب واحد ضخم ، تآكل غلافه ، اصفرت صفحاته ، وضاعت كلماته ، اوراقه تتطاير متناثرة ، حتى انه يجد صعوبة احيانا في اعادتها الى مكانها ، وربما اختفى بعضها عن انظاره ، كتابه الوحيد تراكمت فوقه السنون ..
في هذا الكتاب جميع الردات الحسينية التي يقوم بترديدها في شهر محرم ، وكذلك القصة الكاملة لمقتل الامام الحسين -ع - ..
انه ممثل بارع حين يتقمص شخصية العباس .. شخصية الشجاع المحارب في المسرحية ( التشابيه ) ، والتي يقوم باخراجها وبتوزيع الادوار على الممثلين فيها ..
في صباح اليوم العاشر من محرم ، اجتمع اهل القرية جميعا .. انحشر الرجال والاطفال في داخل المضيف ، حتى ضاقت بهم باحته ، وتجمهرت النسوة خارجه ، جئن ليسمعن قصة مقتل الامام الحسين ..
استعد شيخ حسين كعادته مبكرا لهذا اليوم الاليم .. بدأ بالدعاء والصلاة ، ثم اخذ يتدرج في سرد الاحداث ..
كلما اقتربت القصة من نهايتها ، كلما اشتد الحماس ، وزاد الانفعال لدى شيخ حسين .. حرارة المضيف ، والدخان الكثيف ، ورائحة التبغ وعرق الرجال ، كانت لاتطاق ..
اختلطت دموع شيخ حسين بعرق جسده الغزير ، تيبست شفتاه وتعثرت كلماته ..
حين وصل الى ذروة انفعاله ، نهض واقفا وصاح .. ( وا إماما وا حسينا ) ، فضج المكان بالعويل والصراخ ، وتعالت اصوات ضرب الأكف على الصدور العارية ، وكان شيخ حسين يتوسط الجميع يبحث عن نسمة هواء من ثقبٍ لايراه .. فخرَّ الى الارض ، توقف نبضه ، ومات في الحال !!..