|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأربعاء  1  / 7 / 2026                                 مصطفى القرة داغي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 


 

مَجزَرة سبايكَر والتَضحية بشَباب العِراق لِسَواد عيون إيران!

مصطفى القرة داغي
(موقع الناس)

"المَوت لنا عادة وكَرامَتنا مِن الله الشَهادة"، "كل يَوم عاشوراء وكل أرض كَربَلاء"، "زَينَب ما تزال بخِيامِنا"، "الحُسين يُنادي ألا مِن ناصِر يَنصُرُني"، وغَيرها كثير مِن الشِعارات المَلغومة التي باتَت تَملأ شَوارع العراق وتُغَطّي جُدرانه أكثر مِن الإعلانات التِجارية، كجُزء من بروبَغندا إيرانية، يُسَوّقَها ذيولها مِن مُرتزقة أحزاب ومليشيات الإسلام السياسي. يُراد بها إقناع الشيعة بأن المَوت مَكتوب عليكم، لأنّكم مِن شيعة آل البيت! وأن أرض العِراق مُقَدّر لها أن تَرتَوي بدِمائِكم! وقد إختارَكم أهل البيت لهذه الشَرَف! ولن يَرضَوا عَنكم ويُدخِلوكُم الجَنة إذا عِشتُم كأسوِياء بسَلام ورَفاهية وخَدَمات، بَل إذا لطَمتُم وضَرَبتُم ظُهُورَكم زنجيل وعِشتُم في بُؤس ومُدُن خَرِبة وضَحّيتُم بفَلَذّات أكبادِكُم ليَتَحَقّق حُلم إيران بأن تُصبح أقوى دُوَل الشرق الأوسَط، وتُلاعِب أمريكا بأرواح أبنائِكُم، وأن يَكون أقصى مُناكُم هو إرسالهم حَطَباً لمَعاركها الخَبيثة ليَعودوا توابيت تُدفَن بمَقبَرة النَجَف، وليسَ رُؤيتهم يذهبون الى المَدارس ويَعودون مِنها ويَكبرون ببيئة نظيفة سَوِيّة سَليمة. هذا هو الأفيون الذي يَنتشي به العِراقيون مُنذ وصول قِوى الإسلام السياسي الشيعي الى السُلطة عام2003، وبإستِمراره سَتَستَمِر مَآسيهُم، لأنّها تَعتاش وتَتَغَذّى على هذه المَآسي وتَرتَوي مِن هذه الدِماء لتَنمو وتُرَسِّخ جُذورها أكثر في المُجتَمَع العراقي.

مَجزَرة سبايكر التي مَرّت ذِكراها قبل أيام، جُرحٌ كَبير سَيبقى يَئِن على العِراقيين حَتى تتكشّف خيوطه ويُحاسِب المُتَسَبّبين به، وهو أمر لم يَحدُث الى اليوم رَغم مُرور12 عاماً. والسَبَب هو أن مَن تَسَبّبوا به هُم السُلطة التي يَجِب أن تُحَقِق لكشِف الفاعل، أي أنّهُم الخَصمُ والحَكَمُ! بالإضافة الى أن أغلب أهالي الضَحايا هُم مِن المُنتَشين بالخِطاب أعلاه، أي وَكّلوا أمرَهُم الى الله وأهل البَيت، ويَحمَدونه أن مَنّ عَليهم بإستِشهاد أبنائِهم كَقَرابين، وصَبّوا جام نِقمَتِهِم على أخوتِهِم السُنّة الذين حَدَثَت المَجزرة بمَناطِقِهِم، وحَمّلوهُم مَسؤولية ما حَدَث! رَغم أن السُنّة لا يَجِب أن يؤخَذوا بجَريرة أبنائهِم الذين إلتحقوا بداعِش وتَوَرّطوا بإرهابها، وإلا فيَجِب أخَذ الشيعة بجَريرة إرهاب أبنائهِم الذين ألتَحَقوا بالميليشيات. فمُخَطّط داعِش والميليشيات واحِد، خَطّطَت له إيران، لأنّها أرادَت تَحجيم السُنّة، وسَعَت الى ذلك بَعد 2003 عِبر تَحميلهم جَرائِم البَعث، الذي كان جُل أعضائِه مِن الشيعة! وحين تَجاوز السُنّة التكتل الطائفي الذي لا يَزال الشيعة عالقون به، وإلتفوا حول الدكتور أياد علاوي بإنتخابات 2010، قَرّرَت أن تقوم بما يُظهِرَهُم مُتَطَرّفين وأعداء للشيعة، ويُظهِرُها كالقلب الحَنون الحامي لهُم الى الأبَد، فكانَت فكرة توم وجيري أي داعِش والحَشد، الذي أرادَت أن يَكون رَديفاً للجَيش على غِرار حَرَسَها الثوري، وهو ما كان.

هَل سيَأتي اليَوم الذي يَصحو فيه أهالي الضَحايا مِن غَفوتهُم الطائفية الى الصَحوة الإنسانية، لطَرح الأسئِلة التي لا تَزال عالقة حَول المَجزَرة التي طالت أبنائَهُم، والوصول لأجوبَتها التي سَتكشَف المُتَسَبّب بها ليَنال عِقابه. طَبعاً هُنالك روايَتين لبداية القِصّة. واحِدة يَرويها بَعض الناجين والأهالي، وهي أن ضُبّاط المُعَسكَر طلبوا مِن المُتدَرّبين مُغادَرَته بَعد خَلع زَيّهم العَسكري، وأُبلغوهُم بوجود مَمَر آمِن، وحين خَرَجوا وَقَعوا بقَبضة داعِش! وأخرى للسُلطة تقول إن المُتَدَرّبين غادَروا مِن تلقاء أنفسِهم رَغم التحذير! لكن حَتى لو إعتمَدنا رواية السُلطة المَشكوك بها سَتبقى بَعض التَساؤلات التي تَحتمِل إجاباتها فرضتين، الأولى أن ما حَدَث صُدفة إلتَقت مَجموعة ظُروف وأدّت إليها، لكنّها لا تَصمُد أمام المَنطِق. لذا تَبقى الفرَضِيّه الثانية أكثر قبولاً، وهي أنه تَم إستِغلال وجودهم هُناك لتَهيئة ظَرف مُعَيّن، يَتِم توظيفه لإظهار السُنّة كعَدو، وإظهار إيران وذيولها كَحَليف. فمَن تُضَحّي بعَشَرات الألاف مِن أهل غزة لمُجَرّد الثأر لسُليماني، لن يَرمِش لها جفن إذا ضَحّت بـ 1700 شاب عِراقي لبَسط نفوذها على العراق! إن مَن لم يُحاول تَدارُك المَجزَرة، وهو أمر كان مُمكِناً حينَها، إما غَبي أو خَبيث، ونوري المالكي ليسَ غَبيّاً بل طائِفي وعَرّاب المَشروع الإيراني في العراق! لذا لا يُمكِن أن يَكون مِن قبيل الصُدفة إطلاق حكومَتِه لأخطر إرهابيي القاعِدة مِن سِجن أبو غريب! وتَحويلها لملايين الدولارات الى بنوك الموصل، رَغم عِلَمِها أنها سَتسقُط بيَد داعِش! وإرسالها شَباب غير مُدَرّبين بلا سِلاح وخُطة طواري الى سبايكر؟ فهي لم تكن قد سَقَطَت بيَد داعِش قبل خُروجِهِم، وكان يُمكن أن تكون أكثر أمناً الى حين إجلائِهِم! فَكيف إنتهى الأمر بخُروجِهِم بظَرف مَكّن داعش مِنهُم!

قاعدة سبايكر مَركز تدريب مَعروف مُنذ سَنوات قُرب تكريت، ومُعظَم الضَحايا كانوا مُتدَرّبين مَوجودين فيها قبل الانهيار الذي حَدَث في الموصِل ثُم صَلاح الدين. لذا السؤال هو ليسَ: "لماذا أُرسِلوا إلى هناك في وَقت خَطِر؟" بَل: "لماذا لم يَتِم إجلاؤهُم حين أصبَح الخَطَر واضِحاً وقريباً؟ في أوائل يونيو 2014 حَدَث إنهيار سَريع لأغلَب الوَحَدات العَسكرية شِمال العراق، فقد سَقَطت الموصل في 10 يونيو، وبَعدَها تمَدّد تنظيم داعِش بسُرعة نَحو مَناطق أخرى مِنها تكريت. فمَن أصدَر أمر إخراج آلاف المُتَدَرّبين مِن القاعِدة؟ ولماذا لم يَتِم تنظيم إنسِحاب مُنَظّم إذا كان الوَضع خَطيراً؟ أين كانت القيادة أثناء إنهيار صَلاح الدين؟ لماذا لم تُعتَبَر كل المَنطقة مُهَدّدة بعد سُقوط الموصل، ولم يُنقَل الشَباب الى مَوقِع أكثَر أمناً؟ لا يُعقل إرسال آلاف الشَباب العُزّل إلى طُرُق باتَت في قَبضة داعش؟ كلها تَساؤلات لا يَصمُد أمامَها تَبرير الحُكومة بأن الأمور كانَت تَتَسارَع، وأن الإتِصالات والقيادة إنهارَت، ما أدّى إلى قَرارات مُتخَبّطة وفَوضى مَيدانيّة!

تنظيم داعِش بلا شَك هو الجِهة التي نَفّذَت المَجزَرة، لكن مَن وُضع هؤلاء الشَباب أصلاً بمَوقف مَكَّن داعِش من أسرِهِم جَماعِيّاً، وجَعَلهُم لُقمة سائِغة لها؟ رَغم إنه كان هناك مِئة طَريقة لتَجَنّبه وتَجَنّب أن يكون لدينا اليوم مَجزرة إسمَها سبايكر! هَل هنالِك مَن مَهّد الأمور لِتَصِل الى ذلك؟ فمَجزَرة سبايكر وَقَعَت في 12 يونيو2014، أي فور سُقوط تكريت بيَد داعِش، وصَدَرت فتوى السيستاني في 13 يونيو2014، أي بَعدها بيَوم تقريباً، لذا فهي قد سَبَقَت الفتوى وسَبَقَت تَشكيل الحَشد. فهل كانت سبايكَر هي الحجّة التي تَبحَث عَنها إيران وذيولها لإصدار ما سُمِّيَ بفتوى الجِهاد الكِفائي، التي أباحَت حَمل السِلاح لكل مَن هَب ودَب، وشَرعَنَت المليشيات الطائفية التي شَكّلتها إيران بَعد 2003، وحَوّلتها وراعيَتها إيران الى مُنقِذة للشيعة وصاحِبة مِنّة على السُنّة، وباتت اليوم تُسَمّي نفسَها بكل وَقاحة "الوَلائية"، نسبةً لولاية الفقيه التي يُمَثّلها المُرشِد الإيراني، مِمّا يَعكِس طَبيعة إرتباطها العَقائدي والسياسي بإيران! الى جانب تَصديرها خِطاب بمُنتهى الوَضاعة والدونيّة مِثل:"مَهما فَعَلنا لإيران لن نَرُد لها فَضَلها علينا" و"لولا إيران لسَقَط العراق بيَد داعش" و"نتشَرّف بالوقوف مَع إيران" و"يَتَشَرّف العراق بتَشييع خامنئي" و"يجب أن يأخذ كل عراقي تَحِيّة صَباحاً ومَساءً للجَمهورية الإسلامية"، إضافة لِمَن بدأوا يُسَمّون أبنائَهُم خامنئي، وآخرين يَضَعون صوَره في بيوتهم وبروفايلاتهم، وما خَفي كان أبشَع، وكُلّه لسَواد عيون إيران.
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter