محسن جوامير
الخميس 2 /2/ 2006
رسولنا أعظم من أن يهان.. والإسلام يدعو للصّفح عمن إعتذر !
محسن جوامير ـ كاتب كوردستاني
لقد أهينت الأمة الإسلامية بل الإنسانية جمعاء بما أقدمت عليه صحيفة يولاندس بوستن الدانماركية من نشر صور كاريكاتيرية خيالية كاذبة ومنحطة عن اعظم رجل حمله بطن أم، بل أعظم إنسان وهبه خالق السموات والأرض للبشر وجعله خاتما للرسل، ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه وبكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. حيث ما جاء إلا ليرشد البشرية إلى الطريق القويم وتحقيق الأخوة والتضامن والإعتراف بالآخر لكون الجميع عيال الله.. ونبذ القتل العمد والترعيب والترهيب والتخويف وأكل حقوق الناس بغير حق.. وكذلك إحترام الآخرين ممن ليسوا على ديننا وملتنا لأن ( لا إكراه في الدين ) و ( لكم دينكم ولي دين ).
وهذه الخاصية يقرها كل من له إطلاع على الإسلام ومواقف الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في حياته، سواء المؤمن بالإسلام دينا وعقيدة أو الذي هو على غير هذا الدين.. وإن مواقف بعض المسلمين المتشددين لا يمكن أن تكون معيارا لتقييم حقيقة هذا الدين الذي يدعو إلى السلام والأخوة والتشاور والتعارف، مثلما لا يمكن أن تكون تصرفات الآخرين من غير المسلمين وأخطائهم معيارا لتقييم حقيقة المبادئ التي يحملونها أو الافكار التي يتاجرون بها، وإلا جُعل هتلر وموسوليني وستالين وسلوفان ميلوسيفيج وكاراديج وأمثالهم مثلا عليهم، في حين أن هؤلاء من المبادئ والقيم براء.
وإن مجرد معرفة دواعي هجرة الرسول ـ ونحن في شهر الهجرة ـ إلى المدينة المنورة والتي كانت بسبب الظلم وبحثا عن ملاذ آمن لحرية الفكر ولتحاشي إراقة الدماء بين المسلمين وغيرهم، كافية لدحض كل الأطروحات التي أفرزها تضارب المصالح وتداخل الامورالتي لا علاقة لها بجوهر الإسلام والقيم التي جاء بها.
ما يدعو للأسف هو أن أصحاب المصالح السياسية وعن طريق دوائرهم وما يملكونها من وسائل من إعلام وخطط وبرامج، لهم تأثير سلبي بيِّن على عقول الناس في الغرب، بل حتى على عقول المفكرين والمثقفين والصحفيين والكتاب منهم، بسبب تكرار عرض الثغرات والمثالب والتصدعات التي تولدت في جسد العالم الإسلامي بفعل التناقضات والملابسات السياسية التي كادت وتكاد تقصف بمجتمعاته بفعل الدكتاتوريات المتسلطة عليها والتي لا دخل للإسلام فيها، وبالتالي جعلوا رؤية الناس للإسلام في الغرب باهتة إلى درجة أن تصوَّروا أن كل السلبيات والإنحرافات والشطحات والهلوسات مؤيدة منه وهو يبارك فيها، وبالتالي فإن السبب الرئيسي لكل ما حدث ويحدث هو صاحب هذا الدين.!
إن ما أقدمت عليه الصحيفة الدانماركية يولاندس بوستن من نشر صور خيالية مختلقة وملفقة وتافهة عن رسول الإسلام، كان إساءة واضحة وفاقدة لكل شروط الصحة والشرعية ولا يدخل في إطار الحرية على حساب مقدسات الناس الذين طالما إحترموا عقائد الآخرين، بل إساءة للبشرية و القيم الإنسانية والحضارية.
ولكن ( إدفع بالتي هي أحسن ) .. لذا من المستحسن أن يكون المسلمون فوق مستوى ردود الأفعال التي تزيد الإساءة سوءا وتعقد الأزمة أكثر وتقطع سبل السلام بين الأنام، ما دامت الصحيفة قدمت إعتذارها واسفها للمسلمين واعترفت بخطأها ( فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين ).. وقد أحسن أولياء أمور المسلمين في الدانمارك عملا أن قاموا بمحاولة تهدئة الأزمة وشكلوا من أجل ذلك فريقا من بينهم الأخ الدكتور أحمد أبو لبن ـ الذي دافع عن شعب كوردستان أيام حلبجة والأنفال ـ للقيام بكل ما من شانه إعادة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية.. وعسى أن يكون هذا سببا لإيجاد الأرضية المشتركة لاحقا لمزيد من الفهم المشترك، وداعيا للغربيين لقراءة الإسلام من جديد والذي نعتقد أن فيه ما يعالج الكثير من المعضلات الحضارية التي يئنون هم أيضا تحتها.
ولعل من نافلة القول هنا أن أذكر بأنه وبعد حوادث 11 من سبتمبر في أمريكا، وإزدياد الحساسية المفرطة تجاه المسلمين وكِتابِهم وإختلاط الحابل من التصورات بالنابل من الهواجس والوساوس بين الناس في السويد، جاءتني يوما إمرأة سويدية وقالت لي بأنها طيلة العطلة قرأت ترجمة القرآن بالسويدية، ولم تجد فيه ما يدعو إلى العنف أو التعدي بغير حق.!
( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ).