محسن جوامير
الأثنين 23 /10/ 2006
لسان الكورد واحد
محسن جواميرـ كاتب كوردستاني
بين آونة واخرى تصلني مذكرة لا تحمل أسماءً أو تواقيع وقد تحمل اسماء أشخاص أوأطراف وهمية، يطالب فيها كاتبها أو كتابها بالتوقيع عليها، لتأييدهم في تبني لهجتهم الكوردية كلغة للدراسة والإدارة في مناطق سكناهم مراعاة لحقوق الإنسان وحفظا لها من الإنقراض والتدهور وتعرضها للنسيان، ويشددون على حكومة هه ولير وبرلمانها بتلبية مطالبهم، وذكر ذلك في دستور كوردستان.. وجل هذه البيانات تكتب وترسل من خارج كوردستان الفيدرالية.
بادئ ذي بدئ أود أن اقول لأصحاب هذه البيانات بان لهجتي الكوردية التي اتحدث بها ـ كلهجاتهم الكوردية هم ـ تختلف عن اللهجة الرسمية الكوردية التي اكتب بها واقرأ واُدوِّن، مثلما أن كل إنسان على وجه البسيطة يتكلم بلهجة ويكتب بأخرى .. ويظهر أن البعض يقوم بهذا الأمر وهو لا يرى إلا ظاهر المسألة أو طرفا منها ولا يسبر غورها ليصل إلى حقيقة مفادها ان مثل هذه المحاولات ليست إلا بداية خطيرة ـ وخطيرة جدا جدا ـ لتعريض شعبنا للإنقسام والتشتت والتشرذم اللغوي ـ المؤكد ـ بعد أن كان موحدا ـ ومازال ـ منذ عهد الملك محمود الحفيد 1922 ومن ثم جمهورية كوردستان 1946 برئاسة القاضي محمد ومن ثم ثورة أيلول 1961 بزعامة الراحل البارزاني مصطفى وإلى عهد رئيس العراق مام جلال ورئيس كوردستان كاك مسعود ودولة رئيس الوزراء كاك نيجيرفان.
وقد أثبت تطبيق الدراسة باللهجة الرسمية الحالية في ربوع كوردستان منذ عام 1970 وبعد إتفاقية 11 آذار ـ خاصة ـ نجاحها وكونها قادرة على أن تكون لغة كل العلوم ولجميع ألأقاليم الكوردية، حتى أصبحت لا تتحمل منحها صفة لهجة، وذلك لكثرة المفردات والتعابير الداخلة إليها من اللهجات الأخرى والتطورات الحاصلة في فروعها واغصانها التي زادت الكورد بهجة.
رحم الله الشهيد سامي عبدالرحمن السنجاري الذي كان من القادة الذين كانوا يؤكدون دائما على مسألة ( وحدانية اللهجة ) والحفاظ على ( وحدانية الإملاء )، وقد بدا موقفه الوطني والعاقل هذا في مؤتمر إتحاد معلمي كوردستان الثاني المنعقد في شقلاوة بداية السبعينيات من القرن المنصرم، والذي خرج الأساتذة والمربون فيه بصوت واحد فيما يخص إستعمال اللغة الأدبية الموحدة..
فكما ان الخالق لم يجعل ( لرجل من قلبين في جوفه ) كذلك يستحيل جعل لهجتين مولودتين من نفس اللغة رسميتين في دولة واحدة، من دون حدوث إشكالات جمة لاتخدم الأمة، ولا ينتهي الأمر إلا بحدوث تصدعات تقضي على الآمال التي كانت معقودة لدى اصحاب الهمة لتصل بهم إلى القمة. وقد يوحي هذا الكلام بشئ من اليأس والشؤم، ولكن التبكير بتشخيص المرض ومصارحة المريض ـ كما هو شيمة الأوربيين ـ افضل من تمنية النفس بالأماني الخادعة التي تؤدي إلى الموت أو البلاء والعقم، وخاصة لأن الأمر موصول الصلة بمستقبل شعب لا يريد التشرذم. وهذا لا يعني إهمال اللهجات بطبيعة الحال في مجالاتها، وإنها كذلك باقيات صالحات إلى يوم يقال للمؤمنين ( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ).
ولعل بني جلدتنا من تلاميذ سبعينيات القرن الماضي في منطقة بهدينان العزيزة والذين درسوا باللغة الفصحى ولم يلاقوا أى صعوبة أو عناء يذكر في الكتابة أو التفاهم او المخاطبة وظهر من بينهم كتاب وكوادر، خير مثال على نجاح التدريس بتلكم اللهجة ونجاح العملية برجال عُدوا من النوادر.. ولولا مؤامرة النظام البائد على اللغة الكوردية ومنعها هناك، لَحققَ الكورد الكثير من الخطوات الهامة على هذا الصعيد، ولظهر لنا الكثير من الكتاب أمثال الأستاذ سربست بامرني والدكتور الشهيد نافع عقراوي والأستاذ هشام عقراوي المشرف العام على موقع صوت كوردستان، مثلما ظهر لنا ـ سابقا ولاحقا ـ كتاب آخرون في مناطق أخرى أثرَوا الكوردية بانتاجاتهم الرائدة أمثال الأساتذة الملا جميل روزبياني والعلامة الملا عبدالكريم المدرس ومحمد الملا عبدالكريم وفاتح الملا عبدالكريم وصلاح الدين محمد بهاءالدين وحمه كريم هه ورامي وعثمان هه ورامي والشيخ محمد امين كاردوخي وكامل بصير وفلك الدين كاكه يي وفهمي كاكه يي وئاسو بياره يي .. مع كونهم يتكلمون لهجتهم الخاصة المختلفة عن لغة الفصحى المعتمدة.
إن كان أهلنا الأعزاء كورد الشمال ( تركيا ) يجدون مشقة في تعلم الكوردية السائدة في الجنوب، فان هذا ليس ناتجا عن كونها صعبة ـ مع كون هذا الإفتراض غير مقبول تربويا في دنيا التعليم والتدريس ـ ، بل لكونهم هم أصلا ـ ونتيجة للإضطهاد العرقي والحرمان ـ لا يجيدون حتى لهجتهم المحلية وأغلبهم يجيد التركية فقط.. والزائر لمدينة دياربكر ـ مثلا ـ لا يظن أنه يتواجد أصلا في اعرق المدن الكوردية، لكون التركية مسيطرة تماما على كل مناحي الحياة وكون الكوردية لغة أجنبية بل مرفوضة قانونا.! في حين أنك لن تجد بهدينانيا ـ مثلا ـ لا يفهم اللهجة الرسمية على الأقل, وكذلك الكثير من كورد الشمال أو غرب كوردستان ( سوريا ) الذين يقيمون في الدول الأوروبية.. حتى إنني في زياراتي إلى قناة روزـ تيفي الكوردية ـ أيام كانت تحمل إسمي ميديا ومد الحبيبين الرائعين ـ لم اجد احدا لا يفهمها أو لا يجيدها.
وإن تعجب فعجب كون البعض يستصعب تعليم لغته ويستسهل لغة الآخرين..! وأنا ما أظن ان تعلم اللغة الكوردية الرسمية المعتمدة في جنوب كوردستان اصعب لطفل في شمال كوردستان او غربها، من تعلم طفل تونسي او جزائري أو مغربي أو موريتاني أو بدوي أو بربري للغة العربية. والتلميذ الاجنبي يُؤهل في ظرف سنة للدراسة باللغة السويدية مثلا.
ليس من العلم ولا من المنطق ولا من الممكنات، بل من القواصم التي لا عاصم لها أن تضع لهجة أخرى أو اُخريات في مقام الرسميات بجانب لهجة صارت ـ ما يقارب من قرن ـ رسمية وقادرة بشكل مُرضي على مسايرة مستجدات الحياة، بعد أن تطبع الناس عليها واتفق الكل بشكل تلقائي على جعلها فصحى، بحجة إنها ليست لغة الأكثرية، في حين إنها ليست لغة الأقلية كذلك.
فهل كل اللغات العالمية الرسمية كانت لغات الأكثرية، أم كانت في أحايين كثيرة لغات النخبة أو الملوك أو القدَر مثلا.؟
أستغرب من بعض الذين يحاولون ـ بلهو الحديث والجدال من غير وعي بعاقبة الامور ـ تخريب بيوتهم بأيديهم وهدم اعظم صرح لغوي كوردي من خلال جمع التواقيع، ولا يخالجني أدنى شك أنهم بهذا العمل يعملون على إيجاد لغات جديدة، إلا اللغة الكوردية.. إن الذي يطالب بتبني لهجته بجانب اللغة الكوردية الرسمية, عليه أن يدرك بأن هذه اللهجة التي هو يروج لها ستتحول وبمرور الوقت إلى لغة مستقلة شيئا فشيئا حتى لو قامت الدنيا ولم تقعد للحيلولة دون حدوثها، أو يصبح المرء في أحسن الأحوال كالذي ( ضيع المَشيتينْ ) كما يقول العرب أو ( ضيع الدينيَنْ ) كما يقول الكورد.. ولا يُعتقد أن عقلاء الكورد يرضون أو يسعدون بهذه الفوضى اللهجوية أو القيادة الكوردستانية تستسيغ تحويل كوردستان إلى ( سوق اللهجات ).
في الوقت الذي كنت في مكتبي وروضةِ يراعي في السويد منشغلا بكتابة الكلمات اعلاه، كان الوقت قد إقترب من الإفطار والبطن في إنتظار، إذا بي أسمع عبر الأثير ناظم الغزالي وهو يصدح في اغنيته خايف عليها : ( الوجه مبعث نور والصدر مرمر ) كنت في الحال وكأني به يصف أشعار وأدب ولغة شعراء الكورد وليس وجه وصدر حبيبته المرمري، والعيوب الموجودة على صفحات خدِّ لغتنا الكوردية لم تكد تتجاوز عندي آنئذ حدود ( خال على صفحات خدِّ ) حبيبة ناظم الغزالي.. فتبارك الله أحسن الخالقين.
المقالة أدناه بمثابة مقدمة او إضافة للمقالة أعلاه
هل أقرَّ برلمان كوردستان اللغة الكوردية المشتركة..؟