| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 3 / 3 / 2024 لينا النهر كتابات أخرى للكاتبة على موقع الناس
اليسار السويدي، إلى أين؟
لينا النهر
(موقع الناس)لقد تغير حزب اليسار السويدي في الخمس سنوات الأخيرة بشكل ملحوظ جداً في داخل وخارج الحزب. من النطاق الخارجي للحزب لوحظ هذا التغيير من خلال العلاقات السياسية للأحزاب الأخرى حيث تواجد اليسار في الجبهة اليسارية السويدية والتي تعتمد التعامل مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وبمساندة حزب البيئة. وفي الحقيقة ان حزب البيئة لايعد يسارياً وليس له اي أيدولوجية معينه سوى سياسة البيئة، ولذلك يسمى بحزب "حزب ذو مسألة وحدة فقط". وعرف حزب البيئة بانه حزب وسط وله ميوله يميناً ويساراً حيث ما يهوى هذا الحزب خلال الفترة الانتخابية الذي يكون فعال فيها. ففي سنين سابقة كان له علاقات سياسية قوية مع حزب المحافظين وساند تعديلاتهم القانونية حتى ضد الأجانب. وبعدها وفي السنين الأخيرة ومع تغير القياديين فيه عُرف باتجاه الأكثر مماثل لليسارية بالنسبة للعمل المناهض للعنصرية ومثاله مع تحفظه بطابعه اليبرالي الرأسمالي.
هذا ما يجعل جبهة اليسار في السويد محصورة ومعتمدة كلياً على الاشتراكي الديمقراطي وحزب اليسار السويدي. بالتأكيد ومن العدل ان ننتقد هذه الجبهة والتحقيق فيما ان كانت مازالت فعلاً يسارية. فانهيار الاشتراكية في السويد مع الأسف لايعتمد فقط على عوامل سياسية عالمية ولا قوة جبهة اليمين الليبرالي في السلطة بين الحين والحين ولكن ايظاً على ضعف الحزب الاشتراكي الحاكم لسنين عديدة وتغيير كبير في الفكر الماركسي بصورة عامة. فتحول الحزب من حزب أولف پالمة المعروف عالمياً بقيمه واهدافه التي تتماشى مع الحزب وتوجهاته الاشتراكية-الأممية في وقتها إلى حزب سعى في كل طاقته للعمل على دخول السويد في تحالف حلف الشمال الأطلسي والذي جعل من السويد اليوم ارض مفتوحه لأمريكا وغيرها بتواجد عسكري لن تتمكن السويد من ايقافه وان كان ليس في صالحها. غير هذا نرى توجهات الحزب السياسية داخلياً نحو اليمين وكذلك ضؤل مواقفهم في مساندة الأقليات في العالم والقضية الفلسطينية، و السودان وغيرها الكثير.
حزب اليسار السويدي هو حزب كون حين انشق يوماً من الحزب الاشتراكي من خلال مواقف اشتراكية ضد الحرب وللسلام. وبقى حزب اليسار محافظاً على مساره عشرات السنين. وان كان حزب اليسار لم يستلم اي سلطة ولكن كان له دوره المعروف في اتحاده في جبهة اليسار مع الاشتراكي وكانت مواقفه دائماً قوية وواضحة وبقاعدة يساريّة متينة. وكان الحزب له نخبة اساسية (أو ما تسمى جوهر الحزب) معتمد عليها، قوية جوهرية ثابته وان كانت ليست واسعة الناطق كحزب يسار في الانتخابات مقارنتاً بالحزب الاشتراكي.
هوس "توسيع الأحزاب " في العالم بصورة عامة وتراجع الجبهات اليسارية أصيب حزب اليسار السويدي ايظاً وبشكل ملحوظ في انتخابات الدورة الماضية ومع تغيير قسم من قياده الحزب. الهدف من التوسيع هو كبر العدد وصعود الحزب في البرلمان السويدي. وبهذا الانفتاح والتوسيع دخل الحزب أعضاء جدد كثيرين لهم ميولهم اليسارية إيضاً لكن ليسو بيساريون. فأدى هذا التوسع إلى خلل داخلي ضرب فيها أسس حزب اليسار من الداخل من خلال افكار مربوطة ما يمثل واقع هؤلاء ولكن دون التواصل مع الأسس اليسارية أو الاقتناع بالهدف الأسمى الذي وضعته الماركسية. فاصبح هناك قطع وعدم ثقيف يساري للجدد. واصبحت كلمة شيوعي كلمة مرعبة للكثيرين داخل الحزب. ثم أصبحت من بعدها الأممية كلمات بلا معنى حيث تراجع الحزب من تواجده في ساحات الاعتصامات لمساندة الدول الأخرى التي لا تعترف بها سياسة الغرب. وأصبح اثر حرب أوكرانيا ملحوظ جداً في داخل الحزب ايضا مما ادى إلى الاتهامات و النقد الحاد جداً لكل من له رأي معارض أوغير متلازم مع المجتمع والذي تحول إلى تيار الحزب. ومن المؤسف تفاقمت الأمور حتى بدء اليسار السويدي يتفوق على الاشتراكي بشد اللجام على الرفاق الذي كان يوماً ما يدعمهم للنقد والتفكير بالفكر المعاكس والنقاش للوصول إلى نتائج معاصرة، قوية ، جيدة ومبنية على أسس يسارية. فترك الكثير من الرفاق القدامى العمل الحزبي، لكن ليس الحزب بسبب الولاء اولاً ، والامل على التغير للأفضل ثانياً، وثالثاً هو عدم وجود حزب آخر يساري غير حزب اليسار. فهذا اليسار واتجاهه كالاخرين هو مازال آخر انفاس الجبهة اليسارية. الشيء المؤلم جداً هو التغيير السلبي داخل الحزب نفسه وقيادته. ويمكن ان فهم هذا التغير بشكل بسيط جداً من خلال آخر مقترح لوثيقة لحزب الذي طرحت الآن والتي سوف يصوت عليها مؤتر اليسار في شهر أيار القادم. في هذا المقترح حذفت تقريباً كل الكلمات التي تدل على الماركسية، الاشتراكية، ومناهضة الرأسمالية.
مقترح أثار ضجة كبيرة جداً داخل السويد في الحزب وخارجه وجعل اليسار نكتة حتى عند الحزب الاشتراكي الديمقراطي ذو الميول اليبرالية. وها نحن اليوم،أنا والكثيرين من الرفاق المتمرسين كتبنا وارسلنا مقترحات عديدة تذكر باليسارية، الأممية واهداف اليسار السامية والتضامن العالمي وضد سياسية أمريكا و التعامل مع حلف الناتو، آملين ان يصوت عليها الرفاق الذين يحضرون المؤتمر. اقتراحاتنا بنائة وسياسية مدروسة معتمد عليها و وقع عليها الكثيرين من كل مدن السويد. وللشفافية اذكر ان هذا آخر أمل للكثيرين من الرفاق مع ان الأمل ليس بكبير، ولكن مازال الكثيرين يناضلون من اجل استمرار اليسار وبقائه يساري.
سيحدد هذا المؤتمر توجه حزب اليسار السويدي ومستقبله. ومن خلاله ايضاً سياسة السويد الداخلية والخارجية.
2024/3/3