لطيف حسن
الأربعاء 10/11/ 2010
في موضوع ازمة الوعي والعقل المنطقي في العراق
(2)لطيف حسن
( معظلة الشرائح المنشطة لحراك المجتمع العراقي )
اهم شريحة بشرية لها التأثير الخطير على حركة او سكون التطور التنموي الشامل في العراق ( بعد فئة المثقفين المتنوريين ) و المعطلين اليوم عن اداء دورهم الايجابي في البناء ، هم شريحة الشباب والنشىء الجديد ، الذين يعيشون حاضرالمجتمع ، ونستشرف منهم شكل الغد القادم ،
هذه الشريحة المهمة التي تشكل موضوع وهدف أي عملية تنموية شاملة للفرد والمجتمع ،
ولو توقفنا عند وضع الشباب العراقي والحالة المزرية التي دفع اليها ، وثقل اربعين عاما من تسلط الديكتاورية ، نجده ليس فقط منهكا بمعنى الكلمة من جراء مشاركاته كقطيع في سلسة الحروب الداخلية والخارجية الطويلة التي خاضها النظام السابق بلا معنى ، ومارافق هذه الحروب من غسل منظم للدماغ ، وتأطير فكر الشباب بمقاسات فكر النظام ، ويجبره على الولاء المطلق الاعمى للسلطة ، وتجهيله معلوماتيا عن طريق عزله عن مايدور حوله في العالم من حقائق ، بمنع وصول المعلومة و حجب وسائل الاتصال الحديث عنه كالانترنيت ، وتلقينه بألحاح متواصل في المدارس بتاريخ مزور وملفق عن العراق المعاصر، اعيد كتابته بحيث يبرز دور القائد الضرورة الفرد الواجب الطاعة ، دور القائد الحاسم في صناعة التاريخ ،
ورثنا بعد سقوط النظام ، شباب ضحية ليس فقط بما قدموه من القتلى ومئات الآلاف من معوقي الحرب ، بل استلمنا شخصيات جوفاء مهزوزة هشة لاتمتلك موقفا او قدرة على اتخاذ قرارا مناسبا لوحدها ، تلجاء الى من تعتمد على أن يفكر بدلا عنها ، فلا نستغرب في ان صاعقة الاحتلال عندما حلت وتبخر النظام ، اصابتهم حالة من الارباك والحيرة واليأس اطاحت بصواب الكثير منهم ، وما عادوا يتصرفون بالشكل المنطقي ،
معظمهم اسرع بتغيير ولاءاته بزاوية 380 درجة على شكل انهيار ، وهرعوا الى الاصطفاف خلف العشيرة والقبيلة والمذهب التي شكلت قوى وميليشيات وعصابات في غياب سلطة الدوله ، كان هؤلاء الشباب الى ماقبل يوم من انهيار النظام والدولة مناوئون ومناقضون لها.
كل شريحة الشباب المعطلة في مجتمعنا بحاجه اليوم الى اعادة تربية وتأهيل ، وهي مهمة ليست باليسيرة على الاطلاق في الظروف التي وصلنا اليها في الوقت الراهن تقترب من المستحيل ، الحلول بحد ذاتها هي ثورة اجتماعية كبرى متشابكة تتلازم في آن واحد مع اعادة ما خرب من البنية التحتية للبلاد التي تكاد تكون كلها مخربة وعلى رأسها في الاولوية حل معظلة الكهرباء ،الحلقة المركزية التي تقودنا الى الحلول لكافة مشاكلنا الاخرى ، وامتصاص البطالة من بين صفوفهم بتوفير فرص العمل ، وفرص التعليم والتأهيل الدراسي بمختلف مستوياته ، بدئا من حملات اجتماعية كبرى لمحو آفة الامية .
من المؤكد ان مهمة أستنهاض الشباب ليأخذوا دورهم البناء مجددا في المجتمع ، فوق طاقة امكانيات عراقنا بوضعه الحالي ، لكن مع ذلك يجب البدء بالمباشرة بتنفيذ خطط انمائية متدرجة صبورة ولكن بدوت توقف ، هذا العملية ستأخذ وقتا طويلا ، وسترافقها تجاذبات حادة في المجتمع المنقسم حاليا على نفسه كتوجه الى جهتين رئيسيتين :
الجهة الاولى التي تدعم العوامل المشجعة على التوجه العلمي والتنمية الشاملة في المجتمع ، وهذه الجهة تعمل على تنشيط هذا التوجه بكل امكانياتها المتاحة ،وعددها في المجتمع قليل في الوقت الحاضر وصوتها منخفض ، ويتكونون في الاساس من الفئات المتعلمة والمثقفين والمتنورين وقطاع واسع من البرجوازيه الوسطى ، وهي تشكيلة متحركة غير ثابته ، تتسع ويزداد عدد ها في المجتمع بأستمرار على حساب عدد الجهة الاجتماعية الاخرى ، كلما تقدم تعزيز السلام الاجتماعي وتحسن الوضع الاقتصادي ، تغيرت الموازين لصالح جهة التوجه العلمي .
الجهة الأجتماعية الثانية، تتشكل من القوى المحافظة الداعمة لجمود حركة المجتمع ، وقوى اجتماعية كانت مهمشة في السابق محدودة التعليم ، اصولها وافكارها واخلاقها ريفية ، تضعف وتعرقل دائما أي توجه علمي مدني في تنمية المجتمع ،عددها في الوقت الراهن كبير لاسيما انها في مراكز اتخاذ القرار وتأثيرها المعرقل على التوجه الديمقراطي للبلد قوي ، وهي مثل الجهة الاولى ، تشكيلة غير ثابته أيضا وتتعرض للتقلص التدريجي لحساب الجهة الاولى ، كلما عادت الامورالى طبيعتها .
الضحية الاجتماعية الثانية من ضحايا نمط الحكم السابق ، التي لها الاثر الكبير في مستقبل تقدم العراق ، هم الاطفال والنشيء الجديد الذي ولد وتربى في ظروف اواخر حياة النظام الملتبسة والغير طبيعية ،
يتطلب بشكل سريع من اجل بناء هذا الجيل بشكل متين للمستقبل ، اعادة النظر بشكل جذري في اساليب التعليم وكافة المناهج الدراسية المعمول بها والتي بنت جيلا غير سوي ، هذا يتطلب معالجات وحلول متعددة بدءا من دراسة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية لتسرب الاطفال في المرحلة ألابتدائية التي يجب ان تعود الى ماكانت عليه من دراسة الزامية ، وان يعاد بناء البنية التحتية للتعليم من دور المدارس ورياض الاطفال وتوفير الكادر التعليمي المؤهل ، وان توضع مناهج جديدة للمدارس تحترم بالدرجة الاولى حقوق الطفل في التعلم والتربية الديمقراطية السليمه المحايدة ، خالية من أي ضخ آيدولوجي او طائفي. .
أن التفكير العلمي يرتبط عضويا بوجود معلومات علمية وأحصائات دقيقة ، وتكنولوجيا متقدمه مسيطر عليها في البلد ، وينتج عنها بالضرورة حالة من التقدم الاقتصادي الاجتماعي من شأنه ان يوفر امكانية نشر الفكر العلمي والمنطقي ،، وهذا كله غير متوفر ،
يعني انه بات السبيل الى حل كل اشكالاتنا التي ورثناها هو سلوك الطريق الذي يؤدي الى التطور والازدهار الاقتصادي - الاجتماعي ، والطريق اليه في العراق ليس ممهدا ، لان واقع حياتنا الاجتماعية تنطوي على عناصر ذات طبيعة غير علمية وغير منطقية ، تعشعش بتشبث في حياتنا وعقولنا ، ويرشح عنها عادات عرقية وأثنية واخلاق متباينه متعارضة غير منسجمه فيما بينها ، تقف كعقبات وعثرات جدية في طريق كل محاولاتنا للنهوض والتقدم للأمام .
ان محاولة تحقيق رؤية جديده او اجراء تغيير في طريقة تفكير المجتمع ، والعلاقات التي تنشأ فيما بين القوى الجديدة الفاعلة والقوى القديمه تؤدي الى تغيير المجتمع حتما لاحقا ، مهما طال الوقت او قصر ، وحتى تغييرالطبيعة نفسها ,
لا غنى لنا عن العلم والتفكير العلمي ونحن نبحث عن الحلول لمشاكلنا اليوم ، لانهما في جوهرهما قوة تغيير وثورة شاملة وعميقة تؤدي الى تحطيم مؤسسات وعادات وتقاليد وطرائق واساليب في التفكير ، وتعمل على ايجاد بدائل جديدة ارقى وعلى كل الاصعدة ، ولهذا فان نتيجة نهج العلم والتفكير العلمي ، يؤدي في النهاية الى تخطي المجتمع لمعوقاته الحالية ، ولعوامل التخلف وجمود الماضي والحاضر ، في الوقت نفسه تقوي التوجه نحو كل ماهو موضوعي ونافع للوقت المعاش و للمستقبل ،
ان الانتقال من مجتمع تسوده الخرافة والأساطير وتنتشر فيه الافكارغير العلمية على نطاق واسع كعراق اليوم ، الى مجتمع اعلى يحكمه العلم والتنظيم والقواعد المنهجية، يترافق حتما بصراعات حادة عنيفة متباينه من العدوان والعنف التي تصل في حدتها الى اراقة الدماء و التصفيات الجسدبة .
..
( للموضوع بقية)
* في موضوع ازمة الوعي والعقل المنطقي في العراق (1)