كمال يلدو
الخميس 27/5/ 2010
كفكـف دموعـك "عمـو ناصر" رغم غلاوتها، فالمصيبة اكبر!
كمال يلدو
يتميز الحاج خليل ناصر بتقديم واحدا من البرامج الناجحة في فضاء الاعلام العراقي عبر قناة "الفيحاء" الغراء تحت عنوان "حجايات عمو ناصر"، والتي تلامس واقع شـــريحة كبيرة من العراقيين ، وبأنفرادة ذكية يدخل لموضوعاته، ويطرح العلاجات الممكنة ، بينما يثني بكل صدق على مايتم انجازه وتقديمه للمواطن من قبل المؤسسات المعنية ، وهو بهذا العمل لم يكتســـب حب الفقراء والمسحوقين بل نال احترامهم وتقديرهم ايضا واستحق ان يكون حاضرا في جلساتهم واحاديثهم، خاصة اولئك الذين ينشـــدون لغد خال من المعاناة والألم، لغد تنعم فيه الطفولة والمرأة وكل فئات المجتمع بالعيش الهانئ والكريم وان تطوى صفحات الماضي للأبد .
لكن وعلى غير عادتـه التي الفناها بالفرح الواعد، فقد انهمرت دموع "العم ناصر" اثناء تقديمه برنامجـه المتميز يوم الخميس 20/ آيار والذي كان عن الغربة والمغتربين . ولثواني حاولت الولوج في لواعجـه وحجم الاسى والألم التي دفعت دموعه لتخرج عن صمتها و تعلن عن حضورها في المشهد العراقي الملئ بالأحزان ، أو حتى ما تحملـه مفردة " الغربة" بين ثناياها من معان قـد ترمز لحبيب غائب، أو ابن او أخ مغترب ، أو قريب في عداد المفقودين بحروب الطاغية المجنونة او سجونه السرية ، أو ما حصده العراقيون من العصابات والميليشيات التي عاثت بالأرض اجراما وفســـادا بعد التغيير الذي حصل ، فكثيرة هي المعاني التي تخبأها هذه الكلمة المـــّرة ...الغربة.
وبعيدا عن كأســـها المفعم بالأســـى ، فقد اســـتحضرت مقاطع من رائعة الشاعر الكبير مظفر النواب التي نظمها في سجن بغداد المركزي عقب انقلاب شباط الأسود عام 63 :
" حـن وآنـه حـــن ، وانحبـس ونـّه ونمتحـن ،مجبور أرخصك على الدمع، شـــرط الدمع حـــدّه الجفن! " ،
نعم ، هــكذا علمتنا الغربة وهكذا فعلت بنا!، رغـم تعدد الاسـباب التي تجبـر الانسان مهما كانت عزيمته الا ان يخـر صريعا لمشاعره الانسانية النبيلة ويعبر عنها بما تفيض عيونه من دموع طاهرة تخفف عنه قليلا.
قلت ( كفكف دموعك .....) لأننا طعنّـا في القلب مرتين .مرة من النظام الدكتاتوري وزبانيته وأجهزة أمنه ، فغادرنا الوطن . وانتظرنا عقودا حتى حـل علينا يوم التاسع من نيسان ! لكن ما جنيناه كان طعنة جديدة ايها الطيب ،لاتقل عن سـابقتها المـا، فأن كانت مشكلتنا سـابقا مع الدكتاتور وسياسته ، فمع مـن ستكون مشكلتنا اليوم ؟
هـل مع العصابات والميليشيات ؟
هل مع الفساد الاداري ونهب المال العام ؟
هل مع التخلف وأضاعة الفرص الذهبية لأعادة بناء العراق ؟
هل مع ازمات الماء والكهرباء والسكن والصحة والبطالة ؟
هل مع المحاصصة الطائفية والحزبية وماجـرته للعراقيين ؟
والقائمـة تطول كمـا تعلم .....
فمـن من المســـؤولين يســترجي اليوم ان يتحدث عن عودة المغتربين الى وطنهم ؟
مـن يتجـرأ على ذلك ودول الجوار ، ومعسكرات اللجوء تنـوء بمئات الألوف من ابناء شعبنا اللذين غـادروا العراق ربمــا الى غير رجعة ! ومـازال هذا الجرح نازفا لليوم ويعج بالقوافل التي ترحـل وما من امل بعودتها.
ان الأحاديث عن الغربة تجاوزت مرارتها منذ ســنين ، بعدما تبخرت ابسط الاحلام في العودة للوطن والذي لم يبقى منه ســوى بعض الذكريات للزمن الجميل تتشكل برســالة من محب ، او صورا مع الاهل ، وقليلا مما حملناه من هدايا او كيس صغير يحوى على تراب وقنينة فيها ماء من العراق ، على ان كل ما اكتنزناه من الم وأحلام لم تكن بعيدة عن ريشــة الفنان ، او آهات المغنين والملحنين ، ولا غريبة عن قلم الشعراء ... وببساطة متناهية تســـمعها بالمفردات الصادقة من مواطن عادي يعيش هنا لكن ترك قلبــه في مكان من الكرة الارضية اســمه العراق .
ووفاءا لواحد من اهم رموز الغربة والمنافي ، شاعرنا الرائع مظفر النواب حينما وصفها بريشــته ، وقلمه وصـفا قلمـا تمكن منه انسان قبله:
" احتـك بكل الجدران وكأن الغربـة ياوطنـي ، جـرب في جلدي !"
هكذا هــي الغربة ، وهكذا خطط اعداء العراق تجاه أبنائه المخلصين في ان يبقـوا بعيدين عن وطنهم ، وأن لا ينهل من عطائهم و خبراتهم و اخلاصهم .
وحتى في اوج ما يلف الوطن الغالي من ظلمة وغمامة من الافكار والعقول المتخلفة والمتمترســة بالطائفية تارة او بالدين تارة اخـرى ، بشــعارات زائفة أو بوعود كاذبة ، انبأهــم بأن العالـــم يدور ، والعجلة تدور ، وأن قانون الحياة مبني على اساس ان لايصح الا الصحيح ، وأن طال انتظارنا للخلاص من الدكتاتورية، فما من قوة ستمنعنا من الامل بعراق جديد يتســـع لكل ابنائه اينما كانوا، بكل اديانهم وطوائفهم ومللهم ، وما من طريق الا بالديمقراطية والتعددية وقبول الآخر، الا بتأســيس الدولة المدنية المتحضرة والمبنية على اساس المواطنة والقانون ، وأن لا نمل يوما او نتعب من العمل في فضح وتعرية هؤلاء الطارئين على قيم وحضارة وتأريخ العراق والعراقيين الانسانية، حتى يتحرر وطننا من كـل دخيل ، وينعم اهله بالخير والسعادة .
وما من مرة دغـدغت خواطري واحلامي فكرة العراق الا وكان هذا الحلم الجميل الذي رسمه "النواب" بريشته المبدعة مـرة ، ومازال لليوم غضا طريا ...
تانيني يا حنطة هلي
وزَيتي الزمر لا ينشف
ماطول بالريّه نفس
ما نوكَع , انحب الجف
يكَضن وارد يا ديرتي
لحسنج واموتن عل التبن
شوكَي الج ، شوكَ الكَطه التايه
وموعات الدهن
هَم آنه أضوكَ أميَتج
واركض بزخات المزن
دونج . يحز بلوزتي الخنجر
وأكابر . عيب أون .
تانيني يا ديرة هلي
وخلي الرصاص اعله الجف
أيام المزبّن كَضن
تكَضن يا ايام اللف .
الولايات المتحدة
آيار 2010