كمال يلدو
الثلاثاء 20/10/ 2009
ماذا لو رفض العراقيون والعالم الحر نتائج الانتخابات؟
كمال يلدو
ليس من باب التشــاؤم او التشــفي من العملية السياسية الجارية ، لكن فقط كمراقب لنبض الشــارع اطرح هذا التسـاؤل على مســامع القوى الكبرى اللاعبة في العملية السياسية واللاعبة بمصير العراقيين للسنوات الست التي خلت .اذ ان انتخابات 2010 ليست ابدا كأنتخابات 2005 او سـابقـتها ، حينما كانت نشــوة النصر ما زالت عامرة وتجربة العراقيين مع الاحزاب (الطائفـية والقومية) ما زالت حديثة واحيانا (مريودة) ، اما الصورة اليوم فتبدو اشــد عتمة وقتامة ، ولم تكن نتائج الانتخابات الاخيرة لمجالس المحافظات لتفتح افقا جديدا لألتفاف العراقيين حول العملية السياسية والقوى المهيمنة عليها . هذه اشــهر عدة مـرت ، فماذا قدمت مجالس المحافظات مثلا ، في الماء ، والكهرباء ، والخدمات ، والمشاريع ، ومعالجة البطالة ، والوضع الامني ، ملوحة شط العرب ، انخفاض نسبة المياه في دجلة والفرات ، وجفاف العديد من اهوار العراق ، لكن لابد من ان اثبت (اعجابي) بمجلس محافظة بابل الذي تجاوز (بقدرة قادر) العجز في الميزانية ، فحصل على التعويضات لتمشية امور اعضاء المجلس !!!
هذه اللوحة ليست الا في اولها للقارئ الكريم ، فهناك قوانين وتشريعات عطلت ، وصارت المماطلة بها شئ مقرف ، ان كان في قانون الانتخابات ، قانون الاحزاب ، وضع المفوضية العليا – المستقلة – للأنتخابات ، قانون النفط والغاز ، قضية كركوك ، والعلاقة مع الاقليم ، قضايا الفساد الاداري والمالي القاتل ، ووضع الوزارات التي يدير شؤنها سيادة رئيس الوزراء بسبب انسحاب الكتل الحزبية او هروب الوزراء نتيجة الملاحقات القانونية !
هذه الصورة التي يعيشها العراقيون من جانب لا تعيشها الاحزاب الكبيرة التي انصرفت ومنذ مدة غير قليلة في تلميع واجهاتها وتبديل اسمائها والتهيئة للأنتخابات التي ســماها البعض " مصيرية " ، فكيف ستكون مصيرية وانتم من يملك كل مفاتيح اللعبة ، وانتم من يصيغ قوانينها ؟
ما لا يريد صناع القرار في السياسة العراقية الاعتراف بــه ، هو فشلهم الذريع في تلبية ابسط احتياجات المواطن الرئيسية ناهيك عن الثانوية (الكمالية)، وانعكس هذا في مشــهدين مريعين ، الاول كان في نسبة العراقيين المؤهلين للتصويت والتي صوتت فعلا في انتخابات مجالس المحافظات والتي وصلت حسب اكثر الارقام تفاؤلا الى 52% بينما كانت النسبة الأدق آخذين بنظر الاعتبار التزوير ومبدأ المبالغات بحوالي 42% ، فيما ســجلت اعداد المواطنين اللذين راجعوا مراكز التســجيل للتحقق من اسمائهم الى نسب لم تتجاوز ال 5% في بعض المناطق و 10 – 15 % في اكثر الاماكن تفاؤلا ، اذن ، الى اية جهة ســـيولي قادة الكتل السياسية الكبرى وجوههم لو احجم المواطن العراقي عن المشاركة في الانتخابات ؟
ليس عسيرا على اي مراقب للوضع العراقي ان يعي حالة اليأس والتشاؤم والاحباط التي مني بها المواطن العراقي من الوعود المعسولة التي اسـداها له قادة هذه الكتل ، فأية متابعة للبرامج المفتوحة التي تقدمها الفضائيات العراقية وحتى العربية ، ســـتوجد الوصف الحقيقي لمعاناة العراقيين ومصائبهم التي غلب عليها الطابع المزمن والعصي عن الحل بعد ان كانت بمتناول اليد لدى القوائم عشــية الانتخابات .هذا البلد دمرته التجاذبات السياسية والمحاصصة الطائفية والفســاد الاداري ، الدورة التي تريد ان تعود من جديد متلبســة بأسماء فخمة ، ووعود فاخرة ، بعد ان نفض المواطن يده من اصلها .
فماذا يعني الاصرار على القائمة المغلقة ان لم يكن خداع المواطن والضحك على الذقون مرة اخرى وذلك بتقديم اناس غير كفوئين او مسؤولين غير نزيهين اثبتت التجربة العملية انغماس اياديهم في سرقة المال العام في وضح النهار ؟ والا لماذا الخوف من القائمة المفتوحة ؟ هيا اكشفوا ايتها الاحزاب التي تتشدق بالدين وتعاليم الدين عن اســماء المسؤولين واعضاء البرلمان والمرشحين والوزراء من الذين حصلوا على المقعد الوفير (جدا) بشهادات مزورة ، اكشفوها ان كنتم اشــراف !
اما القضية الثانية فهي قضية اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة والتي تهابها وترتعب منها الاحزاب الكبيرة ، لا لخوف من الاحزاب الصغيرة انما للتعبير الصريح عن الانانية في احتكار العملية السياسية بين هذه القوى التي قســمت الكعكة على مقاسها ولا تريد اي رقيب عليها ، فما هو ضــير اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة ، فليثبت اي عاقل من ان هناك صوتا واحدا ســيضيع ؟ فيما ان اعتبار العراق متعدد الدوائر ســيضيع الفرصة على القوى الصغيرة والمتوسطة في الحصول على الأصوات اللازمة للتمثيل في البرلمان وافراغ الساحة السياسية من مكونات مهمة تعتبر مكملة للعملية الديمقراطية في اية تجربة ناشئة او متأصلة .الحقيقة هي ان الاحزاب الكبرى اسـتـأنســت المقاعد وفصّلت القوانين ولم يبق الا ســحق القوى المنافسة . وما جرى من عملية ســـطو في وضح النهار وب (القانون) على اصوات القوى الصغيرة ( في انتخابات مجالس المحافظات والتي بلغت اكثر من مليوني صوت) الا ترجمة حقيقية لمآرب هذه القوى التي تتشـــدق بالقواعد الديمقراطية لكنها ابعد ما يكون عن هذه التسمية الســامية .
سيكون التراجع متأخرا حين يصحوا العالم على نســـبة منخفضة من المشاركة بالأنتخابات الرئيسية في البلاد ، وسيعود المشهد العراقي ليحتل قمة الاخبار في التحليل والتبرير عن سبب عزوف المواطن العراق (الضحية) في هذه الانتخابات وتشجيع العملية الديمقراطية للمضي قدما ، بعدما يكتشف العالم بأن الاحزاب الرئيسية قد بدلت العناوين ولكنها لم تبدل النهج ، وبأن ابسط مقومات الحياة الحرة الكريمة قد حرم منها المواطن العراقي .
ان العالم الحر والمتحضر ينظر للعملية الجارية في العراق ، والذي كلفته وكلفت العراقيين كثيرا ، ينظر لها بعين الاعتزاز لموقف العراقيين من التغيير ، وموقف الريبة لما آلت اليه الاوضاع على يد القوى المتنفذة ، ولن يكون سهلا التنصل من المسؤوليات الحقيقية ، فأما المواصلة في الدفاع عن مصالح الجماهير والتزامها وحلها ، او الانغمار اكثر في المصالح الطائفية الضيقة ، والنهب ، والانتفاخ السريع ، الذي سرعان ما سينقلب على اصحابه ومن يساند اصحابه .
ربما ستكون بعض الدول (المعروفة سلفا) على استعداد للأحتفال مسبقا بنتائج الانتخابات ، لكن القاصي والداني يعرف ، ان لم يعترف بها المواطن العراقي ، ويحترمها ، ســـوف لن تمر ســـلامات هذه المرة ، ولن ينتظر العراقيون اربع سنوات عجاف اخرى . ولمن لا يريد ان يقرأ الكلمات على الحائط واضحة وصافية ونقية .......فأن ما جرى في انتخابات الجارة الشرقية المسلمة (جدا جدا) وما تلاها وموقف الشعب والعالم ، يجب ، ويجب ان يكون درســأ قاســيا لكل اللاعبين بالعملية السياسية العراقية ، وقد يغفر الله لأصحاب الجباه السوداء ، لكن العراقيين المحرومين والبؤساء والمظلومين والايتام والارامل ، يجب ان لا يرحموا ، وان يطالبوا بالقصاص !
تشرين اول 2009