| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

قاسم محمد علي

kasim-delovan@live.dk

 

 

 

                                                                                     الخميس 18/4/ 2013

     

يتسترون على المجرم ويسيرون في جنازة الضحية ويبكون على جنازتها

قاسم محمد علي    

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الخامسة والعشرين لعمليات الأنفال التي نفذتها الدولة العراقية وفي ظل النظام العراقي البائد عام 1988 بشكل منظم ومبرمج لإبادة الكورد في كوردستان العراق أرضاً وشعباً. لقد إرتكبت الدولة العراقية ابشع الجرائم بحق الإنسانية في العصر الحديث وراح ضحية حملات الأنفال وسياسات التطهير العرقي، والتي هزت الضمير البشري في العالم، أكثر من 180 الف كوردي، من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ، وتم دفنهم في المقابر الجماعية،

الهدف من هذا المقال ليس التطرق الى بشاعة الجرائم والكوارث والمآسي التي الحقتها الدولة العراقية ونظام صدام حسين بالشعب الكوردي، وإنما تسليط الضوء على مدى الإلتزامات الأخلاقية والوطنية والقومية لحكومات الإقليم، والقوى الرئيسية الحاكمة وقياداتها السياسية تجاه عوائل الشهداء والمؤنفلين.

فقط في يوم مجزرة هه لبجة والأنفال من كل عام تقوم حكومة الإقليم والأحزاب الرئيسية الحاكمة، المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني، بإحياء ذكرى هذه الفاجعة المؤلمة. نغتنم الفرصة بهذه المناسبة الحزينة لنذكر الأحزاب الحاكمة ومسؤوليها وقيادتها السياسية بأن عوائل ضحايا الأنفال ومجزرة هه لبجة وعوائل الشهداء جميعاً والجماهير الكوردستانية عامةً لايحتاجون بأن تتذكر الكوارث والمجازر القومية في يوم واحد فقط في كل سنة عند إحياء ذكرى الفاجعة وقراءة البيانات وتقديم الوعود لعوائل الضحايا، من قبل المسؤولين في حكومة الإقليم ومسؤولي الأحزاب الرئيسية الحاكمة، بقدر ما تريد الجماهير الكوردستانية وعوائل الشهداء والمؤنفلين أن تشعر وتلمس وتحس وترى على أرض الواقع بأن هذه الكوارث القومية حقاً تعيش، في كل لحظة وكل ساعة وفي كل يوم، في صميم وفي وجدان وضمير القيادة السياسية الكوردستانية والمسؤوليين الحزبيين والحكوميين، وتتفاعل معها وتترجمها الى الواقع العملي. ماذا قدمت هذه الأحزاب ومسؤولوها لإنصاف عوائل الشهداء والمؤنفلين وتضميد جراحهم وإخماد النار التي تحرق قلوبهم طوال 25 عاماً، رغم إن املاك الدنيا لا تلتهم جراحهم ولا تعوضهم عن فقدان اعزائهم وذويهم، لكن ضمان مستقبلهم وتوفير الحياة الكريمة لهم هي مسؤولية اخلاقية قبل ان تكون مسؤولية قومية. هل قامت حكومات الإقليم المتعاقبة والقوى الرئيسية الحاكمة وقياداتها السياسية بواجباتها الوطنية والقومية وعملت بجدية في المحافل الدولية وببرنامج سياسي واضح لتصنيف هذه الكارثة القومية والجريمة البشعة ضد الشعب الكوردي بحملات الإبادة الجماعية دولياً؟ هل طالبت حكومات الإقليم المتعاقبة، بعد عام 2003 ، والقوى الرئيسية الحاكمة وقياداتها السياسية الدولة العراقية بتعويض عوائل الشهداء والمؤنفلين؟ هل قامت حكومات الإقليم المتعاقبة والقوى الرئيسية الحاكمة وقياداتها السياسية بملاحقة جنرالات صدام حسين ورؤساء الجحوش وجميع الأيادي القذرة التي تلطخت بدماء المواطنين الكورد العزل خلال عمليات الأنفال ومجزرة هه لبجة؟ أتذكر شخصياً وخلال الأعوام 1996 – 1997 وكنا آنذاك داخل تنظيمات الإتحاد الوطني الكوردستاني في الدانيمارك، وفي تلك الفترة طالب أحد جنرالات صدام حسين وأحد قادة الأنفال، نزار الخزرجي اللجوء السياسي في الدانيمارك، حينها قدمنا دعوى الى المحاكم الدانيماركية ضد هذا الشخص باعتباره احد الجنرالات الرئيسيين لحملات الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردي خلال عمليات الأنفال. بعد فترة وصلنا امر حزبي من قيادة الإتحاد الوطني الكوردستاني رافضاً وبشكل قاطع تقديم نزار الخزرجي الى المحاكم الدانيماركية، حتى وصل الأمر الى إن احد اعضاء المكتب السياسي للإتحاد وصل الى الدانيمارك لعدم موافقة الحزب بتقديم هذا الشخص الى المحكمة، بذريعة إرتباط وعلاقة نزار الخزرجي بالقيادات الكوردية! أستحلفكم بالله وبكوردستان وبكل القيم والمباديْ الإنسانية النبيلة، هل يعقل بأن صدام حسين كان غافلاً الى هذا المستوى بأن جنرالاته وقادة جيشه كانوا على إرتباط بالقيادات الكوردية؟ كل من عاش فترة حكم صدام حسين يعلم جيداً بأن دكتاتور العراق أخضع جميع الذين إختارهم لمواقع المسؤولية في الدولة والجيش والحزب لعدة مراحل من الإختبار، وكل من تجاوز تلك الإختبارات وبجدارة وأثبت ولاءه المطلق لصدام حسين حصل على مواقع المسؤولية، ولو كان لصدام حسين مجرد ادنى شك في أي مسؤول لأزاحه وتخلص منه أياً كان هذا الشخص حتى وإن كان من أقرب الناس له. بعدها تمكن نزار الخزرجي الخروج من الدانيمارك. الأستاذ جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق رفض كذلك التوقيع على امر إعدام سلطان هاشم، الذي هو أيضاً كان أحد القادة الكبار لعمليات الأنفال. نتذكر أيضاً كيف تم الإفراج عن احد الطيارين الذين قصفوا مدينة هه لبجة بالأسلحة الكيمياوية، ومن ثم تم ترحيله من كوردستان والى اورپا معززاً مكرماً! إن عدد كبير من رؤساء الجحوش والذين تلطخت اياديهم بدماء المواطنين الكورد العزل خلال عمليات الأنفال، هم الآن في مواقع المسؤولية داخل مؤسسات الدولة في إقليم كوردستان وداخل الحزبين الكورديين الرئيسيين.
هكذا ينصفون عوائل شهداء هه لبجة وضحايا الأنفال. ولم إذن دموع التماسيح في هذا اليوم من كل عام؟ يتسترون على الجلاد والمجرم ويسيرون في جنازة الضحية ويبكون على جنازتها!

الجزء الأكبر من عمليات الأنفال نفذت في منطقة گرميان، وبالتحديد في حدود مدينة كركوك وفي القرى والنواحي والأقضية التابعة لها. لذلك كانت المسؤولية الأخلاقية والوطنية والقومية تفرض على القيادة السياسية الكوردستانية وأحزابها الحاكمة أن تخوض المعركة السياسية مع المركز منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام العراقي البائد، من اجل إنتزاع الإعتراف الرسمي من الدولة العراقية بكوردستانية هذه المناطق وإلحاقها بإقليم كوردستان لضمان مستقبل أبنائها ولمنع تكرار مثل هذه المجازر ترتكب مستقبلاً ضد الأجيال القادمة للكورد في تلك المناطق، هذا إذا كانت حقاً مأساة ومعاناة مجازر هه لبجة والأنفال تعيش في وجدان وفي ضمائر المسؤولين والقيادة الكوردستانية وأحزابها الحاكمة. إزالة آثار التعريب والتطهير العرقي والتغيير الديموغرافي في تلك المدن الكوردستانية المستقطعة عن إقليم كوردستان وإسترجاعها الى حدود الإقليم الإدارية كان يتوجب ان يكون القضية المركزية والمحورية لجميع خلافات رئاسة الإقليم والقيادة الكوردستانية مع المركز، وليس قضية النفط وعقود النفط وإيرادات النفط!

المجد وكل المجد لشهداء الأنفال وضحايا مدينة هه لبجه وكل الشهداء الأبطال الذين ضحوا بحياتهم الغالية من أجل المصالح القومية العليا، ورفعة الرأس لعوائلهم وذويهم. عسى أن تهتز مشاعر المسؤولين وأصحاب القرار وتتحرك ضمائرهم ويتذكروا بأنهم وصلوا الى مواقع المسؤولية داخل الدولة العراقية وفي الإقليم، وتربعوا على عرش الخير والنعيم على حساب دماء شهداء الكورد.


 

دانيمارك\كوبنهاكن، الأربعاء 17 نيسان 2013


 

free web counter