د. كامل العضاض
kaladhadh@yahoo.com
يا مالكي، إياك و الإغترار!
د. كامل العضاض
كم قبلك ملك وسخّر صدام من قوة وعدة وعديد ومليارات من دولارات سدت عين الشمس، لأكثر من ربع قرن؟ كم ملك قبلك حسني مبارك، فرعون مصر ولثلاثين عام من سلطة وهيلمان، حتى أغراه الأمر لتوريث عرشه لإبنه، على نمط رمسيس الأول وسلالته التي إمتدت لألف عام؟ كم ملك وتسلطن زين العابدين بن على لثلاثة وعشرين عام، ولم يخامر أحدا شعورٌ بأنه سيطرد شر طردة، إذ راح يطرق الأبواب من أجل ملاذ، حتى أبواب حلفاءه القريبين في فرنسا، حيث يملك الفلل الفاخرة، ولكن بلا جدوى، فما كان إلا أن ينقذه ملك السعودية، لحسابات تخصه ولا تخص الشعب السعودي؟ وتدور الآن وفي هذه اللحظات، معركة غير متكافئة بالسلاح، ولكنها متفوقه معنويا من جانب الشعب الأعزل في ليبيا، ضد طاغية معتوه، ركب الشعب الليبي لأكثر من أربعين عام. هل لديك يا مالكي لحظات لتشاهد على قناة العربية أو على غيرها بعض المشاهد لهذا الطاغية وهو فاقدا لعقله، يسبّ شعبة، ويعلن أن من لا يحبه، خائن وسافل، وأن المنتفضين جرذان ومهلوسين، وأنه سيبيدهم ويقضي عليهم، بيتا بيتا، وحيا حيا ومدينة مدينة!؟ ما سر هذا الإصرار والعنت والتكابر والتعالي؟ هل هو تسامي فدائي، أم جنون عظمة؟ أم هل هو هوس، أم هل هي غيبوبة السلطة ومذاقها السحري؟ وللجواب لابد أن نحذف التسامي الفدائي، إذ حتى الأنبياء أصحاب الرسالات، كالرسول الكريم محمد الذي كان يستنكرالجور ضد الكافرين، حتى عندما كان في مكنة عسكرية غالبة، كما فعل عند فتح مكة، وصالح حتى من كان أغلظ أعداء الإسلام وأشدهم سيفا عليه وعلى أتباعه. كلا أن سر العنت والجور والتمسك في سلطة غاشمة يكمن في عامل، يسمى باللغة النفسانية، الهوس المعزز بالغرور أو بكلمة أدق الإغترار، أو الوهم أو غيبوبة الوعي المفضي الى التصورأو التخيل بأن إمتلاك السلطة التي يشخصنها هو بأنها وجودٌ وحيد له، أي له كحاكم متشبث بها حتى ساعة الطرد والإذلال، وربما المحاكمة والعقاب العادل، كما شهدنا وكما سجل ويسجل التأريخ. يستطيع الحاكم المستبد أن يجد لإغتراره أو عنته هذا ألف مبرر؛ مبدأي، دستوري، إنتخابي، قدري، الى آخر ما هناك من الأنسجة الفكرية الخيالية أو المستهلكة، ولكنه لا يحسب دوره وقيمته، بصورة متوازنة، كفرد سنحت له فرصة، سواء كانت مصادفة أو عن طريق الكفاح السياسي، حسابا دقيقا، فلمجرد صعوده على منبر السلطة صار ينظر الى من حوله من بشر، كدونه قيمة ودونه ذكاءا، ومن هنا يبدأ الجنون، ومن هنا تبدا هلوسة السلطة وغيبوبتها المدمرة له في النهاية.
صار المالكي رئيسا للوزراء في عام 2006، كبديل تسوية للجعفري الذي شطّ هنا وهناك، وأفلت زمام الأمور ليتصاعد، تحت إدارته، الصراع الطائفي المؤجج. فهي الصدفة، إذن، في غياب البدائل! وإستبشر رهطٌ كبيرٌ من الناس. وفعلا، في سنتيه الأولى والثانية، بذل المالكي، بمساعدة المحتلين، مجهودا يُذكر في تحقيق بعض الأمن وفي تعقّب بعض الإرهابيين، بل وإستجمع الشجاعة ليوقف مليشيات مقتدى الصدر الإيرانية عند حدها، وخصوصا في البصرة. ثم بدا يعلن عن دولة القانون أو سيادة القانون، ويكيل الوعود تلو الوعود، ومنها القضاء المبرم على الفساد المالي والإداري، والقضاء على المحسوبية، وتعزيز الديمقراطية، ومن ثم تحقيق التنمية، إبتداءا من الخدمات، الكهرباء، الماء، المجاري، الصحة، التعليم، وصولا الى حسن إستغلال الثروة النفطية والغازية، وقائمة الوعود تطول، لكنها وعود مكنته من الفوز مع قائمته الإئتلافية بالمرتبة الثانية في الإنتخابات العامة الماضية، أي قبل ما يقرب من عام كامل. ومع ذلك، فقد أمضى عاما كاملا يناور ويتحالف ويتنازل ويرضي الخواطر، ليستمر لسنوات أربعة أخرى متربعا على عرش سلطته. وإذا كان مجرد تشكيل الحكومة قد إستغرق سنة كاملة، وقبلها أنصرمت خمس سنوات لمحاربة الإرهاب، دونما وضع حد نهائي له. فمتى تتحسن الأوضاع التي تزداد سؤا؟ وهي تسؤ، ليس فقط بسبب الغياب شبه الكامل للخدمات الإجتماعية والكهرباء والماء والمجاري، إنما لإرتفاع مطرد في منسوب الفقر المدقع، حتى غدا يصيب أكثر من ثلث السكان، ولإنعدام فرص العمل لجيل كامل من الشباب العراقي، حيث وصلت نسبة البطالة في القوة العاملة الى 23%، يشكل الشباب ما يقرب من 80% منها، حسب بيانات وزارة التخطيط العراقية، الرسمية. اما الهيكل البنيوي للإقتصاد العراقي، فمنهار تماما، لا مشاريع ري، لا شبكات طرق، لاصناعات، لازراعة، لا إنتاج وطني، بل هرولة الى شركات النفط الأجنبية، ومنحها عقود، سميت عقود خدمة، ولكنها أقرب للإمتيازات، لأن أمدها قد يصل الى ربع قرن، لكي يضاعفوا إنتاج النفط وتصديره بستة أضعاف، لتنفك حنفية مليارات الدولارات، ثم لينقلوا العراق، حسبما يوعدون، بعدها الى أرض الأحلام! هكذا بدون إستراتيجية واضحة للخروج من عنق زجاجة الإقتصاد الريعي النفطي التابع، بل ممارسة عكسها، وهو الولوج الى قاع الزجاجة! اما الفساد والتستر على اللصوص والفاسدين ومزوري الشهادات، وتمكين غير المؤهلين من أنصاف الأميين لتبؤ مواقع ووظائف الدولة العامة والمهمة، كلها، وغيرها الكثير، ومنه لجم الحريات الشخصية والإجتماعية، وتحجيم الصحافة والإعلام. وفي ضؤ كل هذه المرارات ألا يحق للشعب العراقي أن يقول، كفى، كفى، في تظاهرة سلمية، تمارس حقها الدستوري في المطالبة في إصلاح العملية السياسية والمطالبة بحكومة تضم أكفاء لمعالجة الأوضاع الكارثية في البلاد، وفي مقدمتها البطالة والفققر الضارب أطنابه في البلاد؟
ونحن نراقب بدقة المظاهرات الشعبية الضخمة، منذ الصباح الباكر، اليوم 25 شباط لعام 2011، ولأول مرة منذ سقوط النظام الديكتاتوري السابق، من على شاشات التلفازات ونستعلم بالإتصالات الهاتفية من أهلنا وأصدقائنا هناك في بغداد ، لنفتش إن كان في تلك المظاهرات ما يخرجها عن معناها الدستوري/القانوني، وعن طبيعتها السلمية، وعن مقبولية وإنسجام شعاراتها مع مطاليب إصلاح النظام، وليس إسقاط الديمقراطية، بل تعزيزها، وفيما إذا حملت شعارات مدسوسة من قبل فلول صدام، او للمطالبة بإعادة النظام السابق، أو فيما إذا يستخدم المتظاهرون العنف ضد قوات الأمن، أو لتخريب أو تدمير المنافع والممتلكات العامة. وهذه أمور إدعى المالكي ورجاله وصحابته وكُتاّبه، إنها كوارث تهدد مصير الديمقراطية وقد تنهي العملية السياسية، وقد تفتح الباب واسعا أمام الإرهاب والإحتراب الداخلي من جديد. نعم، أن المالكي ورهطه ومسؤولية ومحافظيه قالوا أن التظاهر هو حق دستوري، طالما كان بدون عباءة بعثية وإرهابية، وبمطالب مشروعة. ومظاهرة يوم الجمعة اليوم/ أمس، في رأيهم هي مؤامرة بعثية، فهي ضد الديمقراطية. وهكذا يلعبون بالكلمات ويستخفون بعقول الناس. فماذا شاهدنا وشاهد العالم؟ شاهدنا أن الحكومة منعت المركبات وسيارات الأجرة، وطوقت الطرق والمنافذ بالآلاف من قوات الأمن والجيش، وإستخدمت خراطيم المياه لتشتيت المتظاهرين، والقنابل الصوتية والرصاص الحي، في أكثر من مدينة وحي تجمّع فية الناس والشباب، قادمين سيرا على الأقدام، وخصوصا في بغداد المترامية الأطراف، فقد إستغرق وصول بعضهم الى ساحة التحرير أكثرمن ثلاث ساعات. شاهدنا سلمية المظاهرة بكل جلاء، بل لاحظنا طفلا أراد أن يرمي حجرا، فمنعه ووبخه شاب رصين. شاهدنا الجرحى ومحاولات الإسعاف البدائية، مع غياب كامل لسيارات إسعاف أو وحدات طبية مرابطة. شاهدنا الشرطة تفتش اي قادم للإنضمام للمظاهرة، وتحكم الطوق عليها، والهيليكوبترات تحلّق فوقها، ونوافير المياه تتدفق، وقنابل الغاز تتفجر والهراوات جاهزة. ورغم كل وسائل القمع التي نجدها، عادةً، في الأنظمة الفاشستية، ظل المتظاهرون، شيبا وشبانا وكهولا، رجالا ونساءا، بآلافهم المؤلفة يتحلّون بالصبر والشجاعة والصمود وضبط النفس، فلم يقدموا على أية حركة عنفية ضد القوى الأمنية الهائلة التي تطوقهم بإحكام. اما الشعارات المرفوعة، فهي في منتهى العقلانية، إذ تتضمن هتافات مكتوبة من أجل الخبز والكرامة، من أجل حق العمل، من أجل الحق في العيش والحياة، والمطالبة بنصيبهم في ثروات البلاد التي تنهب اليوم وتهدر وتسرق. انهم يطالبون بتصحيح العملية السياسية وبتعزيز الديمقراطية والإتيان بحكومة أكفاء لحل المعضلات والفشل المتراكم لحكومة المالكي ومن سبقه، بل من حقهم المطالبة بالدعوة الى إنتخابات جديد لإنتخاب برلمان جديد بدلا عن البرلمان العقيم الحالي، ومن حقهم المطالبه بإستقالة المالكي نفسه، فهذا حقهم الدستوري. فمن أين إذن جاء بعبع البعثيين والصداميين الذي يخوّف به المالكي الشعب العراقي؟ في ضؤ هذه الصورة، هل يتسق إدعاء الحكومة وأنصارها مع حقائق الواقع، ومع مضامين الديمقراطية الحقيقية، فمن يا ترى هو الديمقراطي الحقيقي، هل هومن يزيفها؟ أم من يمارسها بدمه وعَرَقه؟ من يا ترى؟؟
25-02-2011