العراق : الاحزاب الحاكمة ومعضلة تكوين الدولة
قرطبة الظاهر
لا علينا ان ننتظر الايام القادمة كي تتوارد على اذهاننا وذاكرتنا انتخابات 2010 للبرلمان العراقي وعقباتها وما ترتبت بعدها من مساومات وانهيار للسلطة التنفيذية بكل مقايسه الامر الذي دفع ثمن هذه السياسات المعطوبة والخاطئة ولازال ابناء شعب العراق الابرار. فازت القائمة العراقية باغلبية الاصوات وراحت تعمل على تكوين تحالفات وما ان انهمكت بعلمها سابقتها دولة القانون بعودته إلى التحالف الشيعي وباوامر ايرانية وبدعم ايراني من اجل السيطرة على الاغلبية العظمى في البرلمان وفي الحكومة غير آبه ومحترم لقواعد العملية الديمقراطية وعملية تكوين التحالفات ما بعد الانتخابات. جرت كل هذه التطورات بعد ان ايقن الشارع العراقي ان من يتحكم باصوات الناخبين هم دولا اقليمية تسعى لبسط نفوذها ومد خيوطها الاخطبوطية حول القرار السياسي العراقي ثم شله تماما من الارادة الفعلية الوطنية الحقيقية. ارادة الشعب اصبحت بذلك غير مهمة للعملية السياسية في العراق بل اهم منها هي التحكم في مصير شعب وقد اصبحت كل الدول العربية وغير العربية تملك ما يقارب 35 مليون بيان عن كل عراقي وعراقية قاطن في العراق وذلك عبر استغلال شركات الاجهزة النقالة التي تطلب من كل مستخدم ملئ استمارة لا احد يعرف اين تدخل واين تحول معلوماته الشخصية. ارادة الشعب لم تعد تهم الاحزاب التي جاءت من اجل هدف واحد وهو امتصاص كل مقدرات العراق باقصر وقت ممكن ثم اللذوذ بالفرار إلى حيث جاءت في عام 2003. وبالرغم من ان الشارع العراقي يعلم بان العراق لحد هذا اليوم لا يملك اي قانون للاحزاب فانه مع ذلك يعمل على شرعنتها من خلال انتخابها وهي فاقدة اصلا للشرعية الدستورية والقانونية. هذا الامر سوف يجعل هذه الاحزاب مستقبلا تنأى عن اي ردة فعل لملقات فساد قامت بها في احدى حقب حكمها في العراق مدعية بان العراق لا يملك الشرعية لمقاضاتها لعدم وجود قانون للاحزاب يقاضيها. وهذا نفس الحال مع حزب البعث الذي انتهت صلاحيته بلا مقاضاة وبلا منع حقيقي ودستوري لعدم وجود قانون فعلي للاحزاب في عراق صدام حسين.
جاءت الاحزاب في 2010 باكثرية غير منتخبة إلى سدة الحكم وعبر قوائم مفتوحة وزع من خلالها كل رئيس قائمة اصواته على من يرغب بهم وعلى من هو مجبر ان يرغب بهم وهم نواة الحزب. العشرة الاوائل: هؤلاء اعضاء دائمون على القوائم الانتخابية ولا يجوز تنحيتهم مهما كلف رئيس القائمة الخسارة. فهم من يقررون بعد ذلك مصير الشعب العراقي وهم من ينفذون الاجندات الخارجية وهم من ينتخبون بنفوذهم وسلطانهم رئيس الوزراء وهم من يمسكون بسلطة القرار ولا احد سواهم. الكارثة ستعاد هذه المرة في انتخابات 2014 وبذات المؤامرة والضحك على الشعب بعد ان تم ترقيع قانون للانتخابات مليئ بالاخطاء الاملائية والمتناقضات. ضحيته الكوتا النسوية (25%) التي ستستسلم المرأة من خلالها إلى الامر المفروض عليها من قبل الاحزاب الاصولية المتطرفة التي ترفض اصلا تواجد المرأة في معترك التهافت على المال العام وسرقة الاصوات والمتاجرة بالوظائف العامة والمناصب السيادية. خرجت المراة في 2013 بوزارة المرأة وهي حقيبة تشريفية لا تنفيذية لتهدئة غضب النساء اللائي اصبحن يشكلن اكثرية في المجتمع العراقي والطمطمة على حقوق المرأة التي سحبت منها كافة الحقوق واصبحت خادمة مطيعة بعباءتها السوداء ولعبة بأيدي الفاسدين والمفسدين. هنا نلتمس الاخلال في التوازن الاجتماعي المنعكس على الطبيعة السياسية بأغلبية ذكورية تفرض ذاتها بطمع وجشع وتزرع الحقد والانتقام والكراهية بين ابناء المجتمع الواحد كي تنصرف إلى اكل السحت الحرام بعيدا عن السلطة القضائية النائمة. والاخيرة لم تأبه إلى وضع النقاط على الحروف بل انجرفت هي الاخرى في عتبات واروقة التآمر على المال العام والطمطمة والتسكت على جرائم اختلاس وغسيل الاموال العراقية في المصارف والبنوك الخاضعة لسيطرة الاحزاب الحاكمة. بلغت موازنة العراق لعام 2013 138 بليون دينار عراقي لم يتعب القضاء قيد انملة ان يدقق في ملفات الوزارات ومشاريعها الفارغة. كما مسرحيات اللجان البرلمانية الساخرة التي هلت على شاشات التلفاز مهددة متوعدة الفاسدين بالقضاء. لم يسكت الشعب حتى فضح امتيازات المسؤولين ورواتبهم الخيالية فخرج إلى الشارع مطالبا باسقاط رواتبهم التقاعدية فكان الرد سريعا من رئاسة الوزراء ان يكون هناك قانون للتقاعد الموحد لا يحتوي إلا على نفس الراتب التقاعدي الذي كان يتقاضاه المسؤول قبل سن القانون وبذلك تم لفلفة وسلفنة مطاليب الشعب بالدهاء والمكر والكذب. الهوة ما بين السلطة والمواطن والافراد والمجتمع اصحبت اليوم كبيرة جدا. الطبقة المنتفعة من الموظفين المأجورين على حساب الاحزاب الحاكمة والمدراء العامين والمفتشين الذي يتقاضون رواتب خيالية ويعيشون في نعيم منقطع النظير عن اؤلاك المحرومين المنكوبين في دوامة الارهاب والفقر والظلم والتسول والحرمان. ناهيك عن الالاف من متضرري النظام السابق الذين لم ينالوا لحد الان حقوقهم المشروعة من المادة 140 ومن وزارة الهجرة والمهجرين، ناهيك عن حقوق الكفاءات المهاجرة والمهجرة قسرا. الهوة ما بين السلطة والشعب تكبر يوما بعد يوم والقضاء على الظلم في ظل سلطة المافيات الحزبية وكواتم الصوت واجهزة كشف المتفجرات المعطوبة والمزيفة وارهاب القاعدة تجهز على كل انسان يتطلع إلى تحقيق الحلم العراقي الحقيقي. سلطة لا تريد ان تسمع العالم حقيقة ما تنجزه من جرائم شنيعة وبشعة يومية بحق الشعب العراقي وهي متسترة في المنطقة الخضراء تتفرج على الابادة الجماعية والحرب المباشرة بلا رادع او سلاح مع الشعب.
هنا نكتفي ان نقول بان لا دولة بلا شعب مسلوب الكرامة والحرية والحقوق والارادة. لان الشعب هو اساس الدولة وتكوين الدولة لا يكمن إلا بشعب الدولة وارض الدولة وسلطة الدولة. وهذه الركائز الثلاث لا تكون في حال فقدان احدهن. لذا فان تقرير المصير عبر صناديق الاقتراع يجب ان يكون ناتجه الفعلي منظومة صحية تحترم ارادة الشعب وتعمل على التغير من محمية للصوص والمفسدين الكلبتوقراط إلى دولة ديمقراطية بمؤسسات مدنية فعالة وخادمة للشعب.