جيكور
jekoor22@hotmail.com
الثلاثاء 28/2/ 2012
قصة قصيرة
العملية رقم 1000
جيكور
هل انت متأكد من النجاح يا دكتور؟؟!
بكل تأكيد، العملية بسيطة للغاية رغم إنها حديثة ، أجريناها على الكثيرين ، أنت الرقم ألف ، ستكون ضجة إعلامية كبيرة ، الكل ينتظر في الخارج ..
نسبة النجاح تسعة وتسعون فاصلة تسعة وتسعون..
إنقبضت روحي وانا اسمع هذه النسبة الكريهة؟؟
لكن لا يهم ساعات قليلة واتخلص من هذه الذاكرة اللعينة الى الابد..
عندما تتم العملية ، ستكون انت من حقق النسبة الكاملة ، مئة في المئة ، انها عملية القرن ، لم يسبق لأي اكتشاف طبي ان توصل الى ما وصلنا اليه.. انت محظوظ..
كما قلت لك أجريناها على اشخاص من مئة بلد وثقافة مختلفة ، أغلبهم لديهم تجارب مريرة من الحروب والامراض الاجتماعية ، اليوم يعيشون بسعادة ، حياة جديدة ، بل هي ولادة جديدة.. انت اول عراقي يقوم بها..
العملية ليست جراحية كما تعلم ، سنسلط اشعة على الاماكن التي حددناها معك في الدماغ ، وستختفي هذه الخلايا، وتحل محلها خلايا جديدة ، العملية لا تستغرق اكثر من نصف ساعة ، ثم ينتهي الامر..
ولكي لا يكون هناك سوء فهم أو خطأ ، سنعيد معك الان الاشياء التي طلبت أن تمحوها..
قلت انك تود ان تزيل التالي من ذاكرتك :
الحرب ، السجن ، مديرية الامن ، مكافحة الاجرام ، مركز التدريب ، التجنيد ، مسطر العمالة الذي تعود منه خائباً بلا عمل ، الاصدقاء الذين غدروك ، الحبيبة التي زوجوها لميسور، الحصار، الجوع ، التشرد ، الكوابيس التي تلازمك ، مفوض سلمان ، رفيق أبو سحر الذي لا تعرف اسمه الحقيقي ، الاشعار التافهة التي حفظتها في المناهج الدراسية ، سيطرة القادسية ، الانضباط العسكري في الحارثية ورائحة البراز الذي سقطت فوقه بسبب تدافع الاجساد البشرية التي حشرت بلا رحمة في مكان لا تحتمله حتى الدواب ، الدنانير الخمسة التي كانت تستلفها امك للالتحاق في معركة الشرف والكرامة ، ام احمد التي ساقوا زوجها الى اكثر من عشرين مشاركة جيش شعبي لانها جميلة وكانت تسيل لعاب الرفاق الحزبيين في المحلة.. وو ووو
شعرت بالغثيان وهو يتلو هذه القائمة من الماضي الذي اود ان امحوه من ذاكرتي..
صرخت توقف يا دكتور.. إمحِ ما تشاء من هذه الذاكرة اللعينة ، أو اقل لك ، ، اقلعها من جذورها ، ثم إرم بها في سلة المهملات ، او في اقذر مرحاض عام..
لا تخف وهدئ من روعك ، استرخ وحاول ان تتذكر الاشياء الجميلة ، أليس لديكم أشياءاً جميلة هناك؟؟؟
عد الى طفولتك ، تذكر.. حاول ان تتذكر كل ما من شأنه ان يغير من هذا الجحيم الذي حملته في اللاوعي ، لابد ان تكون هنالك اشياءاً براقة وملونة في ذاكرة كل انسان ، وإلا كيف تمكنت من تحمل كل هذا العناء؟؟
ما الذي اذكره في طفولتي ؟؟ المصباح الوحيد في الشارع ، نتراقص تحته مثل فراشات حائرة ، نلعب الغميضة، نركض ، نضحك ، نهرب ، بيت البيوت والاعراس الوهمية البريئة ، زهرة ستكون زوجتي ، وفهيمة ستتزوج من رحيم ، سعدون يعشق ميادة ، كريمة تتبسم لمحمد..
بدرية وطاسات اللبن الطازج والقيمر ، سيد جابر ابو الطحين وحماره الحساوي الذي عضني عندما كنت اختبيء خلف عباءة امي ، تعجبوا كيف ان الحمار يعض!!.. لكنه عضني..
جاسب جارنا الطيب وجاسبية زوجته الصبية ، استغربت المحلة كلها عندما تزوجا!!، كيف أن الصدفة جمعتهما وهما يحملان ذات الاسم،!!
كنت انظر الى (الكلة) (1) التي يناما تحتها ، كل فجر ، تستهويني الالوان التي تطرز ثوبها المخملي الفضفاض. تمنيت في داخلي أن اكون جاسباً..
الاعراس ورقص الغجريات ، كان الرجال يضعون الاوراق المالية في صدورهن المعطرة.. لا اعرف كيف كان الناس فرحين رغم ذلك الفقر .. الكل يرقص ، يغني ، السماء صافية تطرزها النجوم ، رائحة العشب ، بيادر الحنطة التي كنا نركض فوقها بفرح طفولي كي تنفلت الحبات من سنابلها.. و..وو...
التخدير أخذ مفعوله لنبدأ العملية...
كيف تشعر الان؟؟ بخير..
هل عرفتي؟؟نعم عرفتك ، انت عبود المطهرجي .. الذي كنا نخاف النظر الى الشارع الذي يسكن فيه..
الطبيب يلتفت الى الطلاب الذين حضروا لمعاينة نتيجة العملية ، يضحك ،
لابد انه يمزح ، كان يمزح قبل العملية ايضاً ، تحدث عن أشياء غير معقولة ، لكنه كان يمزح ، هذا المريض يحب المزاح ..
اطفأ ضوء الغرفة واشار بعصا مطاطية رفيعة الى اللوحة الكبيرة المعلقة على الجدار ، لوحة لمنظر طبيعي تلال وزهور وعصافير وشمس ذهبية.
ما هذا؟؟ أشار الى التل
ساتر ترابي..
ما هذه؟؟ أشار الى الزهور
بوشات البيكي سي (2)
ما هذا؟؟ أشار الى الشمس
أنفلاق جوي..
أطفأ اللوحة وفتح اخرى ، صورة لملعب كرة قدم..
ما هذا؟؟
ملعب كرة القدم الذي .... تبسم الطبيب إلتفت الى الطلاب ، اظن انه بدأ يتحسن..
أكمل ، ماذا ترى في الملعب؟؟
انه ملعب الحي الذي اعدموا فيه صديقي علي مبارك رمياً بالرصاص ، اعدموه الاوغاد لانه تجاوز اياما على اجازته الدورية ، لم تستطع امه تدبير أجرة الحافلة التي تنقله من البصرة الى السليمانية ، لم يكن ينوي الهرب ، لكنهم اعدموه ، آه يا علي ، اعدموك اولاد الكلب لانك لا تملك ثمن الاجرة في وطنك!!!
ازاح صورة الملعب ، صورة لحديقة ، عصافير وأرجوحه حبالها من الزنبق واللبلاب ، إمرأة جميلة وشاب يضع قلادة في رقبتها..
ماذا ترى الان؟؟؟
مشنقة، مفوض سلمان ، ام احمد تفترسها الذئاب ، الحافلة التي لم تنتظر علي مبارك ، الخمسة دنانير التي تستلفها امي ، رفيق ابو سحر الذي لا اعرف اسمه ، الكاولية ، مرآب النهضة ، البول في حجز الحارثية ، الفلقة ، الباب الذي اقتلعه جاري وباعه ليشتري به خبزا لاولاده ، الحزب ، المباديء ، الشرف ، الوطن ، الكعكة ، القوادين ، المؤامرة ، الامبريالية ، دواسر الحنطة ، دجلة الذي يحتضر ، ال............
صرخ الطبيب:
فشللللللللللللللللت العملية.