| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

جيكور

 

 

الخميس 1/12/ 2011

 

 قصة قصيرة

في السوق

جيكور

الزمان : اوائل السبعينيات - شتاءاً
المكان : مدينة الثورة داخل ، وسوق الشورجة
الابطال : امي وأنـا

زقاقٌ فرعي صغير يتصل بزقاق فرعي أخر، يوصل هذا الاخير الى الشارع الرئيسي الذي يؤدي الى كل طرق العالم كمـا كنا نظن ، لانه يوصل الى رأس التبليط ، ومنهُ الى الاولى، أي بداية مدينة الثورة، ومن تلك البداية تبدأ كل البدايات ، الى الباب الشرقي ، باب المعظم والى النهضة مرآب الرصافة العظيم الذي ودّعَ قوافلاً لا تحصى من شهداء الثمانينات ، ركبوا الحافلات الى جحيم الحرب ، ولم يعودوا بعدها، كما ودّعَ هذا المكان الاف المغتربين الذين هاجروا وفي قلوبهم أحلاما ذابت في جليد الغربة، أو صٌهرت في صيف الوطن المنقطع التيار..

كان علينا ان نجتاز هذين الزقاقين بقفزات تطولٌ أحيانا أو تقصر، فوق خطوط متعرجة من الحجارة وعلب الصفيح الغائرة في الطين، أتابعٌ خطوات امي الحائرة ، أدوس ذات الاماكن التي مرت عليها ،تغرس قدمها هنا وهناك ، ثم ترفع نعلها اللاستيكي خوفا من غرقه الى الابد، كما ضاع شبيهه قبل اسبوع وفي ذات المكان،.
لا تستطيع حملي ، ولا تركي أسير لوحدي، ، تجرني مرة، وترفعني من ابطي مرة اخرى كي لا اسقط في الموضع الذي غار فيه نعلها ، كنت اتابع ابو دبيلة * وهو يسبح في تلك البرك الواسعة من مياه الامطار التي اغرقت الازقة والبيوت الفقيرة ، فاصبحت بحيرات دائمة في الشتاء..

(الرف) و(الفورد) و(العنجة) ** هي خيول ذاك الزمان التي تصهل بمنبهات صوتها لتملأ فضاء المدينة الحالمة والدافئة كدفء اهلها.
ركبنا الباص الصغير ،الاجرة ثلاثون فلساً، تجلسني امي في حضنها كي لا احسب راكباً تدفع عليه الاجرة ، ركاب يصعدون واخرون ينزلون ، قدور وأواني وصينيات *** تفحٌّ منها رائحة القيمر والحليب، رجل يصعد حاملا قفصاً من الدجاج، يتشاجر مع السائق على دفع اجرة المكان الذي شغله القفص، ينزل ، يسب السائق، السائق يشتمه، تسير السيارة والسائق مازال يشتم ويصفع وجه الرجل الغائب في الهواء.
كان علينا ان نستقلَّ باص اخر يؤدي الى
سوق الشورجة المكتظ بالعابرين والمتسوقين والباعة ، عربات يجرها الانسان ، واخرى الحيوان، تلال من الاكياس يحملها رجل لوحده، لا يظهر منه شيء، كأنها تسير على عجلات صغيرة، يعبر الشارع غير ابه بأبواق السيارات والزعيق الذي تحدثه عجلاتها عندما تتوقف بغتته...

سرنا خلف ذلك التل المتحرك من الاكياس ،عبرنا الشارع معه، دخلنا السوق الذي اصبحت لغة الاصابع والاشارات هي المفهومة من شدة الضجيج والصياح على عرض اسعار السلع التي تكدست وتبعثرت في كل مكان،
امي تتوقف عند بائع البهارات، ثم محل الاواني البلاستيكية، اشترت لي نعلا اسفنجياَ جديداَ، ولاختي اساوراً ملونة، كنت انظر الى الاشياء من خلال الفتحات الصغيرة بين الارجل، أو عندما ترتفع الايادي وتنخفض ،امد عنقي تارة ، واقف على اطراف اصابعي تارة اخرى، ليتسنى لي رؤية البالونات الملونة والحلويات التي صبت على اعواد خشبية على شكل أسماك وطيور ودجاج..

أشعر بيدي الصغيرة تتعرق وأنا امسك طرف عبائتها، أفلتها بين فترة واخرى لامسح يدي، ثم اعود لامسك بها خشية الضياع في هذا الزحام الرهيب

العباءة تسير أمامي وانا اتبعها ،ابتعدنا عن الزحام وولجنا زقاقاً صغيرا، تسرع فأهرول خلفها، لم اعهد امي تسير بهذه السرعة ، دخلت فرعا ضيقاً ثم توقفت أمام عتبة دار قديم غرق الى نصفه تحت الشارع ، جذبت العباءة بقوة وصحت : يا أمي تعبت من المشي، التفتت الي ، مازال وجه تلك العجوز الغريبة يلوح في ذاكرتي ، سقطت على مؤخرتي من شدة الخوف، صرخت بأعلى صوتي، هربت في كل الاتجاهات، كنت مذعوراً ، لدرجة اني لم اعد أرى أي شيء، حلقات ملونة تتشكل وتكبر ثم تتلاشى امام عيني ، أصوات وأصداء لا اعرف مصدرها، وجوه غريبة وعيون مختلفة، انوف كبيرة، عباءات، يشماغات، ، قهقهات ،صرخات ، ايدي تمتد الي، مسكين يبدو أنه ضاع من أمه !!

يتركن اولادهن وينشغلن بشراء اللباسات الداخلية، عليهن اللعنة بنات الكلب، يخلفّن ولا يعرفن كيف يربين!! قالها الرجل صاحب اكبر انف في الوجوه التي تدور حولي ، لا اعرف ان كانت تلك الوجوه تدور ام هي الارض ،ام انا الدائر، ام ان لا شيء من هذا أو ذاك؟؟!!، انعدم الزمان والمكان، لا اعرف كم مضى من الوقت وأنا هناك، رفعني احدهم ووضعني على كتفيه، ما أسمك يا ولد؟؟
علاوي...
يعني اسمك علي لو علاء لو علوان لو شنو؟؟؟
لا أظن اني اجبت على سؤاله،
أين كنتما انت وامك؟؟ في هذه الجهة، ام تلك ؟؟
الدموع والشهقات جعلتا الرجل ييأس من سماع اي جواب مني..

دخل السوق وراح يصيح باعلى صوته: ( منو ضايعلة ولد؟؟ ) لا أحد يسمع رغم ان صوته علا الاصوات والصخب، منو ضايعلة ولد؟؟؟
كنت ازداد بكاءاً كلما اسمعه ينادي، وكأنه كان ينادي لبيعي!!
منظر السوق بدا لي اكثر رعبا وانا اجلس على كتفيه، الرجل يتدافع ويشق طريقه بصعوبة وسط الجموع، وصلنا الى حلقة من الاجساد البشرية ، امرأة تجلس على الارض، تلطم وتصرخ وسط الناس، التفتوا الى الرجل الذي يحملني، نظروا الي والى المرأة ، صاحوا:ا
وجدوه يا أختنا وجدوه،
انزلني الرجل، هرعت الى امي،
بكت..
بكيت..
بكينا ..
حملت نعلي الاسفنجي الجديد.. وحملت تلك الذكرى المضحكة المبكية الى هذا اليوم.


* ابو دبيلة : اسم كنا نطلقه على الضفادع قبل ان تكتمل ويكون شكلها يشبه الاسماك الصغيرة.
** الرف ، الفورد ، العنجة : أنواع من الباصات المشهورة في ذلك الوقت
*** الصينية : اناء دائري كبير

















 

free web counter