|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  5  / 6 / 2017                                 د. جمال العتابي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

جواد علي ... الدقة في كتابة التاريخ

د. جمال العتابي *
(موقع الناس)

يحفل تاريخنا الفكري بكثير من الشخصيات التي أثرت حياتنا الثقافية بما قدمته من جهود واعمال في ميادين البحث العلمي والتاريخي، لذا يصبح لزاما على الدارسين المحدثين ان ينقبوا في اعماق تربتنا عن هذه الشخصيات التي كان لها دورها المتميز في ضروب النشاط الانساني. يقف المؤرخ جواد علي (1907- 1987م) في مقدمة أعلام الفكر والبحث التاريخي.

وهو واحد من الذين شغلوا مناخنا الثقافي والاكاديمي، بحثا وكتابة وتدريسا. فقد عرفه القارىء والمتابع، مؤرخا، داعيا مخلصا لأفكاره، ومثقفا واعيا، ورائدا اصيلا من رواد كتابة التاريخ.

وهو بحق كما يوصف (خزانة تاريخ ملآنة)، او (دائرة معارف متنقلة)، وحده ينسب اليه الفخر في كتابة اهم سفر في تاريخ العرب قبل الاسلام.جواد علي، من أنبه علمائنا، مؤرخ نافذ البصر، صادق البصيرة، مسّ التاريخ بعصاه السحرية، فاذا هو أداة فكرية، تعالج أهم موضوعاتنا السياسية والاجتماعية، معالجة تطالعها وانت في عجب من هذا الافق الفكري الفسيح.

تعود بي الذاكرة الى اعوام منتصف الستينات، الاعوام التي شهدت تحولات مهمة في الفكر والفن نحو الحداثة والتجديد، كنا مازلنا يافعين ندخل كلية التربية/ جامعة بغداد، وفي المراحل الدراسية الاولى، ليس لنا زاد سوى ماتعلمناه من دروس منهجية تقليدية، في مراحل الدراسة الاعدادية، طلبة من اغلب مدن العراق. لم تتهيأ لأغلبهم فرصة زيارة العاصمة. المواجهة الاولى في قاعة الدرس، يعتلى منصتها شيخ توحى اناقته وهندامه بتميز لافت. ومختلف عن باقي الاساتذة. حتى حينما يبدأ الحديث، فيأخذك بالقدرة على ربط الافكار والاحداث. كأنك ترى التاريخ البشري وقد أنحصر في عدسة مجهرهه.تريك الدقائق كلها بنظرة واحدة، ولئن كانت هناك العديد من الكتب والمراجع، واحيانا يشير اليها بلغة انكليزية راقية، كأنها تلخص في صفحة واحدة.. أقول: كيف يتيح لأستاذ ان يحول مادة تخصصه الاكاديمي، وهي مادة عسيرة القبول. اذ يغوص في اعماق التاريخ القديم، كيف له مثل هذا التحول الذي يستخدمها في ميادين من صميم الحياة وفي أعلى مستوياتها. لقد شهدت تلك السنوات مابعد الحرب العالمية الثانية ميلاد عدد من المؤرخين. وكان لجواد علي قدر في تطوير الكتابة التاريخية وان أقترب بها من روح ذاك العصر.

وكان من مآثره المهمة انهمهد الطريق امام الفعل المؤسساتي لمراكز البحوث والدراسات التاريخية العلمية، التي تثبت الآن اقدامها بأصالة وحيوية، وكان له الفضل الكبير في لفت انظار جيل من تلامذته الى المنجز العلمي الذي تحقق على يد هؤلاء. فقد ظهروا في ظل مؤثرات اجتماعية وسياسية وفكرية متشابهة الى حد بعيد، كما انهم تعلموا في قلب مناخ فكري واحد. تأثر العلامة جواد علي بمنهج المؤرخ الالماني (ليوبولد فون رانكه 1795- 1886م)، لذا يعده الباحثون مؤرخا (رانكويا) إن صحت التسمية، ويعتمد (رانكه) في منهجه التاريخي، الاصرار على دقة الوثائق، والكثير من كتبوا في التاريخ يعدونه ومدرسته مسؤولين عن صرامة مناهج البحث تحقيقا لمقولته (الصرامة في تقديم الحقائق التاريخية هي القانون الاسمى في كتابة التاريخ). لذا يعيب جواد علي على المؤرخين اخذهم بالعموميات بدلا من اعتماد المنهج العلمي، لذا فهو يؤكد دائما على دراسة التاريخ وفق الظروف والحوادث التي وقعت، ويحذر المؤرخين من تدخل العواطف وتحكم المذهبية، واصطباغ التاريخ بصبغة عقائدية، ويقول: على المؤرخ تجنب المذهبية المتزمتة، وعليه نقد الروايات التاريخية نقدا علميا محايدا. ويدين استخدام التاريخ كأداة بيد الدولة، مما حمل الناس على الشك في صحة التاريخ، واعتباره مجرد كذب وتلفيق غير ان بوسع المؤرخ في الوقت الحاضر الكشف عن الواقع بفضل تعدد المصادر والمقارنة والتحليل واتساع فضاءات الحرية والجدل والاجتهاد، ووفقا لهذا المنظور فان جواد لاينتمي الى مدرسة معينة من المدارس التي تفسر التاريخ، ويحذر من النظرة القسرية لتاريخنا. وبفضل هذه النظرة العلمية الثاقبة.

حقق جواد علي شهرته العظيمة بمؤلفاته الرصينة، وابحاثه العلمية القيمة ومنزلته الاكاديمية الرفيعة، وألمعيته المتميزة بين المؤرخين البارزين على الساحتين العربية والعالمية. جواد علي عالم ظل يكتب في حضرة التاريخ، مستجيبا لنداءاته الداخلية، دون أن يغادر منهجه العلمي، كما لو كان يؤدي من خلال ذلك واجب الامتثال لعشقه، الكتابة وهو يحفر في عمق الزمن. مشغولا باستقصاء ابعاده اللامتناهية. انه ضمير مرحلة زمنية مازلنا نستمتع بعطرها. ونستعيد ذكرياتها بكل ماتتمتع به من حيوية وعنفوان.

واستمر على ذلك حتى ثمانينات القرن الماضي، شيخا يحمل سنيه الثمانين، كما يحمل آلامه، وهو يعيش كفاف يومه من راتب تقاعدي شحيح لاينهض بأعباء شيخوخته، التي أقصته عن أولئك القلة من الأصفياء حتى وافاه الاجل عام 1987، فأرتحل الى ارض الصمت خالدا بما كتب وأحيا من تراث وتاريخ واحداث، حياً بما أفاض من علم. رحم الله عالمنا الجليل جواد علي.

من مؤلفاته المنشورة: التاريخ العام، أصنام العرب، تاريخ العرب قبل الاسلام ثمانية مجلدات، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام بعشرة مجلدات، تاريخ الصلاة في الاسلام. منح العديد من الاوسمة، وشارك في مؤتمرات دولية وعربية كثيرة. له من الابحاث والدراسات مالايمكن حصره، كان مع الشيخ محمد رضا الشبيبي، ومحمد بهجت الاثري قد وضعوا بذرة تأسيس المجمع العلمي العراقي سنة 1947، وانتدب سكرتيرا له عام 1984، وتدرج في الالقاب العلمية حتى اصبح استاذا في كلية التربية جامعة بغداد.
 

* كاتب عراقي

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter