|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  8  / 10 / 2019                                 جواد وادي                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الشيوعيون والحراك الجماهيري المشروع
الحزب الشيوعي أسمى من احقادكم وسمومكم

جواد وادي *
(مواقع الناس)

إنها شهادة صادقة ممن عايش محطات مهمة من تاريخ الحزب ووقف على اهم الأحداث منذ أواخر الخمسينات حتى يومنا هذا، وهذه الشهادة لا تحيز فيها ولا تعظيم او مديح غير مبرر وغير مسؤول، إنما هي معايشة بكل تفاصيلها وأوجاعها ومراراتها، عمّت الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي من المنتمين لهذا الفصيل الوطني الصامد والنزيه ليشمل مقربيه وكل من تعاطف مع مسيرته المعمدة بالدماء الطاهرة وعذابات السجون والمعتقلات والملاحقات والقمع الفاشي منذ تأسيسه حتى راهننا المرير.
يعرف أبناء الشعب العراقي بأجياله المتعاقبة ما قدمه الشيوعيون العراقيون من تضحيات جسيمة وحروب إبادة وحملات تصفيات شرسة وغيرها من الاستهدافات التي كانت ضمن أولويات الحكومات الرجعية والعميلة والشوفينية، بدءا من تأسيس الحزب عام 1934 وحتى قبل هذا التاريخ، حين تبنت نخبة مثقفة وواعية من الشباب العراقي المتعلم والمثقف، أن الفكر الشيوعي بما يحمله من أمل للخلاص من ممارسات النظام القمعي المنحاز بالطلق للمستعمر واذنابه، هو بوابة الخلاص لفتح منافذ مشرقة تنحاز للفقراء والمعدمين والمسحوقين من ضحايا سدنة الاستغلال الطبقي المقيت بكل صلافته وعدوانيته وشراسته وعدم اعترافه بحقوق السواد الأعظم من المحرومين العراقيين، وفي مقدمتهم أبناء الطبقة العراقية المستلبة الحقوق والحريات والكرامة الانسانية، الى جانب شريحة الفلاحين الذين كانوا يساقون كالعبيد في وطنهم والاستيلاء على ارضهم وعرقهم اليومي.
كل هذه الشرائح المجتمعية المهمشة، وجدت في الحزب الشيوعي وفكره الطبقي، بارقة الأمل في كسر قيود العبودية والاستغلال وإعادة ثروات العراق لمستحقيها من المسحوقين والفقراء، وذلك ببروز قيادة من طراز خاص لم يألف انحيازها وعنادها واستعدادها للتضحيات، الفاسدون وعملاء الأجنبي وكل من يدور في فلكهم. من هنا جاءت حملات الإبادة والحروب الشعواء والظالمة من لدن ساسة البلد الخونة ممن استحوذوا على خيرات البلاد وافقار العباد بشكل لا توصيف له، فتقاطرت فئات الشعب المقهور للانضمام لهذا الفصيل الوطني حقا والنزيه بأيادٍ بيضاء والمتحدين للقوى القمعية بكل وسائلها الشرسة على امتداد تاريخهم المعمّد بالتضحيات، حد استعداد مناضلي هذا الحزب ومن يسانده ويتعاطف معه، بأنهم لا يهابون الممارسات القمعية وما يخبئ لهم الجلادون الذين أذهلهم صمودهم وعنادهم الذي لا غبار عليه ولا يتنكر له إلا الجبناء والحاقدون والانتهازيون، حيث لا يختلف اثنان من العراقيين على وطنية الحزب الشيوعي وتمسكه وتفانيه وتضحياته الجسام من اجل الدفاع عن المحرومين والجياع والمسحوقين، ولا على نزاهته، لا بالشعارات والاستهلاك الأجوف، بل بالتضحيات وتقديم القرابين التي لا تعد ولا تحصى من اجل المبادئ الخيّرة والقيم النبيلة، تحقيقا للشعار الخالد "وطن حر وشعب سعيد". هذا الشعار الذي كان وما زال ايقونة النضال الحقيقي لهذا الحزب الشامخ ومناضليه الميامين، لنوضح للأجيال الراهنة ونذكّر من سبقوهم وعاصروا الأحداث المريرة والفواجع الكارثية وحروب الإبادة التي شنها الطغاة والقوى الفاشية ضد هذا الحزب المكافح والعصي على الانكسار والهزيمة، ومناضليه الأفذاذ الذين انتهوا تحت التعذيب البربري ومقاصل الاعدامات وهم الشامخون دائما وابدا، وما تهاونوا أو ساوموا او لانت عزيمتهم، ليسطّروا أروع ملاحم الفداء والتضحيات البطولية الجسيمة، بأن هذا الحزب رديف للعراق ووجوده الحر والمستقل.
لنقارن تاريخ هذا الحزب المعمّد بالدماء الزكية وبقية الأحزاب العراقية الأخرى بكل مشاربها واتجاهاتها بتبايناتها المختلفة، سيما تلك التي تتبنى أفكارا تبتعد كثيرا عن نظرية الحزب الشيوعي الثورية دائما والعصية على فهم شذاذ الآفاق والطارئين وانصاف الجهلة، ليأتي اليوم كل من هب ودب من الرعاع وانصاف البشر ليدلوا بدلوهم الصدئ وينالوا من سمعة الحزب بطرقة فجة ووقحة وغبية وبأهداف نفعية خبيثة ومدفوعة الثمن.
لا يمر يوم الا ونسمع الأصوات البهيمية الحاقدة والبغيضة وهي تسئ لسمعة الحزب ومحاولة تشويه تاريخه ومواقفه الوطنية المشهودة، هؤلاء صغار الساسة والطارئين على الفعل السياسي الحقيقي والمعبأين بأفكار ظلامية متخلفة ومسمومة، ليطلقوا شتى النعوت والسباب والاهانات بحق حزب لا يستحق الا التكريم والاحترام والاعتراف الموضوعي بتضحياته الجسيمة ووطنيته التي لا غبار عليها. محاولين خبثا الانتقاص مما قدمه الحزب من دماء على مذبح الحرية والكرامة.
أؤكد ثانية بان شهادتي هذه تأتي من خلال انتمائي لهذا الفصيل الوطني الميمون، منذ نعومة اظفاري، حين كنت اتلمس بالكاد ابجدية السياسة بتكويناتها الأولى، حيث تربيت وترعرعت في كنف عائلة مسحوقة ووضعها دون خط الفقر، من سكنة صرائف العاصمة، سكنة خلف السدة من الفقراء ممن انحدروا من جنوب العراق بداية الخمسينات وانا ما زلت رضيعا، وفتحت عيني على احداث واهوال وحياة لا تتوفر فيها أدنى شروط العيش الآدمي، بيوت طينية تتطاير سقوفها ما ان تهب عاصفة ممطرة أو هبة ريح قوية، فنعاني نحن الصغار من هلع شديد وسط صراخ امهاتنا، في حين يكون آباؤنا منشغلين بإعادة سقوف الغرف الطينية وسط هطول الامطار الغزيرة وتحت رحمة غضب الطبيعة. وعطفا على هذا الوضع الموجع، ما زال العراقيون يعانون من ذات الفواجع والحرمان بعد مرور ما يناهز السبعة عقود على ما نستشهد به الآن، فأية كارثة لصيقة بك أيها العراقي الذبيح، واي قدر لعين ما فتئ يلاحقك وأنت الأغنى ثروة والأشد جوعا وفقرا وعوزا وحرمانا في أرجاء المعمورة؟
لا نريد ان نسترسل أكثر في هذه الفواجع التي يقينا تكون حاضرا دائما في عقولنا الفتية المشبعة بشتى أنواع القهر والحرمان، ولعل من كان يجايلنا يتذكر تلك الأهوال المرعبة.
إزاء كل تلك التفاصيل المريرة والفواجع المستوطنة تحت جلودنا، فلا تعليم ولا صحة ولا خدمات ولا سعي من السلطات حينذاك بإنقاذ تلك الشرائح المسحوقة والتي تعيش وضعا ما يماثل وضع الأموات، حتى ان من حجم الابتلاء الذي كنا نعيشه، يتداول الناس حكاية مضحة مبكية، تلك أن ضيفا اجنيا ساميا كان يقوم بزيارة للعراق وكان يتجول فوق السادة التي تفصل بغداد عن تلك الصرائف و"المساكن" الطينية، ومن كثرة اعداد ما يرى من صرائف لا عد لها سأل مضيفه العراقي، ما هذا؟ فأجابه المسؤول العراقي، بانها مقابر احياء. الى هذا الحد من التهميش كنا نعيشه ونعاني منه، علما أن كل شغيلة بغداد ومستخدميها وعمال نظافتها وحراسها الليليين ومنتسبي شرطتها بمراتبهم الدنيا والجنود المتطوعين والكسبة وأصحاب المهن البسيطة، وغيرهم من المسحوقين ينتمون لتك الصرائف ويقطنون فيها، والكارثة الأعظم أن مجرى "شطيط" الذي يفصل الصرائف الى جانبين، والذي كان مكبا لكل نفايات بغداد ومجاريها العادمة تغطي رائحته الكريهة مناطق "سكن" المحرومين.
في تلك الظروف تربينا وبالكاد دخلنا المدارس عبر السدة قرب القصر الأبيض وعايشنا احداثا مهولة، ابتداء من ثورة تموز الخالدة حتى انتقالنا الى صرائف المجزرة "الميزرة" وانتهاء بالسكن بمدينة الثورة من إنجازات الشهيد الخالد الزعيم المحبوب عبد الكريم قاسم.
كل هذه المحطات بفواجعها وعذاباتها ونحن في وشيجة لا تنفصم او تتراخى يوما مع الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يعيش بين ظهرانينا ونعيش في كنفه، رغم ما لحق به من ممارسات وبطش وتقتيل واعدامات من قبل كل من يجد في هذا الحزب الطليعي، مصدر خوف وقائد حقيقي للتغيير وازاحة الشوفينيين والقتلة وناهبي خيرات البلاد وواضعي العراق تحت رحمة القوى الأجنبية والاستعمار الحديث.
لهذا فلا شك ان يترصده وتنال من مناضليه قوى الشر والفساد والخراب والظلامية ومنافقي الإسلام السياسي، لأن الطغاة يعتبرونها معركة وجود.
لتظهر علينا بين الفينة والأخرى وجوه كالحة وقميئة، معروفة بقذاراتها وفسادها وضحكها على الذقون، لتطلق شتى النعوت والتوصيفات الرثة على هذا الحزب الطليعي والقوى المدنية التي تنشد الخلاص للخروج من نظام طائفي محاصصي فاسد، ما ترك شيئا في العراق إلا ونهبه واستولى على مقدراته.
أخيرا ما برحنا نطّلع مرة إثر أخرى ما يكتبه بعض الموتورين في وسائل التواصل الاجتماعي من ان الحزب قد تحول الى فصيل يحابي ويقترب من أحزاب السلطة التي سببت كل هذا البلاء للبلاد، فنقول لهم أن الحزب الشيوعي ما تهادن ولا ساوم ولا خضع لمغريات بقية الأحزاب المؤشر عليها بالفساد والمحاصصة والدونية، بل كان لزاما عليه ألا يترك العملية السياسية في مهب أحزاب الخراب، ليشكل صوتا وحضورا وتصديا وليبقى راصدا لئلا تؤول الأحداث الى مستنقع لا خروج منه، رغم أنها وصلت أحيانا الى هذا المنحدر الخطير.
لقد تعرض الحزب الشيوعي الى مسخ حقيقي عبر عقود الملاحقات والتصفيات، حتى ضعفت قدرته وخارت قواه تحت الضربات الموجعة، ولكنه لم ينتهي ولم يفلح الحاقدون بالقضاء عليه وهذا الهدف كان هو الرئيس لعدم سماع وجود حزب شيوعي في العراق، وهذا ما سعى اليه البعثيون الفاشست عبر تاريخهم الدموي الإجرامي، ولكن هيهات وأمانيهم الخسيسة، لأن الحزب الشيوعي متجذر في الأرض العراقية ومجبول بالتراب والدم والمياه العراقية ليصبح هو التشكيلة التي يرتكز عليها العراق حين تستهدفه قوى الظلام والشر.
ورغم اننا لا نتفق مع بعض ما يقوم به الحزب لا سابقا ولا راهنا، لكنه يبقى حزب الناس والمخلصين والعاشقين للحرية، لا حزب اشخاص أو من تسول له نفسه تفريغه من مبادئه المتجذرة في الأرض العراقية، والشيوعي لا يموت إلا واقفا، كما نخيل العراق الخالد.
أخيرا نقول للمتخرصين والناعقين والحاقدين، بأن يكفّوا عن تلويث سمعة الحزب بألسنتهم الرثة وعقولهم الغبية، لأن الحزب أسمى واصلب وأقوى شموخا وارادة من كل اسالبهم القذرة.
مجدا لشهداء الحزب ومناضليه الميامين
وليبق الحزب الشيوعي العراقي شوكة في عيون الخانعين والتافهين
لأنه كما قال الرفيق الخالد المؤسس يوسف سلمان يوسف، "فهد" وهو على حبل المشنقة وحبال الحقد وبُغض الطغاة تطوق عنقه الطاهر هو ورفاقه الخالدين.
"إن الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من اعواد المشانق"
ليأتي اليوم الصغار والتافهين وأنصاف البشر ليلطعوا بألسنتهم النتنة الحاقدة كما الأفاعي السامة سمعة ها الحزب المكابر والعصي على الهزيمة.

 


* شاعر وكاتب ومترجم عراقي
مقيم في المغرب










 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter