جاسم المطير
الأحد 28/3/ 2010
مسامير جاسم المطير 1719
البحث عن فائض القيمة في الانتخابات العراقية ..!
جاسم المطير
هل يسير التطور الديمقراطي العراقي في اتجاهه الصحيح ..؟ هذا سؤال مشروع أقدمه للقراء وليس لقادة الحكومة ، لأنني اعتقد جازما أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق لنا ، حتى اليوم ، حكومة عراقية تعتمد على هيئة عليا للإجابة على أسئلة المواطنين .
لقد ظل الرؤساء الثلاثة أياد علاوي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي ــ بعد سقوط صدام حسين ــ يجيبون خلال حقب حكمهم على أسئلة (الصحفيين) المعلنة في (المؤتمرات الصحفية) وليس على (أسئلة المواطنين) التي تولد وتنمو وتبقى في قلوبهم حين لا تحمل مبادرات الرؤساء الفردية الإجابة عليها .
كما انه لا يوجد في عراقنا أية اختصاصات ولا وسائل ولا مسئوليات لحوار المسئولين مع المواطنين ، كما هو الحال في السويد والدانمرك وهولندا وغيرها من البلدان ، التي يحبها الله ويرعاها حيث الصلاحيات محددة لكل (بلدية) ولكل (وزير) ولكل (قرية) ، كما أن هناك (عمدة) و(مرجعية حكومية) على صعيد توزيع الصلاحيات على الأقاليم والقرى وعلى الناس من صغار الموظفين والعمال أيضا . انه اختيار المواطنين وإرادتهم بعد كل انتخابات برلمانية أو انتخابات أعضاء مجالس بلدية .
قبل كل تجربة ديمقراطية في المملكة السويدية نجد سيناريو عملي جديد لتطوير التطبيقات الديمقراطية متوفر لدى كل جهة سياسية وتنفيذية . وقبل كل تجربة شاملة في عمل المؤسسات الهولندية نجد دراسة دقيقة واختبارا لتحديد شروط تطوير مبادئ اللامركزية في العمل الإداري لتطبيقها بكل شجاعة وحزم . كذلك نجد بين هذه التجربة الأوربية و تلك كل مظاهر التعددية الزاهرة في المنظمات الديمقراطية متوجهة نحو سلـّم الازدهار الأكبر في عمل الأحزاب السياسية ، اليسارية منها واليمينية ، حيث الانضواء صادقا وشاملا وأكيدا تحت ظل الديمقراطية رغم اختلاف النسب في تلك الصدقية .
في بلدنا الفقير لله وللديمقراطية حيث من الصعب على المواطنين أن يتحسسوا وجود التعددية بجوهرها الديمقراطي فعندما كنا نتابع إعلام الشاشات الفضائية خلال فترة الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم 7 – 3 – 2010 لم نجد في قناة الرشيد الفضائية العراقية مثلا من أمثلة السعي الجاد للحفاظ على تنوع (المنافسة الوطنية النبيلة) بين الأحزاب والقوائم الانتخابية .
كما لم تكن برامج قناة الشرقية الفضائية العراقية مثلا من أمثلة استقلالية النشرات الإخبارية الدورية إذ لم اسمع منها طريقا إخباريا كفيلا باحترام الاستقلالية . العمل السياسي في هذه القناة ما زال معقدا ومنحازا ومبتعدا عن وظائف نهضتنا السياسية المرتقبة .
لم أجد مظاهر الاستقلال والتنافس بحثا عن جودة الخبر الانتخابي المستقل في قناة البغدادية الفضائية التي غالبا ما يقع محرروها بالفهم السلبي للأمور الجارية في العراق فيقعون في حالات الجفاف عند بعض المعالجات .
جميع هذه القنوات وغيرها أيضا كانت تتحرك في ظل الأنانية والانعزال والتلقين المذهبي غير المباشر بدلا من التصدي لكل نوع من عوامل الفرقة والتفرقة ، التي غدت لا تطاق .
طبعا لا عتب لي على جميع سيناريوهات الانحياز واللا استقلالية في وسائل الإعلام السمعية – البصرية من النوع الديني (نموذجها قناة الفرات ) التي كانت قد ابتعدت عن (وطنية المنافسة) إلى (طائفية المنافسة) بصورة لم تعتمد فيها على النقاش السياسي بل اعتمادا على المبالغة في استخدام (العنف الفكري) ضد (الآخر) لتحقيق هدف الفوز في الانتخابات حتى ولو أن أساليبها الإعلامية قد تضعف الديمقراطية الوليدة ولا تعززها .
أصارح القراء القول : تمنيت " تثقيف " الفضائيات العراقية جميعها وتلقينها دروسا وطنية أولية مثلما جرى " تثقيف " جميع مؤسسات الخدمات الكهربائية في جزر المارتينيك عام 1945 حين ساد الظلام البلاد كلها عندما كان مزاج القطاع الكهربائي (الخاص) يقبض على تلابيب الكهرباء من دون اعتبار للمصلحة الوطنية العليا .
حتى بعد انتهاء الانتخابات العراقية راحت غالبية الشاشات الفضائية تقدم للمشاهدين مقابلات تلفزيونية مع (وجوه سياسية) لا تملك إلا تجربة ذاتية سياسية ضعيفة ، لمناقشة ظروف ميلاد الحكومة العراقية الجديدة حتى غدت الأفكار السياسية السطحية والمرتبكة تتحكم بالمشاهدين من الناس البسطاء وبالرأي العام العراقي كله وتشوش عليه في ذات الوقت .
هكذا سوف تشهد الحقبة الانتخابية لما بعد 7 آذار صراعات أنانية تقدم للجماهير العراقية خلال الشهور الثلاثة الآتية إرهاصات عملاقة بشأن مساعي تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب رئيس جديد لجمهورية العراق حيث تتقدم مشروعات وتتراجع أخرى بصورة غير مألوفة في مناهج الديمقراطية الحقيقية ، التي خلقتها التجارب الأوربية خلال المائتين من الأعوام الماضية رغم أنني لا اشعر بأي تشاؤم مستقبلي ، بل يحفزني التفاؤل بأن البيئة الديمقراطية سوف لا تبقى ملوثة لكنها تتعثر وقد تتخلف كلما استمر التلوث والفساد لزمان أطول .
يمكنني القول ، أيضا، أن البيئة الديمقراطية العراقية تنطلق إلى أمام حتما إذا ما تخلت الفضائيات العراقيات ــ المدعيات بالحياد والاستقلالية ــ عن نهج التباين الفاضح في المواقف المستقلة وإذا ما اعتبرت المصداقية الإخبارية ليست وسيلة لمعالجة أرق المشاهدين وكوابيسهم ، حسب ، بل لزيادة اهتمامهم ورفع مستوى ثقافتهم وتنمية كل مصدر من مصادر الديمقراطية القابلة للتجديد ..
بصرة لاهاي في 14 – 3 – 2010