| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الثلاثاء 25/2/ 2008

 

بين عام 47 والذكرى 74 أفعال كثيرة تثير الدهشة ..!

جاسم المطير

تلح عليّ الكثير من الأفكار في أواخر شهر آذار من كل عام حين تقترب مطالعة الذكرى السنوية لميلاد الحزب الشيوعي العراقي ، حزب العمل والأمل .

يظل السؤال مهيبا أمامي بنوع من البراءة الموضوعية : ماذا اكتب عن نضال نخبة موهوبة مصنوعة من صلب الناس لتخدم جميع الناس ضمن الثقة المتبادلة طوال 74 عاما .؟

العيد الشيوعي في العراق ليس مختفيا ، ولم يعد سريا ، ولا يحتاج لمشاهدة طلوع هلال ٍ ما لتحديد يوم عيده ، فهو معروف عند العراقيين وغير العراقيين . لعب لعبته الأولى مع الحياة يوم 31 – 3 – 1934 وكان حبه للشعب قد سجل في هذا التاريخ كما غــذاه الشعب الكادح بشكايته عن معاناته ، وعن أهدافه ، وعن شغفه بالحرية ، وعن تطلعاته نحو ماض ٍ وحاضر ٍ ومستقبل ٍ محمول ٍ بقارب ٍ لا ينفصل أبدا عن بحيرة ٍ اسمها وطن حر وشعب سعيد .

حلقت ُ لحظات حول هذه الذكرى فقادتني أحاسيسي نحو أيام الماضي المتموج بمسافة مقطوعة إلى وراء لأرى نفسي في ساحة من ساحات مدينة المعقل الجميلة في البصرة ، وهي مدينة عمال الميناء والسكك والنفط ، مدينة كانت وما زالت تعيش فرحا راديكاليا ، فيها يقظة نضالية أبدية وفيها مصادفات ذكية وفيها حماسة دائبة وفيها أضواء نادرة تقول باسم الشيوعيين العراقيين : أنا الفرقة الشجاعة المتجمعة في نضال الحاضر والمستقبل .

كان يوم أربعاء من أيام عام 1947 .

صباح مزدحم بفرق الشجاعة من عمال ميناء المعقل . ومن داخل هذه الفرق انبثق سؤال راق لعيون العمال ولأسماعهم : ماذا علينا أن نفعل ..؟

كان صاحب السؤال هو إبراهيم منصور ، عامل في مديرية ميناء البصرة . عمره في الخامسة والعشرين لكن عقله راجح في الثلاثين وربما أكثر . اتشح ببدلة عمل زرقاء وقد ألقى هذا السؤال على زميليه حسن جبار وناصر عبود الراغبين بالجواب الشجاع . الأول شاب مستطيل الوجه له عينان صغيرتان نفاذتان وهو شديد السمرة يتحرك بنشاط بين صفوف العمال ناشرا الحب المنير لقضيتهم . أما الثاني ناصر عبود فهو شاب نحيف يتمتع بقدر عال من الصحة والحركة والنشاط ، طويل القامة يتحرك بثقة مع العمال والكادحين في أرصفة الموانئ وبحذر من البوليس المتحفز مثلما يتحرك بنفس الثقة وبنفس الحذر بين أكواخ الكادحين حتى آخر كل ليلة في منطقة الجبيلة .

تنهد حسن جبار . كانت نظراته تتأرجح يمنة ويسرة وهو يقول : علينا أن نعلن الإضراب فورا .

كان مفروضا على ناصر عبود أن يظهر حالة الشجاعة الأوسع بين العمال فراح متحركا بين الصفوات المتراصة هنا وهناك من ساحة بناية المديرية العامة للموانئ حتى آخر المسافة داخل الأرصفة على شط العرب كأنه يعزف على طبل أفريقي :

أيها العمال الأبطال .. أيها الشجعان .. أيها الفرسان أعلنوا الإضراب العام فنحن العمال قوة عظمى إذا اتحدنا ونحن ضجة كبرى إذا نادينا ..

انطلقت أصوات عديدة أخرى من رفاق و أصحاب ناصر عبود و حسن جبار وهم جميعا يحملون الابتسامة المندهشة المنقولة من فصول مكتوبة وموزعة على فقراء البصرة مثلما موزعة على العراقيين كافة في 31 – 3 – 1934

ثم كان لهذه الأصوات في تلك اللحظات الساخنة من يوم 21 – 5 – 1947 صدى واسعا حتى في أحزاب أخرى فقد انطلق صوت قوي من خارج المسفن يدعو العمال إلى تلبية نداء ناصر عبود وحسن جبار . كان الصوت ذاك قد انطلق من حنجرة حميد علي عضو فرع حزب الاستقلال في البصرة وهو نفسه الذي كان قبل يوم قد نشر مقالا في جريدة الناس البصرية يدافع فيها عن حقوق العمال ويطالب رئيس التحرير عبد القادر السياب بالوقوف إلى جانبهم والتدخل لدى السلطات المسئولة لإجابة مطالبهم .

لم تلبث الحركة الاعتيادية للعمال في مسفن الميناء البحري أن تحولت إلى استجابة قوية لاحتمال متاعب الإضراب

ركب العمال في قسم الهندسة هول الإضراب أيضاً .

صدرت من جميع عمال الأرصفة ( المصاليخ ) صرخة الكرامة .

امتد الإضراب إلى المسفن في العشار .

ومضى الإضراب ليس على مهل ٍ إلى الفاو حين أعلن عمال اللاسلكي والحفارات إضرابهم أيضا .

من كل الصدور العمالية صدر العهد بالاتحاد حتى النصر وصدر القسَم ُ الموحد من الجميع على المشاركة في الإضراب عن العمل والاستمرار فيه حتى يجبر المدير العام للموانئ المستر ( ج . مور ) على التراجع عن موقفه المتشدد الذي رفض فيه في العشرين من أيار جميع مطالب العمال أي قبل يوم واحد من إعلان الإضراب .

كان الصوت الشيوعي في المعقل بداية حياة جديدة ، وممارسة أساليب نضالية جديدة وتحديد أهداف جديدة في علم اليقين النضالي القادر على كشف هناءة الحركة العمالية وقوتها في تشييد الفضيلة النموذجية الصلبة في الكفاح الوطني كله للشعب العراقي كله . لقد تعود العمال من قبل حياة الجوع والقهر بدون أن يكون لهم قلب موحد ، لكن صوت الشكوى من قلب ناصر عبود وصوت الكفاح العنيد من قلب حسن جبار اوجدا لعمال الموانئ مذاق الوحدة الاضرابية ومذاق تنهيدة الإرادة الصلبة من قلب ٍ عمالي ٍ موحد ٍ ، هو قلب يحمل نفسه تحت ذراع قوي : يا عمال العالم اتحدوا ويا عمال العراق اتحدوا وانهضوا .

انتهى اليوم الأول باتجاهات مغرقة في التفاؤل داخل صفوف العمال . بات الإضراب إلى اليوم التالي من دون أن يتدحرج أي قرار ايجابي لا من سلطة المدير الانكليزي ولا من حكومة بغداد فبدا كبرياء التجمع العمالي أمام البناية الرئيسية للميناء وتصاعدت منذ صباح اليوم الثاني أصوات النفوس الموحدة مطالبة بالاستجابة للمطالب العادلة لكن أذنا صاغية لم تكن قد حلت بعد في أوساط السلطة الحكومية بالبصرة . العكس هو الذي صار فقد أحاطت الشرطة المسلحة بجميع الطرقات المؤدية إلى البوابة الرئيسية للمسفن البحري والى مبنى المديرية العامة .

هذا الموقف البوليسي أثار قوى العمال المتوجة بالوحدة الصلدة وتعلق الجميع بالصوت الأعلى الذي هتف به ناصر عبود : أيها الانكليز غادروا بلادنا .. أيها العمال الأبطال واصلوا الإضراب حتى النصر الأكيد .

خيل إلى قادة الإضراب أن المتاعب آتية دون ريب وان المضربين سيواجهون آلاما رسمها المدير الانكليزي والبوليس العراقي .

لكن التجمع ظل يكبر وكانت جماهير الشعب قد تحركت لنصرة العمال وهي آتية من مختلف مناطق المعقل والعشار والجبيلة والزبير ، نساء ورجالا ، وفي مقدمتهم طلبة المدارس المتوسطة والثانوية . كلهم يتحركون في زحف عارم متصل من ساحة أم البروم إلى مكان التجمع العمالي في ميناء المعقل .

خلال تلك المسيرات اصطبغت علاقات الجماهير مع العمال المضربين بألوان موسومة بالعزم والثقة والإيمان والأمان والاطمئنان .

في اليوم الثالث ظل التفوق ينمو في قلوب العمال والجماهير وفي قلب الحزب الشيوعي أيضا وفي ظلال هذا التفوق العمالي صعد الشاب إبراهيم منصور إلى أعلى سياج المديرية العامة مواجها المسفن والعمال المحتشدين ليتحدث عن مباهج الإضراب ووحدة العمال مبشرا بنجاحاتهم المؤكدة وهو يقول :

أيها العمال لقد جاء النصر فقد أبدت الحكومة استعدادها لسماع شكاوانا فأرسلنا برقيات إلى رئيس الوزراء والى وزيري المواصلات والشئون الاجتماعية كما ناشدنا جميع الصحف البغدادية ان ينظموا إلينا والى حيوية مطالبنا العادلة ..

تطلع إبراهيم منصور إلى جميع الأنحاء المكتظة بالعمال ليقول لهم : لقد ذهب وفدنا توا إلى متصرفية اللواء للمفاوضة . نحن نستنكر الإرهاب البوليسي ونستنكر كل شكل من أشكال الإرهاب والتهديد من إدارة الموانئ أيضا ً.

ثم ختم خطابه الحماسي بالقول : سنظل على موقفنا صامدين حتى الاستجابة الفورية لمطالبنا .

إلى جانب إبراهيم منصور كان يقف شاب ليس من العمال ولم يلاحظه احد بأن في أعماقه تتحرك فكرة عظيمة ، فكرة مثالية في وضعها موضع التطبيق من خلال فهم حماسي بمزج صوت القصيدة الشعرية بأصوات العمال المطلبية .

تحرك هذا الشاب الذي بدا وجهه مغلفا بملامح كئيبة .

وبدا لقادة العمال المضربين أن لديه استعدادا مقدسا لقول كلمة حق فأشار إلى إبراهيم منصور إشارة واضحة أن بإمكانه أن يمد الجمع العمالي بطاقة إضافية أي بنوع جديد من الحماس . وفي لفتة من إبراهيم منصور إلى بعض زملائه من قادة الإضراب تلقى إشارة قبول بافتراض أن الشاعر بدر شاكر السياب سيمد المحيط البشري العمالي بالكلمات الشعرية الثورية .

صعد بدر شاكر السياب إلى المكان الذي كان يقف فيه إبراهيم منصور ، وفي حرارة وحيوية ووعي انطلق لهب القصيدة :

سل الميناء لو سمع الخطــابا          فروّى غلة الصادي جوابا

وأبطال ( النقابة ) كيف باتوا          يذوقون المذلة والعذابا

أذنبٌ أن يقالَ لنا حقوق                أبى أصحابهن لها اغتصابا ؟

وعدل ان تجرع كل حر               يد المستعمرين قذى ً وصابا

حل لأبن ( لندن ) في حمانا           دمُ ابن الرافدين فلا عتابا

وجور أن نمد يدا إليه                  وحق أن يمد لنا حرابا ..!

جموع الكادحين وجمعتنا             مصائب لست ادركها حسابا

وحقد إن ذممت ُ سواهُ حقدا         فلا ألقاه إلا مستطابا

على المستعمرين يصب نارا        وأبناء الثراء لظى مذابا

ورثناه الابوة وهو باق                سنورثه البنين منى عذابا

ودنيا لا يغيب العدل عنها           اذا هو عن سواها كان غابا

بربك حدثيني أي جان               تصيد منك ابناء نجابا

وامسى منك دزن حمى امين        تحد جنوده ظفرا ونابا

اطل على النقابة منه طرف        مغيظ كاد يلتهب التهابا

وازجى مثقلين بنافثات           لهيب النار يحملن الحرابا

يذيقون المهانة كل حر         دعاه هوى النقابة فاستجابا

وما غير المطارق من سلاح     وقد كرمت الى الحق انتسابا

لكِ الفخر المخلد من جيوش       على الجمع القليل تجوز ُ بابا

وصانك من عدوك ( مستشار )      وحسبك إن غدوتِ له ذنابى

رضاه بأن تريعي كل دار ٍ        تضم الكادحين وقد أصابا

فما كالكادحين له ُ عدو ٌ          إذا ارتضاه مرتزق وحابى

أبا الأغلال يخنق صوت شعب      تهزأ بالحمام .. لقد تغابى

دع الافاق تزخر بالضحايا      وسمع الريح يمتلئ انتحابا

وغذ بنا السجون ومن دمانا        فرو البيد أو فأسقِ السرابا

فما غير الجلاء لك انتهاء ٌ       فإن الشعب قد هتك الحجابا

وألوى بالطغاة فما توانى        وبالمستعمرين فما أنابا

جموع الكادحين وجلّ عارا      رضانا بالهوان وخس ّ عابا

دعاك الى النضال شقاء ُ شعب ٍ    تحمل من مذلته الصعابا

خذي بالثأر خصمك ِ لا تليني        وجدّي غير قاصرة طلابا

وسار لك ِ الغد الزاهي فسيري       وزيدي من محيّاه اقترابا

وأصمي ـ في جوانح كل طاغ      ـ فؤادا كان للشر استجابا

يكاد الظامئون من الضحايا      يصيحون : اجعلي دمه شرابا

تطل عليك احداق العذارى           من الاكفان حانقة غضابا

دم الاعراض عاد بها اصفرارا وعاد على يد الجاني خضابا

واجسام الطغاة حجبن عنا       ضياء لا نريد له احتجابا

سننصب الاشعة من خروق ٍ     رضاض الشعب زاد بها انصبابا

لك الغد والحياة وللأعادي         معاول تحفرين بها الترابا

فصيحي ( بالحليف ) إليك عنا             فلا حلفا نريد ولا انتدابا

******

انتهت تلاوة القصيدة التي طوّفها الشاعر بدر شاكر السياب وقد طوّف بذات الوقت أول ضمانة قدرية في العلاقة الميدانية بين حماسة الشاعر وعظمة العمال المضربين ، موجدا علاقة عضوية متينة بين وسيلة المثقف العراقي وبين آمال الشيوعيين وحزبهم . أي أن الحي من الأفكار لا يأخذه إلا الحي من الأشعار .

التصفيق الحار الذي ناله السياب جعل له بداية التاريخ الظاهر في هذا الحدث الهام لعمال ميناء البصرة كما كشف أمام ناظريه ضرورة الشاعر في حمل النموذج المعلوم من الهوية السياسية والانتماء إلى المعرفة اللصيقة بالشعب وبكرامته وبحريته .

انتصر عمال الميناء في حل بعض مشاكلهم المتعلقة بزيادة الأجور وتنظيم الإجازات وتحديد ساعات العمل وتحقيق الضمان الاجتماعي وتهيئة وسائط النقل وتوفير العلاج الطبي وغيرها .

انتصر ناصر عبود وحسن جبار وإبراهيم منصور .

وسرّ الحزب الشيوعي العراقي لهذا الانتصار أيما سرور .

*****************

بصرة لاهاي في 25 – 3 – 2008





 


 

Counters

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس