| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 20 / 8 / 2020 جاسم المطير كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
زفزفات الفانتازيا و ألوان زخارفها في اشعار مظفر النواب..
(26)جاسم المطير
(موقع الناس)الوقت التاريخي ، صعبٌ، ليس متجانساً امام الشاعر الشعبي كاظم غيلان و أصحابه
في الفنون المسرحية و السينمائية و الغنائية ، يلعب الشعراء الطليعيون دوراً هاماً في ممارسة كل نوعٍ من انواع الشعر و تجديده، ليستطيع اللحاق بمستوى التطور في الفنون الثلاثة في العراق.
لم يتحرك مذهب السوق الحرة لتجديد الشعر الشعبي،
لم تنزل نظرية التجديد من سماء العراق إلى ارضه و إلى اهواره،
انما كان المستقرّ لها من فعلِ شاعرٍ فعّال.
هذا الشاعر كان ضغطه واسعاً و خطيراً. عوّل في تجديد الشعر الشعبي على قصيدةٍ واحدةٍ ارتفعتْ بسماءِ العراقِ مثل كوكبٍ احمرٍ يُرى منْ كل مكانٍ، بعيدٍ او قريب .
كان مظفر النواب يصيح :
استيقظي..
استيقظي ايتها القصيدة الشعبية.
كان ينادي:
انهضي يا رياح واحملي شدو الندى المتلألئ على وجه (حمد) وعلى فاركَون (الريل) .
نهضت الرياح .. نهضت القصيدة و نال الشاعر شهرة المجد الواسعة ، بسرعة مذهلة و بقصيدة واحدة ، لا غير .
نال الشاعر (الشهرة) عراقياً و عربياً و عالمياً.. حين انخرط لتطوير خبرته الموضعية و غير الموضعية، كي يحدث تغييراً بسياق الشعر الشعبي ،كله. تحاجج مع اللغة ، مع اللهجة ، حتى صاغ قصيدة الريل بترابط شعري – شعبي حاسم اوجد فيها نظائر ثقافية مقبولة جماهيرياً ، بالرغم من تحديها الصارخ للنظرية اللغوية المتطرفة، كان الداعي اليها القومي المعروف ساطع الحصري .
لم يتحرك هذا المؤشر بشكل طبيعي لأن جوهر الفنون ، كان بحالةِ جمودِ مغلقٍ بطريقِ الاختزالِ و التيهِ و الغموضِ، منفصلاً، الواحد عن الآخر ، في جميع عقود السنوات السابقة ، لتجديد الشعر الشعبي بالعقل المظفري، المنطلق في قصيدة الريل و حمد كقمرٍ صناعيٍ يدور في افلاك الوطن و شعرائه .
لم تكن العلاقات المتبادلة بين هذه الفنون متينةً أو متبادلةً في ما بينها ، بسبب ارتباك الأوضاع السياسية العراقية، بعد جريمة انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ وبسبب انعدام التقابل التعاوني بين هذه الفنون و تعارضها لأن منطق المدراء المسؤولين عنها ، في جهاز الدولة العراقية ، لم يكن جمالياً و ان الأفعال المتصلة بينها لم تكن متكاملةً. لم تستند معالجة نواقصها على أسس تكنولوجية غير منفصلة عن الواقعية السياسية و لا عن تركيباتها الديناميكية .
اول رؤية حقيقية ذات حوافز الى قصيدة الريل كانت من ضمنها رؤية الشاعر كاظم غيلان و أصحابه. كلهم شبان منبهرون بالمعرفة الثقافية الواسعة . زوقته محاولات العديد من أصحابه المتكلمين بلغة الشعر الشعبي و بنيته الحديثة و النجاح المذهل لعددٍ غيرِ قليلٍ من تجاربِ شعراء شعبيين . صار النقاش واسعاً ،متاحاً و متلاصقاً مع تجارب تأليف قصائد شعرية ناجحة تحولت بسرعة الى أغاني شعبية ناجحة مثل اغنية (يا خبر) للفنان الهاوي (فاضل عواد) و اغنية يا طيور الطايرة للفنانين اليساريين الثلاثة زهير الدجيلي + كوكب حمزة + سعدون جابر، امام جيل شعبي كان يجد نفسه في مركن الموقف الحيادي ،حيث اختفى أمام عداءٍ قومي – بعثي لنهج الشعر الشعبي وتدميره ،كلياً، تمسكاً بدعوة لغوي قومي اسمه (ساطع الحصري) كان يخشى على (القومية العربية) من موجود الشعر بلغة عربية – شعبية ليست فصحى سليمة .
كان من الطبيعي و المعقول جداً، ان يتوجّه جيلُ من الشعراء الشباب نحو الحلم المشترك بانهم سيكونون مشغلّي و قادة مراكب الشعر الشعبي في نهري دجلة و الفرات .. تميزت أراءهم بضرورة تنمية مواهبهم و اشعارهم بسياقِ زمانِ و مكانِ و أسلوبِ الريل و حمد. كان ، هذا الشاب ، من بين مجموعة الشبان يرعى نفسه ، بالمتابعة الشعرية، منشغلاً جداً بتطوير علاقته بالمجموعة الشبابية – الشعرية ، المحيطة به ، بعد ان توقّعَ ، فيهم و منهم، لحظة مواصلة التغيير في الشعر الشعبي. هذا الشاب الواحد اسمه (كاظم غيلان) منفتح على مجموعةِ شبانٍ من أصحابهِ، ميّالين، جميعاً، نحو المظفرية الشعرية، نحو اهتمام متزايد بالشعر الشعبي المنسوج على نموذج التعاونية الشعرية. تراه يشترك بكلِ حواريةٍ تبادليةٍ، مشتركةٍ، حول اسلوبية التجديد الشعري المظفري. كان كاظم غيلان لا يخاطر في مبادراته، بل ان نشاطه العام يتزامن مع الندوات الشعرية و مع المهرجانات ومع جميع التراتبية الجماعية في دراسات الشعر الشعبي من النموذج المظفري. كان ثمة سياق عمومي تطابقت فيه الذات الشعرية (الفردية) مع الروح الشعبية (الجماعية) حتى ازدادت عددية الأفراد من شعراء مماثلين للشاب (كاظم غيلان) مما جعل عيون البعثيين تنتبه الى خطر ثقافي محتمل يهدد وجودهم على اشعارهم القومية الباهتة و على شعرائهم النفعيين.
صار اعتقاد لدى فلاسفة الشعر الشعبي ، المظفريين ، بضرورة الاعتماد على ( العقل الشعري) و على العقلية التغييرية الضرورية ،بكل مرحلة من مراحل التطور الشعري ،على وفقِ إطاراتٍ مفهومةٍ ليست قسرية .
هذه الرؤية إنْ كانت صحيحة فأن ذلك يعني نجاحاً و تقدماً و إنْ كانت جدليتها المرسومة ليست صحيحة ، فأنه يمكن تأجيل النظر في مناقشتها إلى حينٍ من دهرِالمستقبلِ . لكن الأهم ، بالوقت الحاضر، هو اكتشاف جوهرها ، في الموقف ، المتناظر مع الواقع العملي، لجميع العناصر التوليدية و التوليفية من قبل الفنانين و الشعراء العاملين في هذه الميادين الفنية . هذا يعني أن المهمة التحويلية المستجدة في الشعر الشعبي، هي التغيير الشعري (الجماعي) و ليس (الفردي) وحده ، كما كان بتجربة الريل و حمد .
في بلادنا، اليوم ، شعراء مجيدون يفتخرون ان مواهبهم الشعرية نمت الى درجة التهذيب العليا، لأنهم تصارعوا مع قشور الشعر الشعبي وانتصروا على أيامٍ صعبةٍ، تلاعبتْ بها الرغبة في التغيير الروحي – الخلقي و اضفائه على الشعر الشعبي . تلمسوا ملامح التشكيل اللبيب ، من خلال التخلص من البيئة الشعرية الجامدة او المضطربة ، خلال الزمان السابق لميلاد قصيدة الريل و حمد .
كان مجتمع الشعراء الشعبيين قائماً على تنمية اشعارهم، من خلال مهرجانات و لقاءات و ندوات الشعر الشعبي في الديوانية و الناصرية و الحلة و البصرة وغيرها، من خلال نشاط و تجارب شعرية حضرها عدد كبير جداً من الشعراء الشعبيين .. بدأ ذلك بفكرة تدخلية الدولة عام 1970 وربما غير منتهية بفكرة الخير التدخلية – الكلاويزية في مدينة السليمانية شباط عام 2020 ، المتميزة بتدخليةٍ ، مدنية - ثقافية، لم تكن من جانب الدولة هذه المرة .
القصيدة المظفرية حجبت خوف الشعراء الأذكياء و زادت من حذرهم إزاء التهديدات القائمة ضد كل خطوة من خطوات التطوير الشعري ، مصحوباً او مؤطراً بالكفاح الشعبي العام، متشكلاً بظاهرةِ قيامِ الشاعر الشعبي مظفر النواب ،حاملاً مشعل النور الشعري الجديد الى الاهوار لممارسة الكفاح المسلح في اعماقها بمشاركةٍ ، ثقافيةٍ، عراقية، خارجية ، مثلها المثقف العراقي (خالد احمد زكي) القادم من لندن حيث كان يعمل سكرتيراً لرئيس منظمة السلم العالمي برتراند رسل ، متضامناً مع نضال خلايا الكفاح المسلح في هور الغموكَة بلواء الناصرية . اشتعلت انتفاضة الغموكَة الهورية ، بعد انطفاء انتفاضة الطلبة في فرنسا وانطفاء انتفاضة جيفارا في أمريكا اللاتينية . كانت الشعارات الموحّدة بين المقاتلين في اهوار الناصرية المحاذية للحدود الإيرانية قائمة على ابيات شعرية ثورية تدعو : ( صويحب من يموت .. المنجل يداعي) . اصبح مجرد نطق اسم مظفر النواب و ليس شعره ، شيئاً مخيفاً للسلطات الرجعية – الحاكمة ، دافعاً نحو ممارسة العنف المنهجي – المؤسساتي من قبل الدولة لكل النماذج الشعرية المظفرية .
استقر الشعر الشعبي في نقطة معينة، قابلة للفهم العام ، لكن ما زالت الحاجة قائمة و ماسة الى تحليل كيانها لمعرفة ظروف الفهم الخاص ، من جميع أصدقاء النواب او قراء قصائده ذات الخبرة في الدعوة الى الكفاح العنيف ، في تلك الفترة . بينما ظلّ خطر الانفجار و الاحتراق، قائماً، إذا ما أراد أعداء الشعب ان يحيطوا به كفاح الشعب المسلح بأدنى صورة من صور التوتر الدائم في العضال من العيش المنظور و غير المنظور، تحت ظل حكومات رجعية التفكير ، تعاقبت على دست الحكم .
كان الكثير من سجناء سجن الحلة يسألون بعيونهم ، أحياناً : هل تبقى قصائد ثورية ابدعها الشاعر الثوري ، مظفر النواب، محبوسةً كصاحبها ، أو انهم يسألون في احيان أخرى: هل تبقى القصيدة المظفرية جزءاً من اشياء الحرب العالمية الباردة .. هل تبقى مجرد شعارات على ورق محبوس في الدفاتر او في بعض الصدور.. ؟.
في السجن يوجد طاغية هو ، المدير و السجان و المحافظ و مدير الشرطة و امر الموقع العسكري وغيرهم ، يمثّلون جزءاً متكاملاً مع قوى الحرب الباردة ، المعلنة على مظفر النواب و أصحابه ، لا لأنه ناشر قصيدة صويحب بعد قصيدة الريل و حمد ، بل لأنه ليس من أنصار الحكومة .. بعضهم يعاديه لأنه ليس من أنصار الرأسمالية ، بينما هو من عائلة بورجوازية . الأسباب العقلية تقول – بنظرهم - ان كل شخص ليس رأسمالياً فذلك يعني انه شيوعي . مظفر النواب شيوعي، يعني ذلك ان قصيدة الريل و حمد وقصيدة صويحب و جميع قصائده الاخرى هي قصائد شيوعية . انتقلت بعض الحقائق و بعض الأكاذيب الى أيدي المناوئين لمظفر النواب ، خاصة المناوئين البعثيين . صارت قضية الشعر المظفري – بنظرهم - قضية شيوعية . استمر هذا الواقع جيل او جيلين او اكثر من القصد العقيم والأناني يوجه الى اشعار مظفر . وانصاره ، المحبين و المتذوقين ، بعد الانقلاب العسكري الجديد في 17 تموز عام 1968. غير أن أتهام مظفر النواب واشعاره بالانتماء الى الشيوعية ليس معيبا انما كان فرضية أساسية ان نضال الشعب و الحزب الشيوعي مشتركان.
ظل هناك الكثير من اللقطات السياسية - الشيطانية موجهة الى مظفر النواب ، كي ينتج اشعاراً اخرى غير منظورة و لا محسوسة من الآخرين . خاصة بعد لقاء تمّ برغبةٍ من قبل نائب الرئيس الجديد صدام حسين مع الشاعر مظفر النواب ، بعد اطلاق سراحه من مديرية الامن العامة حيث كان معتقلاً فيها . كان الشاعر ، مظفر النواب ، قد واجه الفاشي، القافز، توّاً، الى كرسي السلطة العالي ، بكثير من الفطنة و الذكاء، إزاء إخفاء الوجه الحقيقي للحاكم الجديد ، محاولاً خداع الشاعر الثوري . كان الشاعر قد اكتشف من لحظة اللقاء ،الأولى، ان صدام حسين كان يخفي نفسه بثوب التواضع و الحذر و الحصافة و خلف كلام ناعم هادئ ، حيث قام صدام حسين بالتعبير عن تعاطفه و شراكته مع جميع اشعار مظفر النواب . كان اللقاء يماثل نوعاً من أنواع مبدأ الوقاية كبيئةٍ مفروضةٍ على الشاعر أُريد لها ان تفضي الى انقراض الثورية من الشعر الشعبي المظفري.
ظلت هذه الأشعار محاطة باسلاكٍ من بوليس ذلك الزمان العسير وهي ما زالت في صدر مظفر، لم تدوّن ،بعدُ، على ورقة و لم يتداولها الناس في لقاءات حياتهم، لكنها تُواجه بأغلالٍ و بمناوشات التداعيات السيكولوجية، من اجل احداث ضربة قاضية عليها كجزء من مقتضيات الحرب الباردة .، التي مارسها حزب البعث مع الحزب الشيوعي العراقي خلال 10 أعوام بين 1968 – 1978 .
من نظرية الحرب الباردة انطلقت بعض أفكار مظفر النواب للخلاص من تهديداتِ نظامٍ بعثيٍ ، ليس جديداً بعلاقته غير الموثوقة مع الشيوعيين. كان وجهه البوليسي القاتم ، متسلطاً في عام 1968 في جميع الميادين الجماهيرية بنفس حيوية انقلابيي شباط 1963 مخفياً وراء ممارسات ناظم كزار في قصر النهاية و في مديرية الأمن العامة . كانت قد أضحت فكرة بقاء الشاعر مظفر النواب من السجن ، قبل قيام انقلاب 17 تموز 1968 فكرة متوحدة مع ضرورة التحرر من زنزانة سجن الحلة ، مما جعل مظفر النواب من أوائل الهاربين من سجن الحلة عام 1967 بمعنى ضرورة تحرير مظفر النواب من الحبس . كذلك أضحت فكرة بقاء مظفر النواب عائشاً في عراقٍ يسيطر على دولتهِ فاشيان ، صدام حسين و ناظم كزار، أمر ليس مناسباً . ينبغي مغادرة الوطن و العيش في الغربة .
حال انتهاء اول مقابلةِ خداعٍ مارسها صدام حسين ، لم يكن امام مظفر النواب غير ممارسة عبور الحدود الى خارج العراق ، الى بيروت النور و الحرية . هكذا ظل انصار الشعر المظفري في العراق يعيشون في بغداد من دون مغزى. انخرطوا في ممارسات شعرية تقليدية سليمة بيئيا ، لكن يصعب عليها خلق الأفكار الشعرية التنافسية ، مع خصمٍ سلطويٍ جاثمٍ فوق الرؤوس و داخلها. أراد حكم البعث في فترة الحرب السياسية الباردة ، بعد قمع المتزاحمات القومية – الداخلية ، بإعدام حركة عبد الغني الراوي و قتل و حبس القيادي البعثي عبد الخالق السامرائي ، لكن النظام الفاشي لم يكن في تلك الفترة قاسياً مع الشعر الشعبي لأنه كان يتلاعب بالكثير من الحركات الأيديولوجية و المواقف السياسية، لمواصلةِ خداعِ عملية الدعوة البعثية الى قيام ( جبهة وطنية – تقدمية ) رُسمتْ مظلاتها بعنايةٍ بعثيةٍ فائقةٍ ، للتمييز بين خطط الموت و خطط الحياة ، كانت بمواجهة حزب البعث العربي الاشتراكي، بذلك الوقت . تقرّب ،هذا الحزب، من نصائحِ الأصدقاء الروس و الالمان الشرقيين و أتقن فن تكتيكي عن كيفية الوقوف باتساقٍ مع طموح الشعب العراقي، فكانت الجبهة وقرار تأميم النفط، من نتاج التاريخ في النزاع الداخلي و الخارجي، المتصارع مع البعثيين العراقيين. الشيء المهم ان جميع فرضيات الخداع من قبل صدم حسين قد نجحت خصوصيتها في العراق و المنطقة.
ظهرتْ، بتلك الفترة، نماذجٌ جديدةٌ، ماشية، نحو النمو في ميادين الشعر الشعبي. ضم هذا النموذج الشجاع مجموعة من عشاق الشعر المظفري الأخلاقي و السياسي و الطبيعي. ظهر شعراء خلاّقون يحملون وعياً شعرياً، مظفرياً، جرى تركيبه على عددٍ من اخلاقيات الشجاعة، الشعرية. كان من بعض أفراد هذه المجموعة الثورية ، الشاعر الشاب (كاظم غيلان). منح لنفسهِ أهدافاً شعريةً، خلقيةً، واعيةً، تحمل نوعاً من التحدي، عبر تنويع اشكال التطوير في الشعر الشعبي و العمل على تجسيدِ التكاملية الأخلاقية – الشعرية مع متفتحين آخرين على أشعار الريل و حمد. مثلاً ، لعب أحد شعراء هذه المجموعة (طارق ياسين) دور المبادر الرومانسي – الواقعي في جمع اشعاره و تمركزها بين صفحات ديوان شعري – شعبي كان يحمل بصراً عقلانياً الى حد كبير .
قال كاظم غيلان : لعل تجربة الشاعر طارق ياسين انها كانت واحدة من أعمق التجارب المغايرة في جيل ما بعد النواب.. امتازت بالعديد من عناصر المغايرة كتجربة مهمة لخصتها مكونات شاعر شاب اتاحت له التفرد عن معظم مجايليه اذا ما عرفنا رحيله المبكر عن الحياة عام ١٩٧٥ .
كذلك اشترك الشاعر طارق ياسين مع شعراء آخرين لإصدار مجموعة مشتركة ( قصائد للمعركة) بعد حرب ١٩٦٧ كما تشارك في مجموعة ( خطوات على الماء) عام ١٩٧٠ وهي ايضا مشتركة مع صديقيه عزيز السماوي و علي الشباني. ليس في هاتين المجموعتين أي تطور او تطوير عن الحقبة الراهنية للشعر الشعبي. كانت متجاورة مع شعر شعبي جديد خالقه مظفر النواب. أصبحت (الملكية الخاصة) ، المظفرية، منزوعةً ، لتحل محلها (ملكيةٌ عموميةٌ) هي في حقيقتها الواقعية ليست كافية في الهيمنة التجديدية على الشعر الشعبي.
تميزت تجربة طارق ياسين ،حسبما قال عنه كاظم غيلان: بأنها تجربة (مدينة خالصة) باعتباره ابن بيئة بغدادية تخلّص من المفردات المغرقة بـ(الحسجة) وساعدت ثقافته الواسعة و اطلاعه المستمر على ما افرزته الإنتاجات الفكرية و الفلسفية و تفرعات الآداب و الفنون من رواياتٍ و نقدٍ و مسرحٍ و فنونٍ تشكيلية .. الخ و لهذا فقد انصهرت ثقافته ببيئته لتكون منه مشروعاً شعرياً .
قال كاظم غيلان ، أيضاً: كانت (المدينة) بوصفهِا دلالة شعرية أو عالماً شعرياً تمثل في تجربة ابي نواس فلن نجدها في شعر العامية العراقية مكرسة إلّا في قصائد طارق ياسين ، مع ان مظفر النواب كان صاحب السبق الاول بدءاً من مجموعته الاولى ( للريل و حمد) إذ تجد (المدينة) بلهجتها حاضرة، بوضوحٍ في العديد من القصائد، حتى تلك التي دارت أحداثها في ريف الجنوب العراقي، كما في:
* مامش مائل
* ديج ابو العرفين
* زراعية البراري جنح أغنية
* ايام المزبن
لكن طارق ياسين كرّس (المدينة) بقصائده لهجةً و مضموناً و بكل ما احاط بـ(المدينة) ، بغداد، التي ولد فيها و عاش و مات مأخوذا بفتنة نهاراتها و اضواء لياليها .
كتب عن ابو كاطع و سماه (الفقيد الموسوعة) و (المناضل الشيوعي) و (الروائي) و (كاتب العمود الفذ) .
إضافة الى توطيد علاقته مع الشاعر طارق ياسين فأنه كوّن صلة و علاقات شاعرية – دراسية مع عدد اخر من الشعراء الشعبيين ، حيث ظهرت في حينه أسماء شاعرية كثيرة ، مهمة ، منهم : علي الشباني، عزيز السماوي، كاظم الركابي، عريان السيد خلف، رحيم الغالبي وزهير الدجيل، ابو سرحان .
استمرت هذه المجموعة بالولادةِ و النمو في مجرى التيار الرئيسي للشعر الشعبي ، الممثل للقيم الثورية في مرحلة السبعينات من القرن العشرين . لكن كاظم غيلان استمر ، أيضاً، في متابعة المجموعة و العناية بمنتوجها الشعري المتميز . مقابل هذا كانت تموت، تدريجياً، عناصر متعفنة ، مرتبطة بالنظام العشائري شبه الاقطاعي.
كان كاظم غيلان شاباً نشيطاً، في عرض منظورات مختلفة من اشعار المجموعة المظفرية ، الجديدة . ربما واجه مع نفسهِ ،مرات عديدة، صراعاً و قلقاً متوتراً، بين تماسكهِ مع المجموعة أو تنازلهِ ، افتراضياً، عن شراكةِ المجموعةِ في (سفينة النواب) الشعرية. اكتشف غيلان و اكتشف آخرون أن اشعار المقاربات التجريبية والتعميمات غير الجوهرية و الرمزيات الطبائعية ، كانت ، جميعها، من وسائل توصيفية لشعراء مظفريين ،كثار، ضمنوا سلامتهم من الاعتقال خلال فترة سبعينيات القرن الماضي .
مع الصور الحربية عام 1980 نهضتْ أخلاقية بعثية ، جديدة، في الموقف الإعلامي – الرسمي من الشعر الشعبي ، بعد أن وجدتْ في محاولات العزل القومي – الحكومي لثقافةٍ غير ثقافةٍ بعثيةٍ، لا تلعب دوراً ضمن الحرب العراقية – الإيرانية. حينذاك قامت القيادة البعثية الحزبية بإلغاء القيود السلوكية على تأليفِ الشعر الشعبي واستعارة توصيف طبيعته في سياق الحرب و في سياق تمجيد المهارة الاجرامية الصدامية و تحويلها الى بطولةٍ قوميةٍ. توفّر هدفهم بإيجاد شاعرٍ شعبيٍ، نجفي، اسمه هادي العكاشي. إشتهر في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية وحصل على لقبٍ خاص هو : شاعر القادسية .
أَلْقَى بعض قصائده أمام مسؤولين عراقيين ، كبار، من بينهم الرئيس العراقي صدام حسين. قام بهجاءِ المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ، أية الله الخميني. وعلى أثر هذه القصيدة تم تصفيته من قبل مجموعاتٍ مسلحةٍ موالية لإيران في أحداث انتفاضة عام 1991.
في ذلك الوقت ظهرتْ فيه ايديولوجيا السيطرة البعثية على السلطة، قد قررت تغيير و استبدال موقفها من عزل الشعر الشعبي و انتهاج طرقٍ جديدةٍ لاختراق الاسرار الداخلية العمومية للشعر الشعبي وفرض نوع من المركزية عليه و على جمعياته و منظماته و حسم مسألة كسب و خلق شعراء شعبيين بعثيين ، حتى صارت اغلب جمعيات الشعر الشعبي بقيادات بعثية .
أول شيء أقوله، هنا، أن اساس البحث و الدراسة عن مدى الاهتمام المحوري النظري و العملي، لا يمكنه ان يغفل ملاحظات أتاحها الشاعر الشعبي (كاظم غيلان) في بعض مقالاته المنشورة في بعض الصحف ، خاصة في جريدة طريق الشعب البغدادية و في بعض المواقع الالكترونية و تحديداً في (موقع الحوار المتمدن)، عن ما يتعلق بأحاديثه ، عن واقع الشعر الشعبي في العراق الحديث . كما يمكن القول العام بأن مجموعة الشعراء من أصدقاء الشاعر كاظم غيلان، اهتّمتْ اهتماماً فائقاً في ممارسةِ البحث في الشعر الشعبي، لمعرفة مدى الصيرورة التطورية لبلوغ هدف (تجديد شعري) آخر قامت به مجالس و مكاتب الثقافة و الاعلام ، المختصة، في حزب البعث الحاكم ، على أساس ما يلي :
1 – إعطاء سلطة قوية على الشعر الشعبي من قبل وزارة الاعلام. أصبحت هدايا الدولة الى الشعراء الشعبيين تتضمن دورة كاملة من قطع الأراضي السكنية وسيارة حديثة وغير ذلك من منظومةٍ كبيرةٍ من المنافع المعيشية.
2 - تسخير مجمل الشعر الشعبي واغاني الإذاعة و التلفزيون لمديح كارزما الدكتاتور صدام حسين وأفعاله، مقابل محاصيل نافعة من الأموال و الشقق السكنية وثمارٍ لا تُعدُّ و لا تُحصى.
تمّ وضع الخطط البعثية الجديدة بطريقةٍ لا تتقاطع مع النهج العرقي و الطائفي و الطبقي و الديني ، المنتهج في الشعر الشعبي الحكومي – الانتهازي، في ظلّ سياسة الدولة العسكرية – الحربية – القمعية .
أريد لهذه الخطط ان تقضي على عطاءِ مرحلةٍ تجديديةٍ، عملاقةٍ، كانت قد خلقتْ صوتاً يسارياً ،متخللاً الغالبية العظمى من قصائد شعر شعبي ، ساهم بصياغتهِ أعضاءٌ في اللجان الثقافية بالحزب الشيوعي العراقي ، في فترةٍ أعقبتْ الذات الشعرية ، المظفرية ، بعد مرحلة (الريل و حمد) ومن ثم مضت عليها جميع التفاعلات الأدبية – الفنية مع التغييرات السياسية في تلك الحقبة التاريخية . كل هذا التشبث الحكومي من قادة حزب البعث الحاكم صعّد نظرية الشعر الشعبي العراقي، في داخل صفوفه، إلى مستوى المواقف القومية في النضال ضد الممارسات الكولونيالية في حروب الخليج الثلاثة . صار منظراً مشهوداً، متكرراً، على شاشة التلفزيون العراقي، لقاءاتِ هيمنةٍ سياسيةٍ يقوم بها صدام حسين، نفسه ،مع شاعرٍ او شعراء شعبيين لإعطاء ملاحظاتٍ تفكيريةٍ عن مدى ارتفاع نسب اهتمام حزب البعث بالشعر الشعبي .
كل هذا دفع و ظلّ يدفع الى التساؤل : هل كانت ثقافة الشعر الشعبي تتطور بانسجامٍ مع التطور الاجتماعي أم انها ظلّت مجرد ثقافة استهلاكية، عدمية، رغم انها واسعة الانتشار ..؟ ام انها من ثقافة الإشكالية ،الحافلة بالتعميمات، تسعى الى التساند الشعبي في حال كانت منزلتها شعبية، كما هو حال الشعر الشعبي المظفري..؟
جاء زمان يشعر به المواطن العراقي بقرفٍ شديدٍ مع الإقرار الشعبي الجماعي بالسيطرة الدكتاتورية الشاملة على اعناق المجتمع العراقي. لم يعد أحد من الحكام ، ينظر الى مصلحة المواطنين العراقيين، في ذلك الزمان الصعب، زمان صدام حسين . كان كل شيء يُحسب على أساس مصلحة الحاكم الفرد. جميع كُلف الحكم و منافعها تحسب على هذا الأساس. حتى النوادي و المنتزهات جرى تحويلها للاكتظاظ من اجل سماع اشعار شعبية بأصوات شعراء انتهازيين، نفعيين، مهمتها أن توفر تأييداً شعرياً ، بين الجماهير ، إلى السلطة البعثية الحاكمة بقيادة و توجيه وزير الثقافة و الاعلام .
امتد نفس الاتجاه السابق حين وجد بعض الشعراء الشعبيين اتجاهاً طوعياً بعد عام 2003 لدى البعض من شعراء شعبيين راكعين او متحالفين مع زعماء السلطة و العشيرة و رجال الدين، لتشكيلِ سلطاتٍ حكوميةٍ مزدوجةٍ، يترسخ فيها الكثير من فعاليات الأحزاب المحمولة بسلاح خارج السلطة .
استمرت غربة الشعراء العراقيين ، الشعبيين ،حقا ، في مختلف انحاء العالم . بعضهم استمر لسنين عديدة يعيشون في دمشق مترددين على مقر الحزب الشيوعي العراقي في ضاحية المزرعة بدمشق أو أن يكون شعراء مثل عريان السيد خلف - القادم من بغداد - او رياض النعماني – القادم من الدانمرك - او كامل الركابي – القادم من السويد - او المسرحي فائز صبري – القادم من هولندا - و غيرهم القادمين من مختلف انحاء العالم لزيارة دمشق يصاحبون الفنان الغنائي فؤاد سالم أو غيره ، لزيارة البيت المظفري المريض . احياناً يجري حديث عن مستقبل الشعر الشعبي و في غالب الأحيان يتوقف. كذلك كان كاظم غيلان في حالة حماس بكل زيارة من زياراته الى دمشق يقابل فيها مظفر النواب لا يبتعد فيها عن مناقشة بعض واقعية الشعر الشعبي واستخلاص التحفظات النقدية المثارة حول مستقبله .
مثلما كان نظام صدام حسين قد وضع الشعر الشعبي أداةً تعبويةً لخدمةِ اغراضهِ السياسية ،حسب نظرية :الشعر مقابل (القيمة المالية) قبل سقوطه عام 2003 ، كذلك فعل حزب الدعوة الإسلامي ، برئاسة نوري المالكي، حين وضع شعراء شعبيين، انتهازيين، نفعيين ، في ممارسات حزبهِ الدعائية ، بتوجيهِ فيلسوفِ الحزبِ، الشيخ عمار الكفيشي، حسب نظريةٍ مجاورةٍ ، ملخصها يقول : الشعر مقابل (القيمة و التمن).
ها نحن أمام حالةٍ من حالاتِ التلكؤ الثقافي إنْ لم أقل أمام حالة تصدّع الطريق السائر فيها ، شعرنا الشعبي ، مما يفرض على كاظم غيلان و جميع أصحابه ،السابقين و الحاليين، أن يقوموا بدراساتٍ متزايدةٍ عن كيفيةِ إيصالِ الشعر الشعبي إلى نتائج عميقةٍ حولَ مستقبلهِ التاريخي. في الفترة القادمة يفرض الهيكل المحتمل في البناء الشعري العام ان نبذل طاقة فكرية – شعرية كثيرة حتى نتمكن من الإجابة على سؤال شديد التعقيد هو : هل يحتاج الشعر الشعبي الى ثورةٍ تجديديةٍ أم إلى عمليةٍ تصحيحيةٍ أم إلى خطوةٍ تكميليةٍ لثورة الريل وحمد..؟
في ظني أن الشعر الشعبي يحتاج ، بواقعهِ الحالي، إلى شيءٍ جوهريٍ، نعترف به، جميعاً، و هو التعرف العاقل او المقنع عن كيفية تحقيق تضافر الجهود الشعرية عند شعراء قدامى او جدد من اجل استبصار طريق المستقبل الشعري.
ليس عيباً أن يصيبنا موقف صريح او مباشر ، بمضمونٍ سلبيٍ ،بأقل الأحوال، لتأكيد حقيقة أن الشعراء الشعبيين في ازمة. يجب الاعتراف بأزمة التصدّع الشعري بصورة موسّعة و عميقة ، بما اعني تصدّع الشعر و تصدّع الشعراء . لم نتعرف على أسبابها و على تناقضاتها و على التضاد فيها ، حتى الآن. ربما نحتاج الى أساتذةٍ اكاديميين في جميع كليات الآداب بالجامعات العراقية، ان يبذلوا جهوداً في الدراسة المتعاطفة ،كي نحصل على إجابة علمية موضوعية .
ان بناء المستقبل الشعري ينبغي ان يتم من خلال إعادة تكوين الماضي في الشعر الشعبي.
علينا البدء ، دائماً، من (نواة) التاريخ،
انتهت في الماضي نواة الشعر الشعبي الفدعاوي و انتهت النواة الشعرية في خلال فترة زمنية ارتفع بها صوت (صاحب المجرشة) الملا عبود الكرخي.
تُرى هل من حدود المعقول أن نقول ان (نواة) الريل و حمد ، قد استنفذت وجودها..؟ أم انها لم تعد بحاجة الى استكمالها بثورةٍ ، ذات طابع اعجازي، لتوفير حقيقة تاريخية جديدة تتفوق على تلك الحقيقة ، المنتقاة من خطوة مظفر النواب، في سياق التغيير الأسطوري في الشعر الشعبي قبل 60 عاماً، حين تمشّت قصيدة (للريل وحمد) مع الغائية الداروينية .
يوم صدرتْ قصيدة (الريل) نالتْ تقديراً ، جمالياً، حضاريا تستحقه . ظل هذا التقدير يمشي ، سراً و علناً ، منذ ذلك اليوم، حتى الآن. كان غاية من غايات التطور و كان وسيلةً من وسائل التحسن . كان صداها يروج و ينتقل من جريدة الى جريدة و من نادٍ إلى نادٍ و من حزبٍ إلى حزبٍ. صار الكثير من الناس يتبادلون الكاسيتات الصوتية و المقالات ، حول قصائد مظفر النواب ، كأنهم يتبادلون أشياءً عظيمة . حتى في ايام سيطرة الامن و المخابرات على كلِ مسموعةٍ من المسموعات المضادة لها ، فإنك تسمع اخبار مظفر النواب وقصائده تنتقل سراً من بيت بغداد الى بصراوي او أربيلي او حلاوي.
لم تكن الشهرة محصورة داخل العراق او سوريا، بل انها امتدت الى كل مدينةٍ أوروبيةٍ أو أمريكيةٍ او أفريقية و استرالية إلّا و الناس العراقيين جالسين فيها ، على شغل شاغل مع الشاعر مظفر النواب .
لم يحصل شاعر تلك القصيدة على شهرةٍ، مفاجئةٍ ، لم تكن صعوداً تدريجياً، بل كان شيئاً جسيماً. حصل على مجدٍ عظيمٍ، بسرعةِ ظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود، حتى تبيّنت الصفحة البيضاء متكاملة باسم شاعر عراقي اسمه مظفر النواب، حاز فوراً على شهرة بأنحاء العالم ، كافة .
في الألفية الجديدة، في ألفية القرن الحادي و العشرين ، تجسّد عرفٌ من أعراف الشعر الشعبي، قائم على المناسبات الحسينية، المشتركة، بين شهر محرم و المقتل الحسيني الفاجع و قد تحوّلت القرى و عشائرها ، معاً، الى موئل واصقاع لشعراء شعبيين يحاولون (التحليق المزوّر) في سماء اشعار شعبية وفّرت و توفّر طرائد تغذية (مواكب المشاية) من اطراف مدينة الثورة و الكاظمية و الفاو و البصرة و العمارة الى كربلاء ، مدعومةً بطرائد المأكولات والمشروبات الغازية بمشتركات المواكب الحسينية ، صار فيها الشعر الشعبي (ملكية عامة) تغطي حقوق وواجبات المشتركين و المشاركين. ملكية تديرها حكومة مركزية طائفية بعهدةٍ إداريةٍ – إسلاميةٍ، تماماً مثلما كانت تدار قبل 2003 من قبل الإدارة القومية – البعثية.
عادت المشتركات بين :
(أ) المناسبات الدينية .
(ب) أحزاب الإسلام السياسي.
(ج) جماعة الشعر الشعبي الانتهازي.
يتحركون في الوسط و الجنوب من المجتمع العراقي، بما يشبه حركات العصور الاوربية المظلمة في العصور النورماندية و في العصر الجليدية السويسرية و في كل الحالات الاوربية منذ عهد الرومان و الاغريق ، حيث تدفع الفنون و الآداب جميع الرعاة الى المرعى العمومي العشائري – الديني ، كما في الإدارة التقليدية في عصر الجاهلية و بعد الفتوحات الإسلامية ، حتى اليوم. حيث كان الشعراء في الصحارى البيضاء و الجبال الزرقاء في محميات ينقّبون و ما زالوا ، عن (المصالح الفردية).
من اللافت للنظر ان حواف الكثير من شعراء شعبيين دخلوا الى جمعٍ خطيرٍ ، إلى جمعِ لاهوتِ السياسة المندمج مع لاهوت الدين، و انتجوا متخصصين في قيادةِ مسيرة الشعب و الدولة بأخلاقيات فرنكشتاين و فينكلشتاين و ديفيدشتاين و غيرهم من أصحاب الأفكار المتحفظة ، على التقدم الى امام ، المعادية، بالسكين و المسدس ، إلى أيةِ خطوةٍ متحركةٍ الى العلى .
لم تعد اخلاقهم واحدة،
لم يعد سردهم الشعري إعادة بناء التاريخ ، بل غدا تعقيداً للتاريخ و تهديماً له.
لم يعد ممثلاً للعقلانية.
عاد في زمان الديمقراطية ، كما كان في عصر دكتاتورية صدام حسين، حلقة من حلقاتِ مفارقةٍ عن أكاذيبِ الإسلاميين السياسيين و تزويرهم.
يشير التاريخ الحالي في وسط و جنوب العراق . ربما في أراضي الإقليم الكردي، أيضاً، الى تمردٍ ،جديدِ النوع ، بالشعر الشعبي وانقاذه من ادغال الإسلام السياسي. كان احد المتمردين من الشعراء الشعبيين في العصر الحديث عصر ما بعد ( مرينه بيكم حمد ) هو الشاعر – الكاتب كاظم غيلان. إنه يسعى ، مع جيل جديد من الشعراء الشعبيين، إلى انتزاع مشتركات الشعر الشعبي من ايدي الإسلام السياسي الخاضع لنوعٍ جديدٍ من تحالف المال المافياوي والسلاح المافياوي . كلاهما لا يخضعان لسيطرة الدولة العراقية المهتزة من جذورها . تأتي كل هذه التطورات و الخدمات في ظل مرضٍ شديد محيطٍ بسريرِ مجدّد الشعر الشعبي، مظفر النواب.
ترى هل هذا التطور سيكتشف تلكؤاً ثقافياً، أخيراً.. أم تطوراً وعراً إلى مرتفعاتٍ أكثر وعورةً..؟
على قمة الشعر الشعبي يقف ، اليوم، شعراء كبار من التلامذة المظفرين المجددين. لا اريد استذكارهم ،هنا، واحداً، واحداً، لكن مهمة الشاعر (كاظم غيلان) كانت منذ عام 2003 ، حتى اليوم، قد قامت على البحث الجاد عن إعادة اكتشاف (الذات الشعرية) في مجمل الشعر الشعبي المعاصر.. هل يقسو الشاعر الجديد على حال المخاطر المواجهة للشعر الشعبي و كيانه..؟
تسلّق الشاعر (كاظم غيلان) كثيراً من أراضٍ يمشي عليها شعراء شعبيون ، في داخل البلاد العراقية و خارجها. حضر الكثير من اجتماعات التكتلات الشعرية في بعض مدن الفرات الأوسط و بعض اللقاءات بأماكن أخرى لمعرفة نسائم جديدة يمكن ان تنطلق من الشعر الشعبي لحمايته من دروس اندماج الحالة الدينية بالحالة السياسية ،اعتماداً على حرفة الشعر الشعبي ذاتها.
نشر كاظم غيلان أفكاراً عن ضرورةِ ارتباطِ حركة الشعر الشعبي بحركة العدالة الاجتماعية، كي يضمن (الحوافز الجماعية) ، التي يحتاج اليها زمان الشعر الشعبي و مكانه. كان هذا النوع من النشر بالصحف و المجلات العراقية، محاولة من محاولات أخرى، يسعى لها شعراء شعبيون كثار من أمثال ناظم السماوي و كامل الركابي و غيرهما.
السؤال الكبير، هنا، يسبقني الى الشاعر كاظم غيلان وإلى أصحابه الشعراء و النقاد و الدارسين ، من جيل الأرض المسبوقة بخصائص كلام قيل انه نازل من الآلهة . كلام خصيب للوصول الى ارقى و ابدع نوتات موسيقية : تُرى.. هل ينطفأ بريق الشعر الشعبي بعد مرحلة مظفر النواب..؟ هل يكون حال الشعر الشعبي مثل حال السينما العراقية، جثة جاثمة على الأرض ..؟ حيث نجد حاجة ماسّة الى إعادة نظر ، جدية، من اجل احياء ( دور العرض السينمائي) أي إحياء ابسط معيار من المعايير السينمائية الطبيعية .
اعتقد ان من مسؤولية الشعراء الشعبيين التقدميين ، بالمرحلة الحالية ، ان ينتشروا على مساحاتٍ واسعةٍ من الأراضي العراقية ، كي يتعرفوا على حقيقةِ مدنيةِ المجتمع العراقي و ان يزيحوا كل ثقافة لا تعبّد الطريق الى تخصيب الكلمة الشعرية و الصورة الشعرية و التركيب الشعري.
على الشعراء الشعبيين من المتخصصين بالأبحاث او غير المتخصصين ان يتجانسوا بالأوصاف اللغوية الشعرية و ان يستوطنوا بها في كل القرى و ارياف العشائر ليقربوها ،بالفنون و الآداب، من الحياة المدنية . عليهم أن يكتشفوا الحاجة الى زراعة بساتين وحدائق عراقية جديدة لا تنمو فيها دببة الفعاليات السياسية، بل تنمو بكل امتداداتها ازهار القصائد الشعبية القريبة من الفصحى و القصائد الفصيحة، المقتربة من حياة أهلنا في الأرياف و المناطق النائية لتحقيق ما يلي :
(1) أفعال (الأغاني الحاسمة) ، بمفرداتٍ غاية في الجمال و بموسيقى راقية التكنولوجيا .
(2) القيام بأفعال (المسرحيات الهائلة) ، باستخدام أنواع الشعر الشعبي و الفصيح بلغة مرجو لها ان تكون لغة ملحمة جلجامش أو لغة إله.
نحن بحاجةٍ الى تجديدٍ شاملٍ بكل جزء من أجزاء الثقافة العراقية العتيقة.
مكاننا جزء منا،
زماننا جزء منا.
هل من الخطأ إذا ما تصوّر احدنا ان مرحلة الشعر الشعبي الحالية قد تبدو (جوهرية) لان هذا النوع من الشعر قد دخل في صراعٍ مع نفسه، لكنه صراعٌ مستقطبٌ من اجل الخير..؟ هذا الصراع لا يوقف التواصل مع نفسه . صحيح انه يتحدى نفسه، لكنه يستجيب الى ضرورات التغيير في جوهرية الشعر الشعبي ليكون اكثر مرونة في التعامل مع الاغنية العربية ، الموسيقية . كذلك مع الرؤية العلاجية ، المسرحية . علينا ان نتوقع كل احتمال للتعامل معه . لم يكن احد يتوقع تعاون الوجوديين السارتريين مع الشيوعيين الفرنسيين خلال ايام الحرب العالمية الثانية . كذلك لم يتوقع احد بعد قراءة رواية ( 1984) لمؤلفها جورج اورويل ان دولة الاتحاد السوفيتي ستنهار و تتخلى عن حزبها ، عن مؤسسها ، بمثل هذه السرعة .
لكنه حصل .
يتبع