| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الاربعاء 18/3/ 2009

 

الذكرى 75 ليست ذكرى على ورق ..

جاسم المطير

لا ادري لماذا أتخيل جارلس دارون حيا واقفا خطيبا في ساحة الأندلس ببغداد معلنا : البقاء للأصلح .

ولا ادري لماذا تخيلتُ وقوف الشاعر المتنبي في نفس الساحة وهو يشير بيده اليمنى :

تكسّبُ الشمسُ منك النورَ طالعة ً كما تكسّبَ منها نوره القمرُ

كثيرة هي الأحزاب في العراق خلال قرن كامل من الزمان انتهى بعضها ومات بعضها وتحطم بعضها وانقسم بعضها غير أن صوت محمد مهدي الجواهري ظل مسموعا : باقٍ وأعمار الطغاة قصارُ‏ من سفر مجدك عاطر موارُ .

بقي الحزب الشيوعي طالعا في أرض العراق، كالشمس ، صباح كل يوم وانتهى كل الباغين عليه نهايات فاجعة قل نظيرها في التاريخ .. ففي هذه الأيام تمر الذكرى 75 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي ، أي اليوبيل الماسي للتأسيس ، بلغة التقييم . وفي مجرى هذا الحدث السياسي الهام في التاريخ العراقي يتعين على أصدقائي ورفاقي الشيوعيين العراقيين مغادرة الشكل الأساسي لعملهم في الماضي الذي كان ليل الخمسة والسبعين عاما كله معتما في سماء العراق مثلما يتعين عليهم تحديد الخطوط العامة لإستراتيجية الخمسة والعشرين عاما المقبلة من خلال استكشاف المسار الجديد على ضوء استجابة التجارب الديمقراطية في العراق والعالم لكي يتمكن الحزب من تحقيق مواقع اجتماعية وسياسية معينة قبل بلوغه اليوبيل الذهبي.

أهم ظاهرة تحيط بالحزب الشيوعي في الوقت الحاضر هي السجال بين الشيوعيين ، قياديين وقاعديين ، حول ضرورة وجود خطاب متجدد ، يوميا ، يحول الحزب إلى حزب جماهيري متلاحم والى قوة تنظيمية متماسكة خصوصا في ظروف سياسية معقدة إلى الحد الأقصى داخل الساحة السياسية الجديدة في العراق المتغير بشكل جعل جل المعارك السياسية الحالية والقادمة أو اغلبها هي معارك دستورية تنبئنا بنوعية جديدة من التحرك الشيوعي القادر على :

(1) اكتشاف الدراسة التي يحتاجها نضال العمال والفلاحين والكادحين جميعا .
(2) اكتشاف المجال التجريبي المنهجي في نضال الشعب العراقي كله من اجل توفير الخدمات الاجتماعية المتنوعة .
(3) اكتشاف تنويعة التحالفات السياسية مع قوى أخرى يمكن مبادلتها بكثافة الحس السياسي الديمقراطي والتقدمي .(4) اكتشاف العوامل القادرة على تجميع النخب الثقافية المتنوعة لتحريكها طوعيا بقصد تنوير طبقات الشعب الكادحة .
(5) اكتشاف الحالات السيكولوجية للفرد العراقي بعد 35 عاما في ظل الإرهاب والقمع الدكتاتوري وبعد 6 سنوات من إذعان الشارع العراقي لقوى الإرهاب الدولي والميليشيا الداخلية المتحالفة مع بعض قوى النظام البائد التي مارست عدوانيتها الغريزية بصورة منتظمة وبأساليب عشوائية .
(6) اكتشاف الرغبة العارمة الموجودة في أعماق الشعب العراقي نحو الحرية والاستقلال .

خبرات الذكرى الـ 75 هي مشهد جديد ،

فرص التأثير الجدي الديمقراطي في الخطاب السياسي العراقي هي مشهد جديد ،

سقوط نظرية نهاية التاريخ لفرنسيس فوكاياما هي مشهد جديد ،

انفجار أزمات الهوية الاقتصادية للرأسمالية العالمية هي مشهد جديد ،

ظهور أيديولوجيات جديدة داخل القوى الدينية والليبرالية والقومية والعشائرية هي مشهد جديد .

مشاهد كثيرة يصعب على المرء تعدادها .بعضها مدمر وبعضها بناء وسط عالم فيه فوضى وفيه نظام بذات الوقت ، غير أن المشهد الأكثر احتمالا ليصبح مصدرا من مصادر الأمل في قلوب العراقيين هو أن الشيوعيين العراقيين ، في عالم ما بعد سقوط النظام الشيوعي السوفييتي ، يجددون أنفسهم بأنفسهم وبإرادتهم خلال فترة السنوات اللاحقة لسقوط نظام الدكتاتورية في نيسان 2003 بما ملكوه من رؤية جديدة فيها مرونة الماركسية وفيها تجارب التاريخ الإنساني مجتمعة معا لتقود الحزب نحو مزيد من النضوج الديمقراطي ونحو ترسيخ تنظيماته في المدن والأرياف متوافقا مع طبيعته الجماهيرية مندفعا بروح شعبية جديدة قائمة على التخلص من ارث السياسات الخاطئة من جهة ومعتمدا على اعتراف متكافئ بــ" الآخر " ذي الدور الفعال في الحياة الديمقراطية العراقية الجديدة .

هناك أشياء شديدة الحساسية تحيط بالحزب وهو يجتاز عتبة الذكرى الماسية منها أن بعض النخب والقواعد لا تستوعب مثلا خسارة القوائم الانتخابية الحزبية أو في تعرضه لكثير من ضغوط إرهابية هنا وهناك أو في تجاهل الكثير من القوى السياسية العراقية للدور الذي يمكن أن ينهض به الحزب الشيوعي العراقي وغير ذلك من المواجهات وحتى من بعض المواقف الخاطئة المصاحبة لعمله الجماهيري الواسع .

هل يمكن للحزب أن يكون مستقبلا في وضع يؤهله أن يكون رمزا حقيقيا من رموز الكرامة الوطنية العراقية ..؟

نعم بإمكاني الإجابة بثقة على السؤال بأن الحزب الشيوعي يمكنه أن يكون في المستقبل أيضا ركنا مهما من أركان التعبير السياسي القوي للشعور الوطني والديمقراطي فالناس يحيطون الآن بهذا الحزب تدريجيا لأنه في مقدمة القوى التي تناضل من اجل أن تكون الانجازات المؤسساتية للدولة العراقية والنضال من اجل بنائها على أسس ديمقراطية يمكن التفاخر بها ، لكنني بذات الوقت أقول أن المشروع الديمقراطي الذي قدمه الحزب الشيوعي يتطلب توعية وتطوير الجسد الشيوعي كله ، قيادة وقاعدة ، حتى ولو بصورة تدريجية لكن غير بطيئة داخل أصعدة الثقافة والمجتمع والفكر والاقتصاد وانتقاء وسائل العمل الديمقراطي الملائمة والملازمة لمجمل التحولات القائمة في المجتمع العراقي .

هذا يفرض على الجميع القيام بدور هادئ ، مشترك ، لاكتشاف وسائل التحرك الجديد للمنظمات الطلابية والنسائية والشبابية والفلاحية والعمالية إذ لم تعد صور ووسائل الماضي مناسبة في ظروف تطور الرأسمالية والديمقراطية في المجتمع العراقي وهو تطور يفرض على الحزب الشيوعي ابتداع عقلانية شيوعية مرنة ومنفتحة وداينميكية قادرة على تحقيق التهيئة المناسبة لحركة الخلية الشيوعية داخل المجتمع وبين الناس للضغط جماهيريا ودستوريا على الدولة وجميع مؤسساتها من اجل تحقيق إصلاح ديمقراطي حقيقي .

إن توسيع العمل الجماهيري في هذه المرحلة شرط أساسي من شروط العقلانية في العلاقة مع الناس جماهيريا ، ومع القوى والأحزاب الديمقراطية تحالفيا . ومن المؤمل أن النجاح سيكون إلى جانب الحزب الشيوعي العراقي في تلك العلاقات والتحالفات لأنه الحزب الذي كان منذ يوم تأسيسه وحتى الآن لا يخاف من الشعب وهو الحزب الذي نال جدارة الاحترام من الشعب كله لأنه كان وما زال من اصدق دعاة الديمقراطية رغم عدم نجاته من أخطاء فادحة في مسيرة عمره الطويل .

الشيء المؤكد أن الذكرى الخامسة والسبعين تمر هذه الأيام وجسد الحزب لا يشكو علة ولا مرضا لا أيديولوجيا ولا سياسيا ولا منهجيا ولا تنظيميا رغم أنني اعرف تماما أن من الاستحالة أن يكون هناك عمل ما من دون أخطاء حتى في المختبرات العلمية لكن الحزب الشيوعي في عتبة المرحلة الماسية صار نموذجا متقدما في الحداثة الشيوعية يصغي إلى " الآخر " ويتفاعل معه مما يؤهله أن يكون حاملا المقدرة والفعالية لتجاوز كل مصاعب وأخطاء قد تظهر في معمعان العمل القادم .

أتخيل العائلة الشيوعية العراقية كلها في احتفالها الماسي بهذه الأيام قوة نابعة من الجد الأول يوسف سلمان يوسف حتى الأولاد والأحفاد الميامين في مقرات الأندلس والبصرة والناصرية والسليمانية وغيرها حاملين في أفئدتهم وبين عيونهم القيم الشيوعية النبيلة المدافعة عن الجماهير الكادحة ، وستظل وصايا الحزب الشيوعي العراقية هي ذاتها وصايا أبناء فلاسفة وقادة وعلماء وأدباء امة الرافدين .


بصرة لاهاي في  18 – 3 – 2009 

 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس