| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

السبت 16/2/ 2008



هل يتحقق حلم انتوني كوين بعد موته ..
هل يتحقق حلم ماركيز قبل موته .. ؟

جاسم المطير

أصبح من المعتاد في الإنتاج السينمائي وجود علاقة بين الرواية أو القصة وبين الطاقة التعبيرية الهائلة التي يمتلكها الفن السينمائي ، بمعنى أن أهم ما قدمه الإنتاج السينمائي منذ ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم كان مدعوما ليس بتطور التكنولوجيا الفنية السينمائية بل بالإبداع الحي للممارسة الفعلية في الإبداع الروائي والقصصي العالمي وتحويل العلاقة القائمة بينهما عبر ما يسمى بفن السيناريو إلى صناعة مهمة من الصناعات الثقافية المحظية بجماهير واسعة .

أتأمل الآن هذا الواقع بعد أن أنهيت يوم أمس قراءتي الثانية " مائة عام من العزلة " لمؤلفها غارسيا ماركيز حيث تشكلت لدي فكرة عن ضرورة تحول هذه الرواية إلى عمل سينمائي سوف تتوفر فيه عناصر النجاح من دون أي شك من وجهة المنظور الأميركي للثقافة السينمائية التي يتحكم فيها قانون الربح الرأسمالي في اغلب الأحيان .

لقد وجد الممثل العالمي أنتوني كوين ذات يوم بعيد صدور الرواية واطلاعه عليها وعلى الضجة التي أحدثتها في الوسط الأدبي العالمي ضرورة تحويل القوة الفكرية – الفنية الهائلة في رواية مائة عام من العزلة إلى ميدان السينما ليمتد فن الرواية إلى فن السينما ولكي يمارس نشطاء السينما العالمية من أمثال أنتوني كوين أفعالهم المبدعة لتوجيه النمط الاستهلاكي في السينما الأمريكية إلى نمط ثقافي إلى جانب النمط التجاري .

في سياق العروض التي قدمها أنتوني كوين إلى غارسيا ماركيز قال انه على استعداد أن يدفع مليون دولار تعبيرا عن حقوق تحويل الرواية إلى سيناريو سينمائي أو تلفزيوني فقد صرح للصحافة ، في حينه ، قائلا :

(يمكن لرواية مائة عام من العزلة أن تكون عملاً مثالياً لمسلسل تلفزيوني من خمسين ساعة، لكن غارسيا ماركيز لا يريد أن يبيعها) .

هذا ما صرّح به لمجلة إسبـانية، الممثل أنتوني كوين، الذي أضاف : " لقد عرضت على غارسيا ماركيز مبلغ مليون دولار ولم يوافق، فهو لا يريد أن ينتشر خبر تلقيه مبلغ المليون دولار، لأنه جاء لي بعد العشاء، وقال لي على انفراد : كيف خطر لك أن تعرض عليّ هذا المبلغ من المال أمام الملأ ؟ اعرضه عليّ في مرة أخرى عندما لا يكون هناك أي شاهد  ..

لكن ماركيز نفى هذه الواقعة قائلا :

الشيء السيئ الوحيد في هذا التصريح، إضافة إلى كونه طفولياً، هو أنه غير صحيح، ولأن الحقيقة هي -كالعادة- أكثر تشويقاً، فإنني أريد أن أروي القصة كما حدثت في مكسيكو، منذ نحو عشر سنوات. فصحفيو المطار، الذين أصبحوا من أصدقائي لكثرة ما نلتقي بعضنا بعضاً، قالوا لي إن أنتوني كوين قد أعلن ، من التلفزيون المكسيكي أنه مستعد لمنحي مليون دولار، مقابل حقوقي في نقل (مائة عام من العزلة) إلى السينما. وقد قلت للصحفيين يومها، ونشروا كلامي في كل مكان اليوم التالي، إنني مستعد لبيع حقوقي شرط ألا يكون الثمن مليون دولار فقط، وإنما مليونين من الدولارات : مليون لي، ومليون للثورة في أميركا اللاتينية. في ذلك الأسبوع من بداية التسعينات ، وقبل أن يلتقي بي ، ردّ عليّ أنتوني كوين من خلال التلفزيون، فقال : " أنا أعطيه مليون دولار له، أما المليون الآخر فليحصل عليه من جهة أخرى ". وقد بدا لي رده صائباً ومسلياً لدرجة أنني قبلت الدعوة اللطيفة التي وجهها بعض الأصدقاء لتناول العشاء مع أنتوني كوين. كان عشاءً ممتعاً. وكان أنتوني كوين، رغم بلوغه الثانية والستين، ما يزال يحتفظ بحيوية مندفعة، وبدا لي شخصاً لطيفاً وودوداً. وقد تحدث في كل شيء، لكنه لم يقل كلمة واحدة عن عرضه الذي قدمه في التليفزيون، وقد أراحني ذلك كثيراً. وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي أراه فيها .

هذا العرض لم يكن الأول فقد تقدم منتجون آخرون في السينما الأمريكية والايطالية والمكسيكية ولا زالوا يتقدمون حتى الآن بأفكار كثيرة لإنتاج بعض أعمال غارسيا ماركيز مثل خريف البطريق ومائة عام من العزلة .

في الواقع العملي نرى أن تجارب ماركيز مع المنتجين السينمائيين تتميز بنوع من الغرابة حسب ما يحددها هو بنفسه :

(1) يقول ماركيز أن المنتجين لا يتكلمون في الغالب إلا عن المال، ولكنهم حين تدق ساعة الجد، يصبحون جميعهم مثل أنتوني كوين : فلا تجد لهم أثراً في أي مكان .

(2) إنهم مترددون، وغير متبصرين في اغلب الأحوال . حتى أن زوجتي مرسيدس تخافهم، لأنهم يجيئون إلى الموعد الأول وهم يحملون مشاريع فلكية، فيمحقون كل ما في بار بيتنا من مشروبات ، وكل ما في البيت من مؤونة غذائية ، ويتصلون بجميع أنحاء العالم من هاتفنا الخاص، ثم لا نعود نعرف أي شيء عن أخبارهم .

(3) هناك آخرون من كبار المليونيرات السينمائية في ايطاليا وبريطانيا زاروا ماركيز وتباحثوا معه في سياق عملية روائية – سينمائية لكنهم جميعا لم يكونوا يجيدون كيفية تجاوز العقبات لتحويل النص الإبداعي الروائي إلى منتج سينمائي .

تظل أعمال ماركيز بانتظار الفرصة التي كان يأمل أن ينالها أنتوني كوين قبل موته . من يدري ربما يشملها الإنتاج التلفزيوني ذات يوم على أيدي نخبة من النخب السينمائية الجادة ذات القدرة على المشاركة في تقديم أرقى الفنون الروائية بأرقى الأساليب السينمائية كي يتحقق حلم أنتوني كوين في وضع رواية مائة عام من العزلة أمام التحدي السينمائي خلال حياة غارسيا ماركيز .


 


 

Counters

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس