| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأربعاء 14/10/ 2009

 

نوبل والأنفاس المحبوسة في كل عام

جاسم المطير

في مثل هذه الأيام من كل عام ينتظر كثير من العلماء والأدباء والسياسيين في العالم كله من يكون على متن زورق ٍ مرموق ٍ يحمل أسماء ضيوف ينالون جوائز نوبل، كي يصبحوا ضمن قائمة عظماء العالم. طبقا لمشيئة إدارة الجائزة فإن الزورق يتحرك مرة حاملا أسماء الفائزين بجائزة الطب ثم بجوائز الكيمياء والفيزياء وصولا إلى حمولته الأخيرة لجعل العالم مفتونا باسم أديب مشهور أو مغمور ثم باسم السياسي الذي شدا أنشودة السلام في العالم خلال عام كامل.
رب سائل يسأل عن الشكل التنظيمي المسؤول عن القرار، الذي يؤهل هذا أو ذاك من الموهوبين الكبار، لنيل الجائزة فأقول في البداية أن الحق الرسمي الوحيد، أعني حق الترشيح لهذه الجائزة العالمية، مقصورا فقط على أعضاء الأكاديمية السويدية وبعض المؤسسات العلمية والأدبية والسياسية الشبيهة. كما أن الحائزين السابقين على جائزة نوبل يمتلكون هذا الحق أيضا. من هنا أنا على يقين تام أن الجدير وحده يشق طريقه إلى ديوان نوبل ليخرج منه محملا بغنيمة الجائزة واضعة إياه في مكان الأقدار الحبلى بالسمعة العالمية وبتطور مكانته العالمية. اعني بالضبط أن عملية تتويج أي إنسان بجائزة نوبل لا تخضع على العموم إلى ضغوط الوساطة، بقدر ما تخضع لمواصفات الموهبة. طبعا هذا لا يعني أن الجائزة متحررة نهائيا من وثاق السياسة، خاصة وثاق السياسة العالمية التي تقف على مقربة من سواحل الدولة الكبرى المهيمنة على العالم..
في العادة، في كل عام، لا تنجو الأكاديمية السويدية من مواجهة النقد لبعض قراراتها الممنوحة لمستحقي نوبل من وجهة نظرها. بعض النقد والناقدين يأتي في مخيلتهم أن القرارات منحازة مسبقا. بعضهم يهتز ويُصدم حين يسمع باسم فائز لا يستحق الجائزة حسب وجهة نظره. بعضهم يمتد نظره باتجاه الغرب المسيطر على بعض قرارات الأكاديمية، بينما يمتد نظر البعض الآخر نحو إسرائيل أو نحو القوة المالية اليهودية العالمية، معلنا قدرتها على فتح غطاء الأكاديمية لفرض أسماء بعض الفائزين.
خلال السنوات المئة والثماني التي مرت على جائزة نوبل شهدت الكثير من الأفكار والاتهامات المبنية على حجر يرمى بوجه الأكاديمية السويدية متهمين إياها بالانحياز وعدم الحياد. غير أن الواضح أمام اغلب النقاد المحايدين والمراقبين المتوازنين، أن جوائز نوبل تتمتع باعتماد رصين على القدرات المعتدلة للمرشحين، المستندة الى المواهب والنبوغ والتفوق وخدمة الإنسانية. يمكنني أن أورد بعض أسماء عربية حازت بجدارة على جائزة نوبل (نجيب محفوظ في الآداب، والدكتور محمد البرادعي، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في السلام. كذلك حاز احمد زويل على جائزة نوبل في العلوم) يقابل ذلك على سبيل المثال منح الجائزة للروائي الإسرائيلي شاموئيل يوسف عجنون ‏(1888-1970)‏ عام ‏1966 مشاركة مع الشاعر السويدي نلي شاس‏. كما يمكن الإشارة الى أهم مظاهر التنوع في القوميات والبلدان التي ارتبط اسمها بجائزة نوبل كما يلي :
ــ الهند وحصل عليها‏'‏ رابندارات طاغور‏'‏ عام‏1913.
ــ اليابان وفاز بها‏'‏ كاواباتا ياسوناري‏'‏ عام‏1968.‏
ــ ثم تلتفت جائزة نوبل إلى الأدب الأفريقي بعد ستة وثمانين عاما فيأخذها النيجيري‏'‏ وول سونيكا‏'‏ عام‏1986.
ــ وينالها '‏ نجيب محفوظ‏'‏ عام ‏1988.
ــ كما تمنح أول مرة للأدب التركي فيأخذها‏'‏ أورهان باموك‏'‏ عام ‏2006.
هذا العام 2009 لم يخلُ من الاتهام أو من تلذذ بعضهم بالاتهام الصحفي المتسرع، خاصة ما تعلق الأمر بجائزة الأدب التي حصلت عليها الألمانية هيترا موللر وما تعلق بحصول الرئيس الأميركي باراك اوباما على نوبل السلام.
كثير من الملاحظات والانتقادات هرع إليها صحفيون وكتاب في مختلف أنحاء العالم ليحبطوا قرار منح باراك اوباما بالجائزة قبل أن يحقق أية خطوة عملية لتحقيق السلام في أي مكان من أجزاء العالم الساخن بالحروب أو بالصراع المسلح المهتاج دائما بآلاف الضحايا الأبرياء والمدنيين في كل عام من أعوام الإنسانية العالمية . بعض تلك الصراعات أو اغلبها يجري على مذابح الدماء المكرسة لبقاء الأصنام الدكتاتورية على كراسي الحكم في بلدانهم، لاضطهاد شعوبهم واستغلالها، مما دفع بعض ناقدي الجائزة الى القول الصريح أو الإيحاء عن انحياز هذا القرار وصيرورته أمريكيا. فهل صحيح رأي هؤلاء النقاد بإثارة الضجيج مجددا حول انحياز أصحاب نوبل بقرارهم نحو الرئيس الأميركي..؟
لقد فجر الفوز المفاجئ للرئيس الأمريكي باراك أوباما بجائزة نوبل للسلام حرب تصريحات حادة بين الديمقراطيين الذي أعربوا عن سعادتهم والجمهوريين الذي شنوا هجوما حادا على الرئيس وعلى لجنة منح الجائزة واعتبروا أن مصداقيتها تنهار‏ عاما بعد عام. ‏ أكدوا، أيضا، أن أوباما لا يستحق (التكريم ) لأنه لم يحقق أي (إنجازات)‏.‏ وبينما حرص بعض الجمهوريين علي تهنئة الرئيس أعرب خبراء وسياسيون محايدون عن اعتقادهم بأن الجائزة جاءت قبل أوانها بكثير وقد يكون لها تأثير سلبي علي سياسته الخارجية وليس العكس‏.‏
ثم أعرب وليام جيلاني كوب أستاذ التاريخ، عن دهشته لتكريم أوباما بمثل هذه الجائزة الرفيعة في هذا الوقت المبكر من رئاسته‏.‏ قال إن أوباما يبدو مثل الطفل الذي حصل علي سيارة بورش فاخرة بمناسبة إتمامه عامه السادس عشر وهذا أمر رائع ولكن أين يمكنه الذهاب بها أشار كوب إلى أن الجائزة يمكن أن تكون ذات أثر سلبي معوق للرئيس متسائلا كيف لحائز على نوبل للسلام أن يرسل مزيدا من القوات العسكرية لأفغانستان..؟
من الصعب جدا معرفة الجواب الصحيح حول قرار الأكاديمية السويدية وحول الرأي المعارض له، خاصة إذا ما عرفنا أن عملية الترشيح والإعداد، لمنح الجائزة الى هذا أو ذاك من الرجال أو النساء المستحقين لنيل الجائزة، تبقى سرية لمدة 50 عاما. أضيف، هنا، أن النقاد لا يقدرون أنه في بعض الأحيان أن لجنة الأكاديمية تمنح جائزة نوبل للسلام لا لقيم " إنجازية " في ما يتعلق بالسلام العالمي، بل في كثير من الأحيان تمنح لقيم " تشجيعية ". لهذا وذاك، من هذه النقطة بالذات، فأنا اعتقد أن منح نوبل للرئيس الأمريكي اوباما كان هدفه إيقاظ اوباما، وهو في أول خطواته لمعالجة لهيب أفغانستان، ليضع أفكاره وسياسته الجديدة على موضع متفرد في البيت الأبيض، للعمل على جعل فكرة السلام العالمي رهانا لنيل شرف الجائزة، خاصة وان السنوات الخمسين الماضية شهدت انطلاق الكثير من أفكار الحروب والانحياز نحوها من قلب البيت الأبيض الأمريكي ومن قاعات البنتاغون، مما دعا مقرري جوائز نوبل للسلام أن يضعوا باراك اوباما أمام إشارة عالمية جديدة لا لتحقيق الهيمنة الأمريكية على الكرة الأرضية، بل لتسطير عناوين السلام الحقيقي في العلاقات الإنسانية في كوكبنا كله، خاصة إذا ما عرفنا أن جائزة نوبل كانت قد احتجبت ست مرات خلال أكثر من قرن من عمرها، بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية.
في ما يتعلق بجائزة نوبل للآداب 2009 فقد أعلن عن فوز الكاتبة الألمانية (من الأقلية الألمانية في رومانيا ). لم يسلم القرار من النقد وعدم الرضا من بعض النقاد العرب (النقاد المصريين خصوصا ) حيث قالوا أن القرار يبرهن النظرة عن (المركزية الأوربية لجائزة نوبل ). لا بد من الإشارة، هنا، أن هذا العام شهد تنافسا متنوعا على الجائزة بين عدد من الكتاب من مختلف الجنسيات هم :
الهولندي سيسي نوتبوم. الكندية مرجريت اتوود. التشيكي ارنوست لوستيج. المكسيكي كارلوس فونتيس. الشاعر الكوري كو أون. الروائية الجزائرية آسيا جبار. الإسرائيلي عاموسي عوز. الألمانية هيرتا موللر.
من بين هؤلاء المرشحين الثمانية فازت الأخيرة موللر بجائزة هذا العام لتصبح المرأة الثانية عشرة التي تفوز بالجائزة منذ بدايتها في عام‏1901.‏
لم تتبدد بهذا القرار كل أشكال الاعتراض لدى بعض النقاد المصريين، الذين ما زالوا، في اعتقادي، يعانون من عقدة حرمان طه حسين من جائزة نوبل ــ العالم العربي على شفا الاحتفال بمئويته هذا الشهر‏ ــ الذي كان قد رشح لها مرتين الأولى عام‏1949 رشحه لها‏ " أحمد لطفي السيد‏ " كما رشح لها مرة ثانية في عام‏1950 ‏ من قبل ‏ " برنار جيون‏' " أستاذ تاريخ الأدب في جامعة القاهرة آنذاك‏.‏ تماما مثلما كانت عقدة مماثلة قد نشأت لدى بعض النقاد الروس ذات يوم عندما مات تولستوي ولم ينل جائزة نوبل.
هل كانت الفائزة بجائزة نوبل للآداب عام 2009 هي مجرد امرأة محظوظة..؟ أم أنها كاتبة من النوع الذي لها دور في الحياة الإنسانية لبلدها ولقوميتها ولنمط تفكيرها الإنساني..؟ كان النصر المتحقق ليس فقط لهذه المرأة بل لكل الكتاب الإنسانيين المدافعين عن الناس المحرومين. علينا نحن المتلقين التقدميين العرب أن نفرح وان نستبشر بهذا الفوز لسببين : الأول أن نوبل الآداب لهذا العام كان من نصيب امرأة كما في العام الماضي مما يشير الى جدارة المرأة المعاصرة وكفاحها لانتزاع مكانتها التاريخية. السبب الثاني أن اللجنة المكلفة باختيار الفائزة اثنت على أعمال موللر ووصفتها بأنها كونت في أعمالها الأدبية " أفقا واسعا لمعاناة المحرومين ".
لم أقرا لها كتابا. أظن أن ليس لكتبها ترجمة عربية حتى الآن، لكنني قرأت عنها كثيرا خلال اليومين الماضيين. أشار لها العديد من الكتاب والصحفيين في ألمانيا وخارجها أنها تملك أسلوبا آسرا أخاذا، كما أن أغلبية أعمالها متوجة بالفكر الإنساني النبيل الذي تحاول تعميقه في عقول قرائها. إنها، كما يقول عارفوها، حققت منجزات روائية استقرت في قلوب القراء. في حياة الروائية والشاعرة والباحثة موللر صفات كثيرة تجعلها مؤهلة لأن تكون لها عافية ومحبة عند قرائها، كما يقول بعض الذين كتبوا عنها، ليس فقط لأنها تملك تفكيرا عميقا يمكن إدراكه بسهولة، بل لأنها تملك عينين متسعتين تحدقان في الآماد الإنسانية البعيدة والعميقة، فقد ولدت موللر في رومانيا عام 1953 وعملت مترجمة في مصنع تابع إلى شركة هندسية عام 1976 لكنها فصلت من عملها بسبب رفضها التعاون مع جهاز المخابرات الرومانية في زمن الرئيس نيكولاي تشاوتشيسكو. لو تمعنا في الوميض الذي قدمته موللر في هذا الرفض لأدركنا في الحال الضوء الذي يزين قصصها القصيرة التي نشرتها في رومانيا باللغة الألمانية عام 1982 (يقال أنها هرّبت مجموعتها القصصية الأولى من رومانيا ونشرت كاملا في الخارج بعد أن تعرضت النسخة الرومانية إلى مقص الرقيب الحكومي ) ربما يكون هذا العمل الذي طال أولى كتاباتها قد دفعها نفسها وزوجها الى مغادرة رومانيا عام 1987 متجهة نحو البلد الأم ألمانيا، حيث اشتهرت بعد ذلك بأعمالها التي صورت فيها الأوضاع المزرية والصعبة للناس الرومانيين المحرومين من حرية القول والتعبير خلال النظام الشمولي. نشرت عملها الأول " منحدرات " بعد هجرتها لألمانيا‏.‏ وقد عملت موللر في العديد من الجامعات الألمانية وكانت عضوا في الألماني حتى عام‏97‏ عندما تخلت عن عضويتها به بعد استضافته كاتبين كانت لهما علاقة بالمخابرات الرومانية‏.‏
كما أن موللر عضو في أكاديمية اللغة والشعر الألماني‏.‏ معظم أعمال موللر تناولت الحياة في رومانيا في فترة الحكم الديكتاتوري‏.‏ وقد حصلت موللر على العديد من الجوائز مثل جائزة ريكادا هوخ‏(1987)،‏ وجائزة ماري لويز فلانسير‏(1989)،‏ وجائزة اللغة الألمانية‏(1989)‏ وجائزة دوبلن العالمية للآداب عن روايتها " حيوان القلب‏ " وجائزة فراتس كافكا‏.‏ ومن أهم أعمالها :
(1) أرجوحة الأنفاس‏ ومن المحتمل ان تكون هذه الرواية بالذات هي المتكفلة بحيثيات قرار منحها الجائزة.
(2) منحدرات‏.
(3) فبراير العاري القدمين‏.
‏(4) مسافرون على ساق واحدة‏.
‏(5) الشيطان يجلس في المرآة‏.
(6) الوطن هو ما ننطقه‏.
‏(7 ) الملك ينحني ويقتل‏.
(8) السادة الشاحبون‏.
(9) فناجين القهوة‏.
(10) عدد من المجموعات الشعرية‏.
بكل الحالات ورغم كل أنواع النقد حول الرؤية المتهمة بالانحياز للمركزية الغربية لجائزة نوبل، وهي الدافع الأول لما يوجه لها من نقد، خاصة في ما يتعلق بجائزة الآداب تبقى جائزة نوبل مغطاة دائما بكساء يزين العلماء والأدباء بوسام عالمي هو الأرفع مكانة في هذا العصر رغم أن هناك ملاحظات يقينية في أخطاء لهذه الجائزة. مثلا مات صانع رواية "الحرب والسلام" الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي (9 سبتمبر 1828- 20 نوفمبر 1910 ) والمعروف عنه، عالميا، أنه من عمالقة الروائيين الروس، من أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر. البعض يعدونه من أعظم الروائيين على الإطلاق. كما أن بعضهم الآخر يعد روايته آنا كارنينا أعظم رواية في المشهد الأدبي الواقعي ولم يكرم بهذه الجائزة ..
كما مات المهاتما غاندي المرشح لجائزة نوبل للسلام‏ (12)‏ مرة ما بين أعوام‏1937-1948،‏ لكنه حرم من الفوز بها‏ بينما نالها شيمون بيريز بسهولة..‏!‏
رغم كل ما قيل ويقال تظل كل سواحل القوميات العالمية وكل الجنسيات وكل الدول تبحث، كل عام، على الأبناء الذين يرثون بكفاءاتهم العلمية والأدبية جائزة نوبل. كالعادة، ستظل الدهشة والسرور والنقد والشك، في المستقبل أيضا، يعم عقولا كثيرة في عصرنا المتميز أكثر من غيره من العصور السابقة بأنه عصر التفكير الحر الذي يتنامى ظهوره في العلوم والآداب وفي السعي الحثيث من اجل سلام العالم اجمع وتقدم البشرية جمعاء.
وتظل جائزة نوبل تدور وتدور.
 

بصرة لاهاي في 12 - 10 - 2009
 

نقلا عن جريدة طريق الشعب العدد 47 في 14 – 10 – 2009

 


 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس