| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

جاسم المطير

 

 

 

الأربعاء 14/4/ 2010

 

في الذكرى الـ15 لرحيل الفنان عزيز علي

حماسة الأغنية السياسية الساخرة وآمالها ..

جاسم المطير

لم يحدث لنا ، نحن العراقيين ، والمثقفين العراقيين بالذات ، أن ساء فهمنا في حقيقة دور قصائد شعبية تحريضية ـ ساخرة كما حصل في الموقف من عزيز علي ومن شعره الشعبي المغنى ، الذي قدمته الإذاعة العراقية (الرسمية ) منذ بدء تأسيسها عام 1936 حتى يوم 14 تموز 1958 .

أود القول أولاً أنني سمعت صوت (عزيز علي) منذ فتوتي المبكرة قبل أكثر من نصف قرن وقد ظل هذا الصوت معي كلما سمعتُ أغنية سياسية من فنانين آخرين ، عرب أو عراقيين ، وكلما جرى حديث مع أصدقاء حول القصيدة المغناة . الحق أقول انه لن يفارقني ما حييتُ لأنه بالأساس ، رغم كل ما قيل عنه ، شعراً وأغنية سيطرا على عقلي ووجداني .

أثير هنا حديثاً متصلاً بعزيز علي من خلال ما يمثله موقف المثقفين العراقيين من اتجاهات عمله الفني وعلاقته بالسلطة وغيرها , فقد ساهم الرجل بحماس واندفاع في جهد فني وشعري دفاعاً عن الوطن والوطنيين والمناضلين جميعاً، غير انه أعترضته عقبات مهمة ومواقف متباينة ، إذ أنقسم موقف التقييم منه ومن فنه إلى قسمين : أقلية من المثقفين والسياسيين الوطنيين تدعم نهجه الفني ، وأكثرية تثير أسئلة الشك حوله حتى حول وطنيته .

في رأيي أن الحديث عن عزيز علي ، كظاهرة غنائية فريدة في أطروحاتها ومكوناتها وجرأتها ، هو بدون شك جزء من الحديث عن المشروع الثقافي الوطني كله منذ أوائل الأربعينات وحتى الآن . فهو ـ أي الحديث ـ لا ينفصل بكل حال من الأحوال عن واقع القيود السياسية والقانونية التي جبلت الوضع السياسي والاجتماعي خلال الفترة نفسها ، كما لا ينفصل عن بعض مظاهر الحرية التي أتيحت في فترات متقطعة أمام السياسيين في العهد الملكي والى ما قبل سقوطه إثر قيام ثورة 14 تموز عام 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم .

هذا بالطبع يحتاج إلى رؤية دقيقة مفصلة يتحاور فيها المثقفون حول طبيعة التكوين الاجتماعي العراقي بعناصره المختلفة بعيداً عن النظرات المسبقة وبعيداً عن الانغلاق في دوائر فكرية أو فنية أو سياسية محددة .

أنني أرى في فن (عزيز علي ) اعتبارين أساسيين مهدا لبلوغه مرحلة خاصة في علاقته بالجماهير من ناحية وبالسلطة الملكية من ناحية أخرى . الاعتبار الأول هو موهبته الفذة التي ميزته عن أقرانه ( شعره الجريْ .. اعتماده على أحاسيس الناس .. لحنه الدفاق ..) . الاعتبار الثاني هو وجوده الفني ـ السياسي في فترة شهدت صراعات حادة داخل النظام الملكي (أنقلاب بكر صدقي . مقتل الملك غازي . حركة رشيد عالي الكيلاني . صعود المطالبة الجماهيرية بالديمقراطية .. وثبة كانون 1948 انتفاضة 1952 .. ألخ) إضافة إلى وجود مشاكل مزمنة أخرى داخلية وخارجية .

كان هذا الإنسان جريئاً في محاكمة الحكام المتسلطين على الشعب العراقي ـ بالكلمة المباشرة أحياناً وبالكلمة الرمزية في أحيان أخرى ـ ليس في أشعاره حسب بل في تحويل تلك الأشعار ، بعد تلحينها ، إلى أغنيات دخلت إلى قلوب مستمعي الإذاعة العراقية .

وإذا كان شعره يحتاج إلى الكثير من التحليلات والبحوث والى وقت وجهد ، فأنني في هذه العجالة أجد مسئوليتي في الإشارة إلى ما يلي:

1) تمجيده للوطن العراقي بأغنيته (بستان) مثبتاً أنه شاعر غير عابر .

2) في أغنيته (شيطان ) تحديد واضح للحدود الطبقية التي تجعل المال ( مخرب الدنيا) .

3) في أغنيته ( ألعن أبو الفن ) كشف اضطرارية الناس إلى الصمت بسبب القمع والإرهاب، محولاً هذا الصمت إلى نوع من الاحتجاج الساخر (ما أكَدر أكَولن بغلتي ببريجي ..) مؤكداً أننا ( نمشي للوراء ).

4) في أغنيته ( مصائبنا كلها منه ) تشخيص لمسؤولية الوضع المتردي في العراق .

5) في أغنيته (برنادوت ) إدانة للصهيونية في بداية نهوضها من خلال إنشاء دولة إسرائيل .

يتواصل عزيز علي في هذا النهج التحريضي والاحتجاجي في أغانيه ( الطاوة المحروكَة . حبسونه ..الراديو .. السفينة وغيرها ) وكلها تحمل عناصر الجرأة بما في ذلك مطالبته بالحل الجذري الذي توقعه أن يحدث في فجر أحد الأيام ..!!

هذه الجرأة لم تحظ بـ " تصفيق " جماهيري لكنها حظت بـ "حب " الجماهير له ولفنه .

لم تحظ بعناية نقاد الفن لكنها حظت بهمسهم.

لم تحظ بدراسة الباحثين في شؤون الأدب العراقي ومنه الشعر الشعبي لكنه حظي بنظرات صحفية ولو أنها عابرة مجردة.

فهل كانت هذه المواقف مصنوعة بيقين أم أنها ناتج الشك العام في جراءة فنان شجاع كان يتوقع في أغانيه نفسها أن هناك من يتهمه باتهامات ظالمة وانه سيكون حديث الناس ، الحساد والخصوم ، وغيرهم ..

لم يصبح أسم عزيز علي في أي بحث من بحوث الأدب الشعبي في العراق محوراً من محاوره . وقد خلص بعض الباحثين إلى أهمية فنه وتقييمه باستحياء واضح. أو بعبارة أخرى لم ينل هذا الفنان دراسة موضوعية بعد ، أي تفكيك فنه ونقده وتحليل مؤثراته وتحديد هويته .

من دون شك إن هذا القصور هو جزء من المأزق السياسي المحيط بالأدب العراقي الحديث كله ، فلا أحد من النقاد أو الباحثين الأكاديميين يجرأ على الدخول في تفاصيل الأزمة التي أحاطت بكثير من أدبائنا بما فيهم أدباء مرموقين في عطاء خالد .

في الثمانينات نشر في بغداد كتابان عن عزيز علي لكنهما كانا من النوع الفقير الناقص الذي لم يقدم تشخيصاً سليماً وافياً لدور هذا الرائد . حمل الكتابان صفة تجارية لاستغلال فنه وشعره اللذين شهدا طلباً من القراء وخاصة من الجيل القارئ الجديد للتعرف على شخص ملأ اسمه الآفاق في تاريخ الغناء العراقي والغناء السياسي على وجه التحديد حتى أن الكتابين نفذا بسرعة مذهلة في الأسواق . منذ ذلك الحين وحتى الآن دار ويدور نقاش واسع في المجالس الصحفية والأدبية داخل العراق وخارجه ليس بمقاييس نقدية ، أنما بمقاييس التشكيك بوطنية عزيز علي كمحاولة ينقصها الوعي النقدي والسياسي.

لقد سمحت تلك المجالس لنفسها أن تتعرض لفنون عزيز علي ، منذ بداية الخمسينات ، مصحوبة باتهامات كثيرة موجهة إليه باعتباره عميلاً من عملاء النظام الملكي تارة ، وبأنه عميل للإنكليز ، تارة أخرى ، وباتهامه بالماسونية في مرة ثالثة .

استشرت الاتهامات مع مرور الزمن خلال ستة عقود مرت في التاريخ السياسي العراقي كانت مليئة بالصراعات السياسية والحزبية والثقافية . بل أقول أنها كانت مليئة بأوصاف العجز واليأس والإحباط ، مثل (نكبة 1948 في فلسطين ) و (هزيمة 1967 في مصر) و( جريمة انقلاب 1963 في العراق ) و (حروب الدكتاتور صدام حسين) ومحاولات ربط البلدان العربية بقيود العجلة الاستعمارية ،وما صاحب ذلك كله من أفكار وأقوال لتجهيل للقارئ أو السامع ولتعدم إنسانيتهما وطموحهما في خلق مستقبل وطنهما .

ما يخيب الأمل أن من يتطلع إلى صيغ غنائية عزيز علي في تلك الفترة بالذات يجد فيها من السخرية بالحاكمين الجهلة وفيها من النقد ما يشفي قلوب السامعين ، لكن الأقاويل والإشاعات ألصقت به اتهامات العمالة . حتى أصبح أسم هذا الفنان مثالاً لحديث يجمع بين الذم والمديح ، بين الإخلاص والوطنية ، في أوساط المثقفين والأدباء والصحفيين . بينما صار أسم عزيز علي حديث الناس في الشارع السياسي وفي دواوين الحكومات الملكية المتعاقبة وفي أوساط مثقفي العهد الجمهوري أيضاً بعد إسقاط الملكية ، وفي أوساط المعارضة العراقية أخيراً .

لا بد الآن أن يسأل سائل من أبناء الجيل العراقي الجديد عن السبب في اتهامه بتهم خطيرة كبرى. لماذا يتهم عزيز علي بالعمالة لعدة جهات ولماذا تصبح ، في الوقت ذاته ، أشرطة صوته وأغانيه مسموعة ، سراً وعلناً ، في بيوت الملايين من العراقيين خاصة بعد عام 1990 ..؟

أهو تناقض في الرؤية غير السليمة ، أم أنه مظهر من مظاهر فقدان التوازن ، أم هو نفاق سياسي، أم هو جزء من حقيقة محظورة ..؟

أنها مجموعة من أسئلة مشروعة ولا شك . بل هي أسئلة تثير في حد ذاتها جدلاً حول مشكلات متعددة ليس فيما يخص عزيز علي ، بل تخص الواقع السياسي كله ، الذي لم تدرس قيمته التاريخية بعد.

ما أريد أن أقوله هنا إن عزيز علي واجه تعسفاً من أعدائه وأصدقائه على حد سواء .

وما يجب تحديده هو أن التعسف في تقييم الناس خطيئة لا تغتفر.

لم يقدر أحد من أدباء العراق ونقاده ، حتى هذه اللحظة ، أن يلعب دوراً موضوعياً في البحث والدرس عن هذا الرجل الذي يحفل تاريخه بالكثير من المواقف والتضحيات ، أو حتى بالإجابة على أسئلة مشروعة كهذه ..

لقد ألتقط عزيز علي منذ منتصف الثلاثينات ، وهي الفترة الأولى المهمة من فترات تبلور الوعي الوطني في الحركة الوطنية العراقية ، ألتقط النقطة الأساسية في الوضع الاجتماعي ـ السياسي آنذاك وهي النقطة المتصلة بروح ( العناد الوطني ) التي سادت في صفوف الوطنيين ضد مشاريع السيطرة الاستعمارية على العراق في زمن صعود الفاشية الهتلرية ودخولها إلى العراق باعتبارها شكلاً من أشكال الكفاح ضد (الاستعمار الإنكليزي ) لدى الكثير ممن يعوزهم الحس التقدمي والوعي الناضج ـ آنذاك ـ في معرفة حقيقة الأهداف المتسترة وراء شعارات معينة . بمعنى آخر أن عزيز علي ألتقط حس الروح التي كانت تعارض وجود المستعمرين ومنفذي سياستهم بين مختلف الأوساط الشعبية والحزبية وبين صفوف جماهير أحزاب المعارضة العلنية والسرية .

هيأ عزيز علي نفسه كـ(فنان) وليس كـ(سياسي) لهذا الدور ، مثلما هيأ معروف الرصافي نفسه كـ(شاعر ) ومصطفى جواد كـ(لغوي) مثلما هيأ آخرون أنفسهم لأدوار مختلفة . فهل يمكن القول أن أكثر الناس انشغالا بالفن ، كتابة وتلحيناً وغناءً ، يمكن أن ينزلق نحو ( العمالة ) أو (السقوط) في موضع خطير ، وليس هناك من دلالة غير قبول إذاعة أغانيه في الإذاعة الرسمية للدولة ..!؟ أو هل يمكن الطعن بأفكار جمال الدين الأفغاني كلها لمجرد وجود إدعاءات سواء كانت مقبولة أو غير مقبولة عن ماسونيته في وقت أعتبره عشرات الباحثين ، المسلمين والقوميين ، مصلحاً بكل المقاييس ..؟

من ناحية أخرى هل من بلاغة التفكير الصحيح اعتقاد البعض بأن تخصيص إذاعة النظام الملكي جزءاً من وقتها لنشر أغنيات ــ هي في الجوهر لا تمثل إعلام الدولة ولا نهجها ــ يكفي لإدانة عزيز علي بعمالته للنظام الملكي .. ؟

أليس من نافلة القول إن ادعاءات الحكومة بالديمقراطية هي التي وفرت للصحافة الوطنية بعض الحرية ، وهي التي وفرت لعدد من الأحزاب الوطنية بعض حقوق العمل العلني المجاز ، وهي التي وفرت لشاعرنا معروف الرصافي إمكانية القول : علمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ كلٌ عن المعنى الصحيح محرفُ . وهل يمكن نسيان قصائد الجواهري وبالذات قصيدته طرطرة تطرطري التي وضعها عبد الإله على منضدته ، لمدة طويلة من الزمن ، ليقرأها أمام أشخاص يريد أهانتهم حتى لو كانوا وزراء .

أيصح بعد هذا أن تنزل فؤوس الاتهام على رأس عزيز علي الفنان الذي أستغل (الراديو) لأسماع صوته لأوسع الناس . .

من جانب آخر نواجه السؤال التالي : أليس الشعر والغناء تلزمه موهبة خاصة .. ألم يكن مطلوباً من عزيز علي أن يكون ملماً بفن التلحين كي يحسن إبداعه وانجازه ، وأن يكون ، كفنان ، يحسن المجاملة والصداقة كي يتجاوز قيوداً ثقيلة وعديدة قبل دخوله إلى مبنى الإذاعة .

إلى جوار هذا فأن الناس ( المستمعين ) كانوا يحسون عند سماعهم أغانيه إن عزيز علي يقترب منهم ومن قلوبهم بالضبط كما كان فن بيرم التونسي واحمد رامي وغيرهما في مصر يتحدث إلى الناس بصدق وحب ومودة .

لم ينتمِ عزيز علي إلى حزب سياسي معين بل غاص في أعماق الحس النقدي الساخر من الأوضاع القائمة والمتجذرة في نفوس المواطنين البسطاء وغيرهم . سيطرت عليه روح الأغنية السياسية واهباً لها حياته كلها من دون أن يجد حزباً أو جمعية أو مجموعة أدبية أو فنية مدافعة عنه أو داعمة لمجهداته الفردية في ممارسة فضح الحكومات الرجعية المتعاقبة ..

لماذا ..؟

أظن أن أحداً لا يستطيع أن يجيب على هذا السؤال من دون( حيرة ) أو (وجل).. لقد أختار عزيز علي طريق وصوله إلى أسماع الناس المعارضين للحكومة عن طريق (صوت الحكومة ) نفسه أي الإذاعة اللاسلكية الرسمية في النظام الملكي، فتأتي الحيرة هنا من أن أغاني عزيز علي تحمل الكثير من (الآمال الوطنية ) فكيف تسمح إذاعة الدولة بـ(نشر ) هذه الآمال بأوسع نطاق .

أما ( الوجل ) فيأتي هنا من خوف الكاتب الناقد المنصف بقول كلمات حق عن هذا الرجل فيصير سهم الاتهام نفسه موجهاً إلى صدره أيضاً . لا أنسى هنا تذكير القاريْ بأن مصطفى جواد والرصافي والجواهري وعبود الكرخي والزهاوي وغيرهم من مبدعي وعظماء العراق كانت أصواتهم تصل إلى الجماهير عبر الإذاعة الرسمية أيضا . يمكن الإشارة أيضاً ان هذا واقع نفسه في مصر حيث كانت الإذاعة المصرية وسيلة لإيصال أصوات رجال من خارج الحكومة المصرية أو معارضين لها تمر جميعها من الإذاعة المصرية الرسمية .

من هذه " الحيرة ومن "الوجل " أيضا حصلت إحدى المحن التي عرقلت وما تزال تعرقل البحوث الفنية والشعرية وحق التعبير عن الرأي لأنصاف هذا الرجل كما تعطل حق الرجل نفسه بتقييم مواقفه ومعرفة نهايتها .

المشكلة الرئيسية التي يجب علينا أن نبحث فيها هي : هل كان فن عزيز علي أصيلاً.. أم مصطنعاً .. هل كان فناناً حقاً أم "موظفا " صنعوه للفن ؟

في اعتقادي أن بحث هذه المشكلة يجب أن يتم قبل بحث الأسباب الكامنة وراء الصراع القائم في محاورة من يوجهون إليه الاتهامات . فإذا كان فنه أصيلاً حقاً وإذا كان هو فناناً حقاً وليس " موظفاً غنائياً " فأن جميع تفاصيل الادعاءات تسقط بعيداً . هذا ما يجب أن يجرب الباحثون التوصل إليه .

من هنا نطرح السؤال التالي : هل يوجد تعارض بين إرادته الذاتية في أغنياته وما بين أرادة هذه " الجماعة الوطنية " أو تلك..؟ بمعنى آخر هل كان شعره موجهاً ضد الوطنية والوطنيين ..؟

تستلزم الإجابة على السؤال أن يطل المجيب إطلالة متعمقة على " الديوان " الشعري ـ الغنائي الذي أعده بعض باحثون عراقيون ومنه جزء لم ينشر بعد . أنا لا أشك في أن القارئ سيجد نفسه بعد إطلالته الثقافية الخاصة أنه توصل مثلي ومثل كثير من الأدباء الذين استكشفوا مكونات المفردة الشعرية ، وجوهر المضامين الكلية لـ " القصيدة ـ الأغنية " في فن عزيز علي بأنها كانت تصب في محور الصراع القائم آنذاك ضد سلطة نوري السعيد ، وبكل الأحوال فأنه لم يكن ضد أحد من الوطنيين ولا ضد حزب من الأحزاب الوطنية .

بالرغم مما يحيط بفكرة اتهامه بالماسونية من غموض وإبهام حتى لدى متهميه أنفسهم وحتى لدى الذين وضعوه في داخل السجن لمدة تزيد على السنوات العشر ، فأن المتأمل في ماضيه ، أقوالاً وأفعالاً ، لا يجد سهولة في إلصاقها بالماسونية وأهدافها . من العسير القول أن أغانيه خدمت الماسونية لا خصومها .

في هذا الصدد لا يمكن نسيان (الأخلاقية ) الخاصة المعروفة في أوساطنا الشعبية والثقافية باستسهال توجيه الإدانة والاتهام بمجرد ظهور إشاعة معينة ضد هذا أو ذاك من الناس ( الوطنين ) حتى نجد الألسن تتناقل ما تسمعه الآذان بسرعة فائقة . وما أكثر ما يتم تناقله في هذه الأيام داخل الأوساط الوطنية نفسها حيث زيد يتهم عمرو بأشنع الاتهامات..!! .

فيما يخص تهمة الماسونية لا يمكن التعويل عليها خاصة وان تنظيمات ( الماسونية ) العراقية لم تكشف كامل أوراقها بعد . الوحيد الذي أقر بنفسه انتسابه للماسونية كان محمد فاضل الجمالي في المحكمة العسكرية الأستثانية (محكمة الشعب ) عام 1959 ـ كما أظن ـ وحتى انه دافع عن انتسابه وعن الماسونية أيضاً . لذلك فأن دراسة انتماء أي شخص للماسونية يحتاج إلى تقصٍ ومعرفة حقيقيتين ، وأولاً وقبل كل شيء ، إلى تحليل نصوص أغانيه لمعرفة مدى تطابقها مع أفكار وأهداف الماسونية .

لقد آثر عزيز علي أن يكون شعره الشعبي بملامح أساسية لتحديد العديد من المواقف السياسية وأتسم أسلوبه بالسخرية في تصوير خصوم الوطن ، الداخليين والخارجيين ، كما نجح في أسلوبه الإيحائي من خلال مفرداته الإيحائية والرمزية المكتسبة غنائية الشعر وتعبيريته مما جعله يبلغ مستوى موسيقياً ليس عادياً ، إضافة إلى احتوائها على القوة والإرادة التي تكشف تخبط " السادة القادة " في دهاليز السياسة محاولاً انتزاع اليأس من صدور السامعين .

يمكن الإشارة إلى أربع علامات في تطور الفن الغنائي لدى عزيز علي :

1) العلامة الأولى تميز فيها ناقداً سياسياً للأوضاع الدولية والإقليمية والعربية .

2) العلامة الثانية تميز فيها بمناداته بحقوق الإنسان رافضاً التمييز العنصري منادياً بحرية الفكر والمعتقد .

3) العلامة الثالثة دعوته إلى ترك الأحلاف العسكرية داعياً إلى انتهاج سياسة الحياد الإيجابي ، منتقداً جامعة الدول العربية ومجلس الأمن .

4) العلامة الرابعة تميزت بدفاعه عن الشعوب العربية الأخرى كشعب فلسطين قبل النكبة وبعدها ، وشعب الجزائر أيام ثورته من اجل الاستقلال .

هذه العلامات المميزة له ولفنه ولأغانيه لم تكن معبراً لحياة هادئة أو هانئة فقد جرته إلى أن يكون موضع ملاحقة ومضايقة ، كآلاف آخرين ، من قبل الحكومات المتعاقبة خاصة كلما تضمنت أغانيه وأشعاره نقداً تلميحياً أو مباشراً ، إلى حكومات العهد الملكي ناقداً سياسات التجاوز على بعض مظاهر الديمقراطية وادعاءات الحكام ، فاضحاً مصادرة الحريات وتعطيل الدستور ، كما أدان بوضوح دور القوى الخفية الاستعمارية اللاعبة بمقدرات البلاد.

قيل عنه أنه كان من مؤيدي حركة رشيد عالي الكيلاني واعتقل وسجن بسببها . دخل إلى السجون مرات عديدة . طرد من الوظيفة . منع من دخول الإذاعة ، خاتماً حياته بدخول السجن لمدة طويلة لرفضه مساومات الظهور على شاشة التلفزيون ممتنعاً عن كيل المديح للنظام الذي جاء به انقلاب 1968 .

لقد اخذ عزيز علي شيئاً قليلاً من فنه لكنه أعطى الكثير لمستمعيه و للشعر الشعبي الأصيل ولفن الغناء صانعاً قاعدة متينة وجميلة للأغنية السياسية الساخرة المدهشة في مضمونها المعارض .

إذا كان عزيز علي قد عاش مظلوماً في ماضيه ، فأنه يجب أن يذكر مكرماً في مستقبله . وإذا كان الفنان العراقي ، في الماضي والحاضر يبحث عن هويته ، فأن عزيز علي وجد هويته المتميزة في ماضيه ، وإذا كان قد مات راضياً بما قسمته له الحياة من دون أن يتذوق طعم نجاحاته ، فأن صوته المجلجل في بيوت العراقيين في الوقت الحاضر سيكون تتويجاً لفرصة بقائه حياً في قلوب الجماهير المتطلعة إلى الحرية والديمقراطية .

بورك القائل: أن الطيور الجميلة مكانها الأقفاص.

وبورك جهد كل باحث حين يجاهد لتحرير عزيز علي من القفص.

********
 

بصرة لاهاي في 5- 4 2010
 

 

free web counter

 

 

كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس