|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الثلاثاء  24  / 6 / 2025                                           جمعة عبدالله                        كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

بانوراما المأساة العراقية
في رواية (المرفأ المفقود) كفاح الزهاوي
(1)

جمعة عبدالله
(موقع الناس)

براعة المتن الروائي يشتغل على عوالم مختلفة , في أحلك الفترات المظلمة التي مرت على العراق , التي تميزت بالعنف الدموي المفرط ونهج الإرهاب المشدد باعلى درجات البطش , الذي يمثل قوام الدولة البوليسية الفاشية , في اطلاق العنان الى رجال الامن , في بث الرعب والخوف , كما هو في فترة حكم البعث , وتوج الى اعلى القبضة الحديدية , بعد تولي صدام حسين , وازاحة الرئيس احمد حسن البكر , وتصفية تقريبا نصف اعضاء القيادة القطرية ومئات الكوادر المتقدمة في قاعة الخلد , او في مجزرة قاعة الخلد , ولم يقتصر التصفية والابادة على اعضاء حزب البعث , الذين عارضوا اغتصاب السلطة من قبل المجرم صدام حسين , بل سبقتها حملات الاعتقالات المستمرة ضد أعضاء الحزب الشيوعي واليسار العراقي عامة , في زجهم في الاعتقالات والسجون ووضعهم تحت المراقبة الامنية , وفي ممارسة التعذيب الوحشي , التي تنتهي الى الاعدامات الفورية دون محاكمات , او محاكمات صورية سريعة .

هذه فترات الرعب البعثي , سجلت أحداثها الدقيقة في صياغة الأحداث السردية في المتن الروائي , على لسان السارد العليم (نضال) وهو يعود بذاكرته في تسلسل سيرة حياته منذ طفولته في إحدى المناطق الكردية , التي تميزت بالفقر وصعوبة شظف المعاناة المعيشية للفئات الفقيرة الكادحة خاصة , وبعدها انتقال عائلته الى العاصمة , والحياة تسير من السيء الى الاسوأ في تهجير الاكراد , وزادت اكثر وحشية في زمن البعث , في حملات تهجير , تمثلت اما رميهم في الصحراء , أو رميهم خارج الحدود , في اسلوب هجين خالي من ادنى الشروط الانسانية , بل كان هدفها ابادة القومية الكردية بكل الاساليب الفاشية والعنصرية , وتوجت بأستخدام السلاح الكيمياوي , وشن الحروب الخارجية في اعلان الحرب ضد ايران , وممارسة الارهاب بالقبضة الامنية , تنال كل مواطن لم ينتمي الى حزب البعث , او عليه شبهات بالانتماء الى الاحزاب المعارضة , حول الحياة العامة الى الرصد والتنكيل , لكل من يكون خارج أسطبل البعث .

هذا التوثيق الروائي , يمثل شواهد شاخصة في التفاصيل اليومية , كما تناولت المسائل الاجتماعية في العقلية بالايمان بالدين , والاعتقاد في الخرافات وحكايات الشياطين , الذين يجتمعون في جنح الليل في الازقة المظلمة للبيئة الفقيرة المعدمة , وفي تناول مجريات الامور المعاشية في اسلوب واقعي هادف ورصين , كما عاشها فعلياً (نضال) وتجرع علقمها المر , منذ طفولته , والى مراحل حياته الاخرى , في التفاصيل اليومية الدقيقة , التي لا تخلو من انتقاد حاد , ومنصات السخرية المضحكة والتراجيدية , اي بين الملهاة والمأساة , كما ان (نضال) شارك في خضم الاحداث السياسية والحزبية بنشاط , رغم الاخطار الجسيمة التي واجهها من قبل اعضاء الاتحاد الوطني لحزب البعث , او من وكلاء الامن , الذين وضعوه تحت مجهر المراقبة والترصد في حياته اليومية , ان معالم السرد الروائي كثيرة ومتشعبة في الشخوص المحورية , والشخوص الفرعية , هذا الكم الكبير من احداث المتن الروائي , يمكن اجمالها في خيوطها الاساسية .

1- نضال : تقمص دور السارد العليم المتكلم
نشأته في بيئة كردية فقيرة تعاني البؤس والظروف المعاشية الصعبة , تربى في عائلة كبيرة العدد (ثمانية اشقاء وثلاث شقيقات) , ترعرع تحت رعاية أمه بالحب والحنان , كانت بحق كادحة ومثابرة , وتفسر الاشياء والاحداث بذكاء وروية رغم إنها (إن أمي كانت امرأة أمية , إلا أنها كانت واعية ذهنياً , ومتنورة , مدرسة خالدة نابضة بالحياة , متسامحة , لا تحمل أية ضغينة تجاه الآخرين , كنت أصارحها بكل شيء)
ص28 , إلا أنها كان يساورها القلق والخوف على إخوته الكبار , بسبب انتماءاتهم الحزبية للحزب الشيوعي , ويصيبها بالرعب من مداهمات الحرس القومي لمنزلهم , خشية الاعتقال بعد انقلابهم الدموي المشؤوم , منذ الصغر بدأ شغفه وحبه الشديد الى عالم السينما والفن , ويواظب في الحضور في دار السينما الوحيدة في مدينته , وبعد ثورة 14 تموز أصبحت ثلاث دور سينمائية , يرتادها الناس بشغف متواصل , منذ الصغر تشبع ببعض الخرافات واساطير الجن والشياطين , التي تتجمع في جنح الليل في الازقة المظلمة , لخطف الاطفال , ويوماً وقع في إشكال صعب , مر في زقاق مظلم متجهاً الى منزله , وبدأت تساوره المخاوف والقلق من خشية اعتراضه وخطفه في المكان المظلم والموحش وهو يتبول في مكان مظلم (وشعر بالارتباك في هذه اللحظة المصيرية , وكطفل , وقع في الخطيئة , ينبغي أن يعاقب عليها, حيث أني عملت شيئاً مخالفاً للعقيدة , حين لقنتني والدتي ألا أتبول في سواد الليل , لان ذلك كما قالت : (يؤدي الى تجمع الشياطين حولي) ومع ذلك عصيت كلام أمي , بل ربما هذا العصيان , بدعوته هذا قد يلحق مصائب الدنيا وكوارثها , فكل ما يصيبنا من سوء الحظ فهو من رجس الشيطان) ص44 , لكن كظم خوفه وقلقه , وواصل تبوله , انهى مهمته بصعوبة وواصل مسيرته نحو بيته , رغم نباح الكلاب تلاحقه , لكنه شعر بأنه انتصر على الشيطان وخرافاته المخيفة , وحينما دخل البيت , روى الى أمه انجازه العظيم , في معركته الوهمية مع مخلوقات غير مرئية , نعم انها معجزة في تحدي الشيطان .

انتقلت عائلته الى العاصمة ودخل المدرسة الابتدائية , وكان يشكو من النطق العربي الصحيح , فكان محل سخرية وتندر من التلاميذ , لذلك اشتكى احد اصدقائه الى المعلم بقوله : أن نضال , طالب جديد من القومية الكردية, لا يلفظ الكلمات بصورة صحيحة , وهذا الدافع عزم على الدراسة والموظبة وتعلم النطق باللغة العربية بشكل صحيح , حتى نال التفوق الأول في مدرسته , وبعدها دخل المدرسة المتوسطة , وتلمس الفرق الكبير بين المدرسين , منهم من يؤدي مهمته الانسانية , بجدارة ومسؤولية وينال احترام الطلبة , ومنهم العكس من ذلك , يتعامل بخشونة ولا يقبل اية ملاحظة , يواجهها بالحقد والكراهية , مثل الاستاذ (فاضل) حين ابدى احد الطلبة ملاحظة , بأنه يلقي الدرس بالاستنساخ الحرفي من الكتاب , دون ان يزيد او ينقص حرفاً , فظهرت ملامح التشنج والعداء من الاستاذ , وبدأ يضرب بشكل عدواني مبرح , كأنه في حلبة تمرين لجسد الطالب المسكين , اشبعه ضرباً ورفساً في كل خلية من جسمه , كأنها صورة طبق الاصل من التعذيب الوحشي من الأجهزة الامنية البعثية , في التعذيب والرمي في احواض التيزاب للمعارضين بقيادة مجرم العصر المجرم (ناظم كزار) في قصر النهاية , والذي قتله صدام حسين شخصياً بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة .

وفي مرحلة الإعدادية بدأ حبه الشديد والطاغي في قراءة الكتب الأدبية والسياسية , اضافة الى عشقه للسينما والفن كذلك حبه في الرياضة في مجال العاب الساحة والميدان , وكذلك شارك في النشاطات الحزبية للحزب الشيوعي , رغم ان هناك الجبهة الوطنية بين الحزبين البعث والشيوعي , لكنها كانت فخ ومصيدة في تصفية الحزب الشيوعي , بفتح المعتقلات والسجون , والمتابعة الامنية في قبضتها الحديدية , وتفاقمت الازمة السياسية في عام 1979 , حين استولى صدام حسين على السلطة , في إجبار الرئيس أحمد حسن البكر على التنحي , وتصفية بالاعدام تقريباً نصف اعضاء القيادة القطرية , ومئات من الكوادر المتقدمة لحزب البعث , جمعهم في قاعة الخلد , وعرفت بـ مجزرة قاعة الخلد , لإشباع غرائزه التسلطية (كان طموحه النرجسي ان يتوج نفسه بطلاً للامة العربية , أو حتى القائد الاوحد للامة برمتها , وكان على استعداد للتضحية بأرواح الناس , ومستقبل البلاد لتحقيق أهدافه الشريرة ومن اجل الوصول الى هذا الطموح , كان لابد من البحث عن وسيلة تمكنه من تحقيق ذلك , ومن هنا بدأت معاناة الناس في تصاعد , عندما هام القائد المفدى الشروع في تنفيذ مآربه الشخصية) ص127 . وكذلك لشخصيته المتكبرة بالغطرسة المفرطة , ان يشن حرب مدمرة مع إيران عام 1980 (اندلعت نيران الحرب ضد ايران عام 1980 التي اشعلها الرئيس العراقي صدام حسين , واصرار الخميني فيما بعد على عدم وقف هذا الدمار والخراب , الذي استمر ثمان سنوات من الالم و الاذى , واودت بحياة اكثر من مليون إنسان بين قتيل وجريح ومعوق , على الرغم من كل المآسي , إلا أن صدام لم يتعظ من خسارته الاولى , بل ادخل جيشه في حرب محبطة اخرى خاسرة مع دولة الكويت , فأهلكت كاهل الدولة التي دفع العراقيون ضريبة ذلك , بسبب عنجهية وغطرسة رأس النظام , عن طريق تجويع الشعب العراقي في حصار ظالم) ص129 .

دخل (نضال) في أول مغامرة عشقية في الغرام , لكن نتائجها كانت فاشلة , في مواصلة الحب فانقطعت العلاقة بين الجانبين. وحين انهى المدرسة الاعدادية , واراد ان يواصل تحصيله الدراسي بالدخول الى معهد الطب الفني , وجد عقبة تحول دون قبوله , وهي ينبغي ان يحصل على تزكية من الاتحاد الوطني البعثي , حاول ان يقنعهم بأنه مستقل ليس له علاقة بالسياسة لكن لم يقتنعوا بكلامه , وطالبوا منه بالتوقيع على استمارة تعهد , بأنه لم ينتمي الى اي نشاط حزبي عدا حزب البعث , رفض التوقيع على الاستمارة بعدم الانتماء إلى اي حزب آخر , وإذا أخل بالتعهد , سيعرض نفسه لعقاب شديد , ورفض التوقيع بذريعة (قلت :
- ولكن تحت هذا السطر ارى الورقة فارغة , من يضمن لي انك لا تملي الاستمارة اني مديون بمليون دينار بعد مغادرتي, وانا فعلاً وقعت على الورقة)
ص154 ولكن بعد تدخلات جانبية , تم قبوله في معهد الطب الفني , لكن وضع تحت مجهر المراقبة الامنية , وعند انتهاء فترة الدراسة والتخرج , لم يجد اسمه ضمن قائمة التعيين , فتأخر تعيينه ثماني شهور , زادت تعقيدات الأزمة السياسية نحو الاسوأ , زادت حملات الاعتقال والمطاردة ضد أعضاء الحزب الشيوعي , وجاء اعتقال شقيقه (حاذق) ادرك بانه الهدف المقبل في الاعتقال , طلبت أمه ان يهرب وينجو بنفسه والدموع تغرق عينيها (- اهرب يا بني لا احتمل خسارتك ايضاً .
وأضافت :
- هذه مملكة الرعب,حكم القمع , واغتصاب الحريات)
ص226 . فاستغل الوقت المناسب للهروب من مملكة الرعب والموت .

2 - حاذق : أعدم عام 1985 .
سيرته الحياتية , أنه أصغر أشقاء (نضال) شاب وسيم حلو المعشر بين الناس والطلبة , يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً . طالب جامعي في السنة الاخيرة من كلية الطب , يتميز بمواهب متعددة , في مجال الموسيقى والرسم والأدب والصحافة , وناشط في الحزب الشيوعي, يمتلك الوعي والحكمة وصفاء الذهن , يتحمل بصبر باستمرار استفزازات الاتحاد الوطني , وكان مراقب تحت عيون رجال الأمن , ينتظرون الفرصة السانحة لنهش لحمه , كالذئاب المسعورة .خلال تصفية أعضاء الحزب الشيوعي جاء دوره في الاعتقال , لكن بحجة سخيفة , بأنه مهرب , فاحتجت أمه بالغضب في وجه رجال الأمن (أبني طالب جامعي) غيروا لهجتهم في التعامل بقول أحد رجال الأمن (- وداعتج خمس دقائق ونرجعه واخذي من هالشوارب)
ص 271 . لكن أدرك حاذق انه الوداع الاخير , صوب كلامه صوب أمه بقوله (يا أمي ... لا تفكري بي بعد اليوم) فانفجرت بالبكاء المر , وشعرت بأن السماء ملبدة بالغيوم السوداء المشؤومة , هذه تعبر عن حالة الإرهاب المفرط للدولة البوليسية (عبرت تلك الأساليب البربرية عن ايديولوجية فاشية مدمرة ترمي الى افراغ الانسان , من بوتقة انسانية وقيمة نبيلة , وجعله آلة جامدة غير قادرة على التفكير , سوى ترديد نغمة واحدة , يحيا قائد الضرورة) ص225 .

وفي عام 1985 في ليلة شتوية باردة كانت العائلة مجتمعة حول (صوبة علاء الدين القديمة) طرق بابهم احد رجال الامن وابلغهم , بأن عندهم موعد في سجن ابو غريب لمواجهة ابنهم حاذق . تيقنت الام بأن هذا الموعد المشؤوم يدل على إعدام حاذق , ولم تنم العائلة لك الليلة في هواجس الخوف والقلق , وعندما ذهبوا في الصباح تيقنوا من خبر إعدام حاذق في استلام جثته , فصرخت الام بكل شجاعة وجسارة في وجه حراس السجن بقولها (- سوف ارى عدي وقصي في هذا التابوت يوما ما يا أوغاد ؟) ص289 .

3 - سرقة المسدس من رجل الامن :
نتيجة منطقية لرد الفعل والعمل تجاه الاساليب البطش والارهاب المفرط ضد اليسار عامة . تنتج ردات فعل متطرفة نتيجة الشحن الفعل الثوري (- الحياة تعد ساحة حرب , تتطلب من الإنسان المجازفة , في اختيار خططه , وبراعته , والمجازفة لا تعني ان التجربة قد تمضي الى تحقيق الهدف المنشود, وإنما هي خطوة نحو تحقيق الأفضل)
ص132 . والتشديد على الوعي في السلوك في الاختيار اللحظة المناسبة للفعل الثوري , جرى هذا النقاش الساخن بين الأصدقاء في جلسة شرب في نادي ليلي , يرتديه ايضاً بعض رجال الأمن , خلال نقاشهم , لاحظ أحدهم بأن احد رجال الامن ترك مسدسه على المغسلة , وتوجه نحو المرافق الصحية , فانتهز الفرصة الثمينة في سرقة المسدس , والخروج بسرعة من النادي الليالي , قبل وقوع المحظور وتكون العواقب وخيمة عليهم , ولكن بعد التحري والمتابعة والتحقيقات الأمنية المتشددة , عرفوا السارق , والقي القبض عليه ومات في التعذيب الوحشي , وبدأت ملاحقة أصدقاءه والمشاركين في عملية السرقة والتستر عليها , ومنهم (نضال) لكنه أنكر علاقته به , لا من بعيد ولا من قريب , ولكن أخذ الاحتياطات الضرورية , لأنه وضع تحت عين المراقبة الامنية .

 

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter