القوات الامريكية في العراق...عقدة في المنشار!عماد رسن
هل ستبقى القوات الامريكية على أرض العراق, أم لن تبقى؟ سؤال يبدو محيرا ً للكثيرين وأولهم العراقيون طبعا ً. فلايوجد موقف موحد من هذا الموضوع, فهناك من يريد بقاء القوات الامريكية خوفا ً من الانهيار الأمني أو طمعا ً بالسلطة, وهناك من يريد رحيلها طمعا ً بالسلطة أو خوفا ً من تلك القوات. وعلى هذا الأساس تبدو المواقف كلها غامضة, ففي السر تبدو مواقف كثيرة راغبة ببقاء الامريكان وفي العلن يطلبون منها الرحيل, ونحن بإنتظار أهل الخبرة وهم الضباط الذين سوف يوصون ببقاء الامريكان أو برحيلهم, وحتى هؤلاء الضباط, فهم معرضون لضغوط سياسية في تقييماتهم التي لابد أن تكون موضوعية.
إلى الآن لا يبدو أن المشهد السياسي العراقي بحاجة لهذا الموضوع لكي يكون أكثر تعقيدا ً, فالأطراف السياسية تكفلت به وجعلت من المشهد السياسي ليس معقدا ً فحسب, بل يدور في تعقيده بدائرة مغلقة لايبدو أن فيها مخرج على المدى القريب. فلايوجد هناك حراك سياسي حقيقي منذ أمد بعيد, وماهناك إلا مناوشات بين الكتل تهدف إحداها لتفتيت أو تفكيك الأخرى. فالكل يدور دورانا ً طائفيا ً بإسم الشراكة الوطنية, وفي نفس الوقت, الكل يهدف ويعمل لتفتيت الكتل الأخرى من خلال لعب لعبة الوقت وهو الذي أدى لتأخر حسم تشكيل الحكومة لفترات طويلة والتي أعقبت جولة من التشكيك في نتائج الإنتخابات.
إذن, لا يبدو أن هناك حل في الأفق القريب, فمئة اليوم التي وهبها السيد المالكي لنفسه نفذت وبعدها ربما يصار إلى ترتيب الأوراق من جديد للدخول في تحالفات من نوع جديد بعد كسب الوقت إن كانت هناك تفككات جديدة في كتل أخرى كنتيجة للضرب تحت الحزام من الكل ضد الكل. فالوقت سيكون لصالح من يملك صبرا ً أكبر بغض النظر عن معانات الشعب العراقي. فالنهج الذي تسير عليه العملية السياسية برمتها يدل على ذلك ولاغير. خذ مثلا ً ترشيح الخزاعي لمنصب نائب رئيس الجمهورية فهو لا يفسر إلا كرضوخ لنهج المحاصصة. أو عدم قدرة السيد المالكي على ترشيق حكومته المتهرئة, أو عدم قدرته أو إرادته لتقديم المفسدين للمحاكم خوفا ً من إنفراط عقد الحكومة وبالتالي إنهيارها. فكل هذا الأسباب تجعل من المستحيل التصديق بأن الوضع السياسي العراقي سوف يتغير نحو الأحسن, بفكرة المشاركة الوطنية أو بفكرة الأغلبية.
من هنا, لابد من القول إن المشهد السياسي العراقي بحاجة لهزة عنيفة تعيد له وعيه وتجعله يراجع كل المواقف والمبادئ التي بنى عليها العملية السياسية برمتها. ولاتخلو هذه الهزة بالتأكيد من الخطورة إذا ما عرفنا أن عدم إحداث هزة سيقود حتما لإنهيار للعملية السياسية برمتها جراء زلزال كبير وليس فقط هزة بسيطة, وسيكون مصدر هذا الزلزال الشارع العراقي بالطبع, منتفضا ً تحت قيظ الصيف من عدم وجود الكهرباء. إذن, هي الهزة ما تحتاجه العملية السياسية في العراق وليس الزلزال بالرغم من الخطورة التي تصاحب تلك الهزة. وعلى هذا الأساس, سيكون رحيل القوات الأمريكية هي الهزة التي ستفاجئ الكثيرين وستعيد ترتيب الأوراق من جديد! حيث أن رحيل تلك القوات سيؤدي بالضرورة لتمكين قوى على أخرى أو سحب البساط من قوى معينة لصالح أخرى مما يؤدي إلى إعادة الإصطفافات السياسية من جديد والعودة بها إلى الحالة الطبيعية بعيدا ً عن تأثيرات الامريكان ومصالحهم في المنطقة.
إن خروج القوات الامريكية هو حل العقدة التي تعيق حركة المنشار والتي يضعها الكثير من السياسيين لأغراض سياسية خوفا ً على وجودهم متذرعين بالوضع الأمني الذي ربما سوف يسوء برحيل تلك القوات. إن وجود القوات الامريكية هو جزء من المشكلة في العراق وليس جزء من الحل. فخروج الامريكان سيخفف ضغط وتدخل إيران في الشؤون العراقية من جهة. بإعتبار أن وجود الامريكان في العراق سيعطي إيران ذريعة للتدخل في شؤونه الداخلية. ومن جهة أخرى, سينهي خروج الامريكان من العراق سبب وجود الكثير من الفصائل المسلحة والتي تتذرع بوجودها بوجود الامريكان في العراق. أما تنظيم القاعدة, فإنه سيتلقى ضربة قاصمة بخروج الامريكان من العراق بعد أن ينتهي السبب الرئيسي لوجود ذلك التنظيم, وسيحاصر في حواضنه وإن أدعى بأن الحكومة العراقية كافرة ولابد من مقاتلتها.
إذن, إن خروج الامريكان سيبعث الروح للحياة السياسية في العراق والتي تتعثر منذ سنوات والتي لا يبدو إنها أمام مخرج قريب بهذه التشكيلة والتركيبة التي تتشكل بها من جهة, وأمام ضغوط الشارع العراقي من نقص الخدمات والفساد الذي ينخر مفاصل الدولة من جهة أخرى. لكن, يبقى شيء واحد! وهو الخوف من الإنقسامات الإثنية والطائفية بعد رحيل الامريكان, لاسيما في المناطق التي تعتبر مناطق للنزاع ككركوك مثلا ً. لابد أن نفهم شيئا ً واحدا ً, وأعتقد أن العراقيين فهموه جيدا ً, وهو أن العنف ليس طريقا ً لحل الأزمات بل هو طريق لتعقيدها أكثر. فقد أصبح الشعب العراقي من كل طوائفه على قناعة تامة بأن حل مشاكله لا يتم إلا بالحوار بين الكل. ولابد أن يتحمل الشعب مسؤوليته بحل مشاكله بنفسه بعيدا ً عن التدخلات الخارجية التي لا تأتي إلا مع مصالحها الخاصة بها. فالشعب العراقي على وعي تام, بل يفوق وعيه وعي الطبقة السياسية التي تحكمه, ويستطيع أن يتجاوز العنف بعد أن مر بمراحل خطيرة منه والتي كادت أن تؤدي به.