| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. حسن السوداني

 

 

 

                                                                                     الخميس 30/6/ 2011

 

عيون الميدوزا(1)

فكرة الاحتجاج

د. حسن السوداني

لم تمر فترة شهدت زخما من الاحتجاجات كالفترة التي نمر بها الان وبالتحديد في مناطقنا العربية التي غالبا ما شهدت زخما من اللاإحتجاج رغم رداءة الاوضاع وحجم الظلم المنتشر هناك وربما مرد ذلك الى براعة الانظمة الحاكمة في زراعة الخوف بكل اشكاله وطرقه وزواياه!! ولان الظاهرة جديدة تستحق التأمل والقراءة الهادئة للصورة التي افرزتها تلك الاحتجاجات التي  عبّرت بشكل واخر عن طبيعة المحتجين في انتاج شكل الاحتجاج.. فقد تسابق المصريون في ادخال روح النكتة في مجمل المظاهر الاحتجاجية, وتراوحت الاشكال التعبيرية بين التونسيون واليمنيون والبحرانيون والاردنيون والليبيون والمغاربة والجزائريون متراوحة بين التفرد في التعبير الاحتجاجي او التقليد للطريف من غيرها او متعبة المنهج الشائع في الاحتجاج ومستخدمة الادوات نفسها.. لكن الاحتجاج العراقي يأخذ صفة مغايرة ينقسم "عادة" مراقبوها بين التأييد شبه المطلق او الرفض شبه المطلق وكل فريق يسوّق ادلته الجامحة التي تنظر الى جرف المشهد ولا تقترب من النهر في اغلب الاحايين . وفي هذا السياق تبرز لنا ثلاثة اشكال احتجاجية عراقية التحقيق احدها اخذ بعدا دوليا والاخر عربيا ومحليا واخرهما محليا بحتا يمكن تناولها هنا كجزء من مناقشة هادئة بعد ان سكن التداول بها اعلاميا وبقت  في ساقية التناول البحثي.

1\حادثة منتظر الزيدي الاحتجاجية:-

شغلت هذه الحادثة الاحتجاجية العالم بأسره فقد تناولتها وكالات الانباء ونقلت صورها على اغلب الشاشات الفضائية وادلى الالاف بارائهم المتضامنة في اغلبها مع الفعل الاحتجاجي او الرافظة له, ومن تلك الاراء المؤيد "جدا" ما كتبه  الشيخ احمد الكبيسي " ان منتظر الزيدي قام بمعجزة لا يقوم بها إلا عراقي ، فمنطقة محصنة تحصيناً كاملاً ، نزل فيها بوش والجيوش الأميركية تحيط بها من كل مكان ، والقاعة التي يخطب بها بوش محروسة بالالكترونيات وبكل انواع الحراسة ، هذا الرجل ، هذا الشاب نذر نفسه لله وخلع الحذاءين وقال له : يا كلب ، وضربه على وجهه والأخرى بالعلم ، فسقط الاحتلال بالكامل" ومن بين الاراء المؤيدة ما ذهب اليه الفنان العربي حسين فهمي حيث قال"  إن قذف الصحفي العراقي منتظر الزيدي بوش بحذائه في بغداد، "صار رمزاً لوطن ثار ضد الظلم والقهر". اما الفنان العراقي كاظم الساهر فقد تحمس للقول " لو كنت مكانه لفعلت نفس الشيء ولضربته ألف حذاء". في حين جاءت الاف من الاعتراضات على ذلك التصرف  وفيها من الانفعال اكثر من تلك التي وردت في التأييد ولكنا هنا نحاول ان نأخذ   رأيا علميا للبرفسور العراقي  قاسم حسين صالح الذي قال " ماذا لو تصرف الزيدي هكذا:-( يا سيد بوش ..ان قواتك العسكرية أهانت العراقيين وأذلّتهم .فجنودك صفعوا وجه أكثر من وزير ..وجنودك عرّوا العراقيين وجعلوا مجنداتك يتفرجن على عوراتهم في سجن ابي غريب . وجنودك بطحوا على الأرض أعزّة قومنا وداسوا على رؤوسهم بأحذيتهم ..وأنه لمن السهل عليّ الآن أن أمد يدي الى حذائي وأرد لك الاهانه بوصفك رئيسهم الأعلى ..ولو لم تكن في بيتنا، مع أنك لست ضيفنا .. لفعلتها ....). الا يكون مثل هذا التصرف أبلغ وأوجع !!  

ولو تفحصنا الاراء المؤيدة للفعل الاحتجاجي لوجدناها ضربت بعرض الحائط كل القيم الاخلاقية والاجتماعية للسلوك وانتصرت للفعل بذاته دون الغور في متن الحدث ذاته او الصورة التي يمكن ان يخلفها.. وهي "اي تلك الاراء" سيكون لها مغايرة شبه كاملة لو كان التصرف ضد زعيم عربي مثلا .. ربما ستقوم حرب او قطع للعلاقات الى يوم الدين رغم ان العديد من الحكام العرب يستحقون ان يضربوا بانتاج معمل كامل للاحذية!! فليس مهما ان يقتل العرب بايدي قادتهم وهناك من الفقهاء والسياسيون والفنانون من يلهجون بحمده ويقبلون اثار اقدامه ويعتبرون المقتولين "بؤرا" تأمرية تستهدف الوطن والقائد المفدى..!! ترى ماذا لو راجع منتظر الزيدي موقفه بشكل هادئ هل سيهدي ذلك الفعل الاحتجاجي لعيون الميدوزا؟  ربما

2\ حادثة هناء ادور الاحتجاجية:-

وقعت هذه  الحادثة خلال مؤتمر منظمات المجتمع المدني وبطلتها الناشطة المدنية هناء ادور رئيسة منظمة الامل والناشطة في مجال حقوق الانسان في العراق والتي خاطبت فيها  رئيس الوزراء نوري المالكي  بلهجة شديدة وقالت له "اين حقوق الانسان التي تدعيها الحكومة واين المعتقلون الشباب" وتوالت ردود الفعل على تلك الحادثة بمختلف وسائل الاعلام المحلية العربية وانقسم المتناولون للحادثة بين رافض ومؤيد ومن تلك الاراء ما كتبه  مهند الحسني وهو شخصية غير متداول اسمها اعلاميا بالقول "ولو عملنا مقارنة بسيطة بين ما جرى لايمان العبيدي المواطنة الليبية من اعتداء سافر من قبل القوات القمعية لمجرد أنها تكلمت عن حقيقة ما حصل لها من اغتصاب واعتداء وامام اعين ومسمع وكاميرات الصحافة الغربية ، وما بين ضجيج وصراخ هناء ادور وكيفية التعامل معها وبكل ادب واسلوب حضاري ,, سنعلم جيدا من خلال هذه المقارنة مدى مساحة الحرية المتاحة اليوم لنا كعراقيين نسبة لباقي دول الأقليم وللماضي ايضا " في حين ذهب الصحفي العراقي عدنان حسين الى ادانه الفعل بشكل خفي بالقول "وأكثر ما يعيب رئيس الوزراء أو أي مسؤول كبير في النظام أن تتردى أوضاع البلاد الى الحد الذي لا تجد شخصية وطنية معروفة وناشطة حقوقية مرموقة، مثل السيدة هناء أدور، أسلوباً للاحتجاج والشكوى إلا بالشكل الذي جرى أول من أمس " فهو غير راض بالمرة على الاسلوب الاحتجاجي لكنه يدين الاوضاع التي " اضطرت " الناشطة لسلوك ذاك الفعل الاحتجاجي في حين ذهب صحفي اخر" عماد العبادي   "الى اعتبارها عملت فعلا خارقيا بالقول "لقد وقفت موقفا لا يتحمله التاريخ ..وينحني امامه اجلالاً وافتخاراً.. لم تدافعي عن الاربعة فقط .. بل دافعت عن الاف المعتقلين الابرياء في سجون المالكي السرية.."

وبين مئات اخرى من الاراء تبرز لنا اسئلة اخرى منها " هل كان هذا الفعل الاحتجاجي هو اخر اشكال الاحتجاج لدى الناشطة المدنية ام هو امر دبر بليل, وهي تعلم جيدا ان الخصوم السياسيين للمالكي سيستثمرون الحدث لصالحهم على طبق من فضة! ماذا لو طلبت الناشطة السماح لها بالحديث بطريقة تعكس فكر ونشاط وادب المنظمات المدنية بالمقارنة بما تفعله المنظمات الحكومية او البوليسية! هل الصراخ والثرثرة طريقة للبحث عن ردود فعل مشابهة كي تستثمرها ايضا؟ ترى ماذا لو راجعت هناء ادور موقفها بشكل هادئ هل ستهدي ذلك الفعل الاحتجاجي لعيون الميدوزا؟  ربما

3\ حادثة الشاعر سعد محمد الحسن الاحتجاجية:-

حدث هذا الفعل الاحتجاجي اثناء انعقاد مهرجان للشعر الشعبي العراقي في محافظة ذي قار العراقية حين اقدم محافظ المدينة وراعي الاحتفال بتجاهل يد الشاعر الممدودة اليه بطريقة تجافي القيم العراقية والعشائرية المتعارف عليها في المجتمع العراقي وبطريقة تنم عن تعالي وتكبير لمسؤول محلي  يمثل واجهة سياسية اوصلته لوظيفة المحافظ.

الموقف الاحتجاجي جاء مغايرا للفعلين الاوليين فقد ارتقى الشاعر المنصة المعدة لالقاء الشعر وشرح بهدوء ما حدث وختم شرحه ببيت شعر اوضح فيه انه لم يبحث يوما عن الوجاهة وانما الوجاهة هي التي احتاجته وبحثت عنه ، وقال ان فعلي الاحتجاجي هو ان تسمحوا لي ان اغادر القاعة, بعدها تدخل منضموا الحفل لاعادة الشاعر بعد ان قدم المحافظ تفسيرا بائسا لتجاهله يد الشاعر ليقدم مجموعة من قصائده التي تحث على الالتزام بالاخلاق والاعراف والقيم لمن يريد ان يكون مسؤولا بدلا من الترفع والتعالي على الاخرين وكانت القصائد تقاطع بتصفيق حاد من جمهور الاحتفال.

ولو عقدنا مقارنة بين الفعلين الاحتجاجيين السابقين والفعل الاخير لواجهتنا  عدد من الاسئلة ايضا منها:- هل الحكمة التي صدرت عن هذا الشيخ وحصدت كل تلك الردود المرحبة والتي تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي بطريقة متنامية وفائقة السرعة قد تغلبت على التجربة السياسية الطويلة للناشطة المدنية وعلى اساليب العمل الصحفي للمحتج الاول, وهل كان فعل هذا الشيخ قد اعطى درسا لذلك المسؤول الناشئ في الاخلاق والتربية ومنه الى الاف الذين تابعوه واعجبوا بما قاله, اي بمعنى اخر هل احدث الفعل الاحتجاجي بعدا تربويا واخلاقيا ام بعدا يحرض على العنف  والكراهية؟ ترى من سيقف امام عيون الميدوزا.. ذلك الشيخ ام المسؤول المتسلق على اكتاف الجماهير التي صفقت للشيخ؟



 

free web counter