حكمت مهدي جبار
الجمعة 31/12/ 2010
دور المؤسسة التربوية في تأسيس ثقافة المجتمع
حكمت مهدي جبار *
تحتل المؤسسة التربوية مكانة مهمة وخطيرة في حياة الأمم والشعوب .ذلك لأنها هي المسؤولة عن تربية النشئ الجديد وصقل شخصية الأنسان في مختلف مراحل عمره. وتعرف التربية بأنها (1) هي نظام اجتماعي يحدد الاثر الفعال للأسرة والمدرسة في تنمية النشء من النواحي الجسمية والعقلية والاخلاقية حتى يمكنه ان ل يحيا حياة سوية في البيئة التي يعيش فيها. وأذا كان المجتمع البشري يقوم غريزيا في دوامه وتواصله في الحياة ويتوقف على صفة بيولوجية هي صفة التناسل.فأن ذلك التناسل لا بد له من تنظيم وتشذيب وتثقيف وحماية الانسان من وحشية الطبيعته ومن ثم اشعاره بأنسانيته من أجل وضعه كفرد في مجتمع قائم على روبط وحدة المكان والزمان والثقافة وما تتضمنه هذه الوحدة من علاقات متبادلة ومصالح مشتركة. أن مفهوم الثقافة لا يستعمل فقط للدلالة على النتاج الفكري كالأدب والفن والشعر والرواية . ولا يتوقف على تهذيب الشخصية وصقلها ,انما هي عبارة عن (كم هائل من الادوات والافكار والانظمة والاساليب والتقاليد والاعراف والقيم وطرق المعيشة والتفاهم والعلاقات الاجتماعية والنظم الاقتصادية والسياسية) ولكن ليس كل فرد متعلم يكون بالضرورة مثقفا, فكثير من المتعلمين لم تغادرهم السلوكيات السيئة ولا العادات البذيئة من تملق ورياء ونفاق وكذب وسرقة الجهد الوطني والتحايل والخداع والصعود على اكتاف الآخرين.وهنا تلعب (التربية) دورها في (تثقيف المتعلمين) .فكم من حملة شهادات لازالوا على همجيتهم . وكم من حملة درجات علمية لازالو غارقون في التعصب والطائفية والفئوية وفي النفاق الاحتماعي وعدم احترام الحياة والأستهتار فيها..لذا فأن أستمرار ثقافة المجتمع وبناءه انسانيا واخلاقيا واجتماعيا لا تتم الا بـ (التربية).. وهكذا فأن التربية هي (2) عملية نقل تأريخ وحضارة وتراث الأنسان, وتحسين كل تلك المظاهر الثقافية على مر الاجيال , بمعنى ان (التربية) هي التي تقدم ثقافة المجتمع لأبناءه الصغار وتشكيلهم على نحو يجعلهم قادرين على أن يكونوا حملة هذه الثقافة . وبدون هذا التقديم تضمحل الثقافة وينحط المجتمع الى مستوى مجموعة من الحيوانات .
لقد عانت المؤسسة التربوية في العراق من مشاكل وأمراض شتى . طيلة فترات تعاقب الأحتلالات والحكومات التي تشكلت تحت ظلها.منذ هيمنة الخرافات العثمانية ونظام تعليم الملالي وفوضى الاحتلال الأنكليزي وثقل ثقافةالحكم الملكي وتحجر مؤسساته التعليمية مرورا بأنظمة الجمهوريات المؤدلجة بأفكار الأحزاب وتجييرها لصالح الرئيس الواحد والنزعة الفردية الدكتاتورية.. وأذا كان الفيلسوف جون ديوي (3) قد عرف التربية بأنها :المؤسسة التي تشتمل على جميع الآثار التي تتركها الطبيعة والمجتمع بما فيه من تعليم مدرسي وصحافة واذاعة وصلات عائلية وتقاليد اجتماعية وعقائد دينية وسياسية في الافراد الذين يتعرضون لآثارها فتتجلى في مظاهر سلوكهم وفي تكوينهم الفكري والعاطفي والاجتماعي . فأن الفرد العراقي أبن تقاليد اجتماعية وعقائد دينية وسياسية تأثرت بالظروف التأريخية المليئة بالأحداث والصراعات والمنازعات بمختلف اشكالها فضلا عن تركيبته العشائرية المنحدرة من اصول متوزعة بين البداوة والتحضر والريف مع ولاءاته وأنتماءاته للمذاهب الدينية وطوائفها المتعددة.كل تلك المظاهر والسمات تركتها طبيعةالمجتمع العراقي على الفرد العراقي فكان وليدا شرعيا لتأريخ مزدحم متراكم بوقائع وحوادث عظيمة جعلت منه أن يكون انسانا يحمل عنوان (عراقي) ذلك العنوان الذي هو خلاصة انسانية مشتعلة ملتهبة بالاحداث والمتناقضات والصراعات (اجتماعية ونفسية فردية وجمعية ) انعكست على جميع صور الحياة لتعني الشيء الكثير.لقد أعتبرالبعض من ان الفرد العراقي نشأ في بيئة محملة بالكثير من المتناقضات مما اثر ذلك على (تربيته) منعكسا على سلوكه في الحياة بمختلف صعدها الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها, حتى صار انسانا (مزدوج التفكير والشخصية) فهو انسان ملتزم جدا بالقيم الى حدالمثالية ولكنه من جانب آخر اكثر اناس ابتعادا عن تلك المثل.وكذلك تأثر الفرد العراقي بطبيعة حياته المليئة بالمتناقضات بسبب التكوين الطبقي للمجتمع . فالعراق (4) كان من اوائل الاقطار في العالم التي نشأت فيها طبقتان : طبقة حاكمة وطبقة محكومة.أي غالبة ومغلوبة وذلك بالتأكيد يؤدي الى نوع من الصراع والنزاع بين الطبقتين اثرا بدورهما في شخصية الفردالعراقي تأثيرا بليغا , فالفرد العراقي اصبح مضطرا ان يقتبس نوعين من القيم الاجتماعية بل يقلد طبقتين من الناس . فتراه مرة يقلد طبقةالاقوياء ومرة يقلد طبقة الضعفاء.أي انه يؤمن بالغلبة ويفرح بها ويتباهى مرة ثم تراه يأن من سوء حظه وخيبة امله مرة ثانية.وذلك ماجاء في مؤلفات عالم الاجتماع العراقي الدكتور المرحوم علي الوردي بينما اعترض البعض على اراء الوردي واعتبروها انتقاصا لشخصية الفرد العراقي واساءة الى تاريخه المجيد في التحضر والتمدن الانساني.لاسيما السياسيون واصحاب السلطة في مختلف مراحلها التاريخية, والذي يسعون دائما للتمجيد بالفرد والمغالاة في طبيعة شخصيته ليكون رقما يضاف الى رصيدهم الانتخابي او اداة لتحقيق المصالح السياسية.فالسياسيون لايهمهم التناول العلمي والموضوعي والمنطقي في دراسة وتحليل شخصية الانسان اجتماعيا ونفسيا وثقافيا انما المهم هو ان يوجد الانسان كوسيلة . فالكثير اعتبر إن سرّ وعظمة وعمق هذا الانسان العراقي في انه (( مزدوج الشخصية )) وهو لايمكن الا ان يكون انعكاسا لهويته الحضارية بكل تناشزاتها الطبيعية ، وتناقضاتها التاريخية ، وازدواجياتها التربوية ، والا لم يكن ابنا او وليدا شرعيا لهذه الحضارات ، ومنبتا حميدا من داخل هذه الارض وكل انسان ربما يعيش في الاطارالاجتماعي الداخلي للمجتمع العراقي ولايحمل في سلوكه ازدواجية تعكس على الاقل صور سبع حضارات عراقية ، فهذا الانسان اصلا يكون مشكوكا في عراقيته، فالعراقي هو الذي يمارس السلوكية كظاهرة فردية في اعلاها طيبة ونقاء مدن سومر وهدوئها وابداعها وابتكارها وفي الراس منها وحشية وعنف وصلافة وغدر مملكة الاكد السرجونية ، وفي الصدر منها شموخ وعزة وجمال بابل وجنائنها المعلقة........ الى الوصول الى نهاية جسد الانسان العراقي وهو يحمل الحضارة الاسلامية بكل مابها من سمو اخلاقي وصرامة شرعية وتصوف ووجد وشجاعة وتضحية واباء ،فضلا عن بكاءه وافراحه واحزانه وابتهاجه ...، وماالى هنالك ،من بصمات تركتها الحضارة الاسلامية الاخيرة على شخصية الانسان العراقي من جهة ، وساهمت في تعميق ازدواجية شخصيته الفردية من جانب اخر !! فأطلقوا على الانسان العراقي بأنه انسان حيوي فعال متجدد مبدع منتج متعدد الثقافات والمعارف تتأجج فيه دائما روح الابداع والبحث والكشف المتواصل لأسرار الحياة من اجل بناءها من جديد.لذلك ازدحم تأريخه بالأحداث والوقائع فصار (امة حية) ما ان تمر بمحنة سرعان ما تنتصر عليهاوما ان تتجزأ بسبب ظروف معينة سرعان ما تعود لتتوحد.فرغم كل تلك المتناقضات والصراعات التاريخية والحروب والنزاعات التي سالت فيها الدماءوعمدت فيها الرموز فأن العراقي بقي يشعر بأن العراق واحد ارضا وشعبا وحضارة تجمعه وحدة التنوع ووحدة الاختلافات , وما المتناقضات الا اسبابا في وحدته ..هنا تقف امام المؤسسة التربوية العراقية امورا شتى يجب ان تؤخذ بالحسبان .وأن تبذل كل جهودها لوضع (خارطة جديدة) لبرنامج يستوعب كل سمات وطبيعة وملامح الحياة العراقية ونمط الشخصية وسلوكياتها وذلك من خلال توظيف جميع اوجه العمل التربوي وتفعيل دور المؤسسات فيه وفق خطط علمية ومعرفية مدروسة.أن مسؤولية (رجل التربية ) اكبر من مسؤولية أي رجل مسؤول آخر.بل هي مسؤولية الجميع مهما كانت مناصبهم ومراكزهم ومواقعهم.فهي مسؤولية الأب والأم وألأخ ورجل الدين والمثقف والعالم ورئيس الدولة والقائد العسكري والفيلسوف والمفكر والفنان والشاعر .نعم انها المسؤوليةالجماعية الكبرى والتي لا تسبقها اخرى.ذلك لأن صناعة الانسان وتنشئته لهي مهمة عظيمة تتطلب تعبا وعناء ومشقة اكثر من صناعة الآلة وبناء المدن وتشكيل الحكومات وتشريع القوانين ووضع السياسات ..لقد بقيت العمليةالتربوية طيلة سنوات ماضية بلا منهج ولافلسفة تتحدد فيها ملامح مجتمع يراد له ان يكون جديدا متحضرا معاصرا متجددا يشعر فيه العراقي بوجوده الانساني المحترم .أن فلسفة تربوية وطنية خالصة تحدد الهوية والسمات للعملية التربوية في العراق لم تشهدها كل الحقب التاريخية ولحد الآن.وذلك بسبب عدم استقرار الوضع السياسي وثبات الحكومات ومنه عدم دائمية دستور متكامل يضمن وجود دولة تقوم على اسس وطنية ثابتة تسير عليها أية حكومة تأتي. فكل وزارة تستلم او تستولي على الحكم بطريق واو بأخرى تغيير ما كان عليه السابقون وتأتي بشيء جديد آخر. ولأن الفلسفة التربوية هي من فلسفة الدولة , وبما ان الدولة العراقية مزدوجة الشخصية وقلقة فأن النتيجة هي عدم ثبات فلسفة معينة تتضح فيها السمات الوطنية بكل ما يتسم به الشعب من خصائص تاريخية واجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية. ذلك ان لون التعليم كما هو واضح يتم في مجتمع ذي ثقافة تحددها ظروف المكان والزمان ,والمجتمع بثقافته وزمانه ومكانه يشكل الى حد كبير لو التعليم ،التعليم الذي يوجد فيه ويوجهه .كما وان التعليم بدوره يلعب دورا كبيرا اذا احسنت ادارته في توجه المجتمع الوجهة المرغوب فيها الى مستقبل افضل.
وصحيح ان واجب التعليم لم يتوقف فقط على عناصر العملية التربوية من معلم ومنهج ومدرسة ومكملات اخرى انما تشترك فيه الاسرة والبيئة والمجتمع والاقارب والكتب ووسائل الاعلام والتي لعبت دورا واسعا وخطيرافي التأثير على العقول من خلال الثورة المعلوماتية الهائلة التي اجتاحت العالم.
أضافة الى مؤسسات الدولة الاخرى الأدارية والتشريعية والتنفيذية.. غير أن (المؤسسة التعليمية) تمتاز عن سائر تلك المؤسسات بأن مهمتها الاساسية وكأختصاص ليس فقط(التعليم).انما يضاف لها (التربية) لذا فهي (تربية وتعليم) وكذلك هي (تثقيف وتعليم) لذلك وحسب طبيعة واجبها فأنها هي التي تنشئ المدرسة وتوجد المعلم والمدرس وتوضع المناهج وتخطط للبرامج والسياسات التربوية , مع الأخذ بنظر الاعتبار أهمية الترابط الشديد والفعال بين التعليم والمجتمع بكل مؤسساته ومنها المؤسسة الثقافية..
28 - كانون الأول- 2010..
1 – المدرس ...تأليف مجموعة من الاساتذة في جامعة القاهرة....مكتبة لاالانجلو المصرية..1974.
2 – نفس المصدر.
3 – جون ديوي ..تأليف الدكتور ـ نوري جعفر ـ طلعة اولى ـ 1952.
4 – شخصية الفرد العراقي ـ الدكتور علي الوردي ـ الطبعة الاولى ـ 1952
* تربوي