إلى أي مصير تقودون العراق وشعبه ؟
حامد الحمداني
يتصاعد التدهور الأمني في العراق بشكل خطير، وتتعمق الأزمة
السياسية جراء الصراع الذي تخوضه الأحزاب الدينية الطائفية الشيعية منها
والسنية على حد سواء ، بالإضافة إلى القوى الموالية للنظام الدكتاتوري الصدامي
المسقط عن السلطة ، وعناصر القاعدة التي يحتضنها البعثيون أعوان صدام حسين ،
ويوفرون لهم كل ما يلزم من مأوى وسلاح وأموال وتوجيهات لتنفيذ جرائمهم البشعة
في البلاد ، وتتصاعد المحنة القاسية التي يعيش في ظلها الشعب بشكل رهيب ، مما
حول حياة المواطنين إلى جحيم لا يطاق، بعد أن استشرت جرائم التفجيرات ، والخطف
والقتل على الهوية والاسم ، والتهجير تهديداً بالقتل ، على خلفية الانتماء
الطائفي الشيعي والسني ، وعلى خلفية الانتماء الديني ، كما هي الحال تجاه
المواطنين المسيحيين والصابئة والأيزيدية، وعلى خلفية الانتماء العرقي كما هي
الحال مع المواطنين الأكراد والتركمان ، مما اضطر جموع غفيرة من هؤلاء
المواطنين إلى ترك مساكنهم ، وأعمالهم ومصالحهم ومدارس ابنائهم، هرباً من الموت
الذي يترصدهم على أيدي القتلة من العناصر الطائفية المجرمة ، من الطائفتين
الشيعية والسنية على حد سواء ، وعلى أيدي العصابات البعثية المجرمة الموالية
للنظام الصدامي المقبور ، وعلى أيدي عصابات الجريمة المطلق سراحها من السجون من
قبل دكتاتور العراق صدام قبيل إسقاط حكمه الكريه .
إن الهجرة الجماعية التي يشهدها العراق اليوم تمثل كارثة إنسانية كبرى ، حيث
يعيش المهجرون حياة قاسية لا مثيل لها ، يهيم جانب منهم في شوارع عمان ودمشق
والمدن السورية والأردنية الأخرى ، والجانب الآخر في المدن العراقية التي تظم
أكثرية من تلك الطائفة في حالة مزرية ، وجانب ثالث يمتلك الإمكانية المادية ،
ويدفع مبالغ طائلة للمهربين بغية الوصول إلى دول اللجوء في أوربا وأمريكا .
وتمارس الميلشيات الموالية لإيران جرائم القتل بحق الضباط في الجيش العراقي
السابق ، والطيارين بوجه خاص ، وكذلك أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين ،
الذين يمثلون ثروة البلاد العلمية التي لا غنى عنها ، مما اضطر أعداد غفيرة
منهم إلى الهجرة خارج العراق ، حيث شكل خسارة جسيمة للعراق لا تعوض .
وفي ظل هذه الظروف القاسية والمعقدة والتي تهدد بانتشار الحرب الأهلية القائمة
اليوم على ارض الواقع تستمر أزمة إكمال تشكيل الحكومة العراقية التي ستحكم
العراق في السنوات الأربعة القادمة ، وتعيين وزيري الدفاع والداخلية اللذين
سيتولان المهام الأمنية في البلاد ، حيث تتنازع الأحزاب المشاركة في الحكومة
فيما بينها على هاتين الوزارتين ، تاركين البلاد في حالة من الفوضى التي لم
يشهد الشعب العراقي مثيلاً لها من قبل . .
ولا شك أن وصول العراق إلى هذه الحال هو نتاج مباشر للسياسة الخاطئة التي
اتبعتها سلطة الاحتلال بعد إسقاط النظام الصدامي الفاشي ، وتشجيعها للطائفية
السياسية من خلال تشكيلها لمجلس الحكم ، والحكومات التي تلته ، ومن خلال
الانتخابات التي أفرزت هذا الانقسام الطائفي الذي نشهده اليوم ، ومن خلال
الدستور الذي كرس الطائفية المقيتة ، مما أوصل البلاد إلى هذا الاستقطاب
الطائفي الحالي الذي ينذر بتوسع وانتشار الحرب الأهلية الطائفية في عموم البلاد
، وهذه السياسة والإجراءات الأمريكية لا تتفق بكل تأكيد مع الادعاءات الأمريكية
بتحقيق نظام ديمقراطي في العراق يكون نموذجاً يحتذا في الشرق الأوسط ، فقد جاءت
تلك السياسة ، وتلك الإجراءات بهذا النموذج البائس الذي يشهده العراق اليوم ،
وهو يمثل ليس فشلاً ذريعاً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وحسب ، بل وجلب
الكراهية للولايات المتحدة في المنطقة العربية من الصعب معالجته .
إن الحكومة العراقية بوضعها الحالي ، حتى لو تم الاتفاق على تعيين وزيري الدفاع
والداخلية ، فإنها لا تبشر بعودة الأمن والسلام في البلاد طالما جرى تأليفها
على أساس المحاصصة الطائفية أولاً ، وطالما تمتلك الأحزاب الطائفية الشيعية
منها والسنية المليشيات التي تصول وتجول في سائر مناطق العراق ، ترتكب الجرائم
الوحشية بحق أبناء الشعب الآمنين ثانيا، مما حول حياة المواطنين إلى جحيم لا
يطاق .
إن على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في مجمل سياستها وإجراءاتها في العراق ،
وتعالج نتائج تلك السياسة الخاطئة ، والإجراءات الكارثية التي اعترف بها كل من
الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير في لقائهما الأخير في واشنطن .
وفي اعتقادي إن الشعب العراقي في وضعه الحالي ، والذي لم يشهد أو يمارس
الديمقراطية خلال تلك العقود السوداء من حكم طاغية العصر صدام حسين وحزبه
الفاشي ، والذي ادى على انهيار البنية الاجتماعية في العراق جراء الحروب
الإجرامية الداخلية منها والخارجية التي زج النظام بها العراق ، وجراء الحصار
الظالم الذي فرضته الولايات المتحدة على شعبنا خلال 13 عشر عاماً عجاف ، قد
غيَّر كل القيم والسلوكيات والعادات النبيلة في المجتمع من عفة ونزاهة وصدق
ومحبة الآخرين والتعاون الخير بين المواطنين ، وحل
محلها قيم وعادات وسلوكيات هي على النقيض منها ، فقد بات على العراقي أن يشبع
بطون عائلته في ظل تلك الظروف بكل الوسائل والسبل ، وكل الطرق المشروعة وغير
المشروعة .
ويذكرنا الكاتب الكبير [ تلستوي ] في وصفه الرائع لنتائج الحروب ، وما تسببه من
إنهيار خطير للبنية الاجتماعية حيث يقول :
[ إن سنة واحدة من الحروب تفسد المجتمع أكثر مما تفسده ملايين الجرائم لعشرات
السنين ] فكيف هو الحال بالشعب العراقي الذي زجه حكامه المجرمون بالحروب لثلاثة
عقود ونصف ؟
ومن هذا يتبين لنا أن هذه السلوكيات الإجرامية العنيفة التي تعم العراق اليوم
تجعل شعب العراق غير مؤهل للديمقراطية والانتخابات وتشريع الدستور الدائم ، إن
الوضع الحالي يتطلب تشكيل حكومة إنقاذ وطني من عناصر تنكوقراط وطنية نظيفة
الأيدي لا تنتمي للأحزاب الطائفية الشيعية منها والسنية التي تمثل وجهان لعملة
واحدة ، ولا يمكن أن تخدم العراق ، ولا تحقق مستقبلاً مشرقاً كما يتمنى
العراقيون ، بل على العكس من ذلك تقود العراق نحو مستقبل مظلم قاتم .
ولا شك أن في العراق عناصر كثيرة تحمل هذه المواصفات ، وتستطيع قيادة العراق في
فترة انتقالية لا تقل عن ثلاث سنوات يجري خلالها العمل على إعادة الأمن والسلام
في البلاد ، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن المواطنين ،
وإعادة اللحمة بين أطياف الشعب العراقي كافة على أساس من المساواة في الحقوق
والواجبات ، وعودة المهجرين إلى مناطق سكناهم ، وتقديم الحماية اللازمة لهم ،
ومعالجة مشكلة البطالة التي تمثل المرتع الخصب لتخريج الإرهابيين القتلة ،
وإعادة بناء كافة المنشئات الخدمية المدمرة من ماء الشرب والكهرباء والوقود ،
والصرف الصحي ، والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية ، وتكليف رجال قضاء
مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة لإعداد دستور علماني جديد بعيداً عن الطائفية
وشرورها، ويتضمن قانوناً جديداً للأحزاب يحرم تأليف الأحزاب على أساس ديني أو
طائفي أو عرقي ، ويحافظ على تماسك النسيج الوطني للشعب العراقي ، استعداداً
لإجراء انتخابات برلمانية جديدة بعد انتهاء فترة الانتقال .
أما الاستمرار على هذه الحال فلن توصل العراق إلا إلى الحرب الأهلية التي ستأتي
على الأخضر واليابس ، وتحيل البلاد إلى خراب ، وتزهق أرواح مئات الألوف أن لم
نقل الملايين من المواطنين الأبرياء ، وتهجير ملايين أخرى إلى بلدان اللجوء
ربما تكون أشد وطأة من الهجرة التي جرت إبان حكم طاغية العصر صدام حسين ،
وتفريغ البلاد من كفاءاته ومثقفيه .
وعلى الشعب العراقي أن يأخذ في حسبانه ما آلت إليه الحرب الأهلية في لبنان التي
اشتعلت عام 1975 واستمرت 15 عاماً ، وخربت المدن اللبنانية ، وحصدت أرواح مئات
الألوف من المواطنين اللبنانيين ، وهجرت مئات الألوف الأخرى ، ودمرت اقتصاد
البلاد ، وأغرقته بالديون ، ولا شك في أن ما حدث في لبنان سيمثل نزهة لما يمكن
أن يحدث في العراق إذا انتشر لهيب الحرب الأهلية ، وتدخلت الدول الإقليمية ،
وفي مقدمتها إيران وسوريا والسعودية وبقية دول الجوار في تسعير نيرانها .
إن الوضع الحالي خطير جداً ، وهو يتطلب من الشعب العراقي الحذر من الانزلاق في
أتون الحرب الأهلية المجنونة التي إن انتشر لهيبها فلن ينجُ من نيرانها أحد
أبداً ، ولن يربح من ورائها أحد ، وستكون الطامة الكبرى التي تأتي على كل شيئ
لا سمح الله .