|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  9  / 11 / 2025                                 فاروق الرماحي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

العبقري الذي هزمه عقله وتاهت روحه

فاروق الرماحي
(موقع الناس)

في صباحٍ شاحبٍ من شتاء تورينو عام 1889، خرج نيتشه إلى الشارع يتعثّر بخطاه، يجرّ خلفه صمته الطويل ووجع أفكاره التي أثقلت روحه .

الثلج يذوب تحت قدميه، والعالم من حوله يترنّح بين الحلم والهذيان، كأنه يقف على حافة الحقيقة التي طالما هرب منها .

فجأة توقّف.

هزّته صورة صغيرة، لكنها أثقلته أكثر من كل أفكاره

رجل يجلد حصانًا واهي الجسد، يتلوّى تحت السياط بلا حول ولا قوة .

اقترب نيتشه بخطواتٍ مرتجفة، عيناه تنضحان بالعجز والدمع، ثم ارتمى على عنق الحصان واحتضنه كمن يحتضن نفسه وروحه، كما لو أنه يضمّ بقايا إنسانيته الهاربة منذ زمن بعيد .

بكى. اهتز جسده النحيل تحت وطأة الألم، وكأن العالم كله انهار بين ذراعيه في لحظة واحدة .

لم يكن ذلك انهيار عقلٍ كما وصفه الأطباء، بل سقوط قناعٍ ظلّ يخفي وجع الإنسان خلف صرامة الفيلسوف .

لم يفقد وعيه، بل استعاد قلبه الذي أخفاه طويلًا خلف جدران الفكر والتمرّد .

هناك، أمام الحصان المجلود، تهاوت فكرة الإنسان الأعلى، وسقطت أوهام القوة، وبكى الإنسان الذي حاول أن يتجاوز الرحمة فغرق في فيضها .

ربما لم يُجنّ نيتشه، بل تحرّر من عقلٍ أرهقته القسوة والمنطق البارد .

كانت تلك اللحظة صرخة الرحمة الأخيرة في وجه عالم جعل الألم جزءًا من نظامه الأخلاقي .

وتبقى تساؤلاته، صدى لوجعه الأخير، تطرق أبواب الضمير الإنساني :

ما قيمة الإنسان بلا شعورٍ أو إحساسٍ أو ضميرٍ أخلاقي؟

وما جدوى العقل إن لم يسنده قلبٌ يعرف كيف يرحم؟

ثم انسحب نيتشه بعد تلك اللحظة كما ينسحب النور من المساء، ودخل في عشر سنواتٍ من صمتٍ كثيفٍ كالموت البطيء .

عاش بين ظلال ذاكرةٍ متعبة، يبتسم أحيانًا في الفراغ كمن يصغي إلى أصواتٍ لا يراها أحد .

كان جسده حيًّا، لكن روحه عبرت إلى مكانٍ آخر، إلى سكينةٍ لا تسمع فيها ضحكة زرادشت، ولا صدى المطرقة التي كانت تهشم أوثان العقل

وفي عام 1900، أسدل الستار على مأساة الفيلسوف الذي أراد أن يخلق إنسانًا أعلى، فاحترق في لهب إنسانيته .

رحل نيتشه، وظلّ الحصان في ذاكرة العالم شاهدًا على لحظةٍ واحدةٍ كان فيها العقل أضعف من الرحمة، والجنون أصدق من الفلسفة

وفي النهاية، من المنتصر في هذه النهاية المأساوية؟

هل القلب الذي بكى، أم العقل الذي انهار؟

وما معنى انتصار أحدهما إذا انتهى صاحب هذا القلب النبيل والعقل الفريد؟

ربما الإجابة ليست في اختيار فائز، بل في المأساة نفسها :

أن يكون الحب والرحمة أحيانًا أغلى من كل فلسفة، وأقوى من كل عقل… حتى لو انتهى بهما المطاف إلى الانكسار الأبدي .



9 نوفمبر 2025
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter