|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الخميس  25  / 12 / 2025                                 فاروق الرماحي                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

في ذكرى السياب

الشاعر الذي مات جسدًا وبقي مطراً

فاروق الرماحي
(موقع الناس)


في ذكرى الواحد وستون على رحيل بدر شاكر السيّاب، لا نستعيد شاعرًا غاب، بل نفتح جرحًا عراقيًا ما زال ينزف شعرًا وحنينًا ووجعًا سومريًا قديمًا.

السيّاب لم يكن مجرّد واحد من روّاد الشعر الحر، بل كان صرخة العراق حين ضاق به الكلام، وكان أول من جعل القصيدة تمشي حافيةً في الطين، وتبكي مثل نخلةٍ فقدت ظلّها .

وُلد السيّاب في جيكور، القرية التي صارت أسطورة شعرية، ومنها حمل الجنوب إلى اللغة، وجعل من البصرة مرآةً للمنفى حتى وهو فيها .
كان يعرف مبكرًا أن الشاعر في هذا البلد محكومٌ بالوحدة، وأن من يفتح نافذة للضوء سيدفع ثمنها عتمةً مضاعفة .

في شعره، امتزج الحب بالمرض، والسياسة بالألم الشخصي، والوطن بالجسد المنهك .
لم يكن ينظّر للثورة، بل كان يعيشها في عظمه. وحين كتب أنشودة المطر، لم يكن ينتظر مطرًا عاديًا، بل خلاصًا مؤجّلًا لوطنٍ تعوّد أن ينتظر أكثر مما يعيش .

السيّاب شاعر الخيبات الكبرى ، خيبة الحلم، وخيبة الأيديولوجيا، وخيبة الجسد الذي خانه باكرًا .
لكن الغياب، كان أكثر حضورًا بعد الرحيل .
فكل شاعر عراقي مرّ من بعده، كتب وهو يعرف أن هذا الطريق قد فُتح بالوجع لا بالمجد .

مات السيّاب شابًا، فقيرًا، ومريضًا، كما يموت الشعراء الحقيقيون في هذا الشرق .
لكنه ترك لنا لغةً لا تشيخ، وصوتًا كلما اشتد القحط عدنا نسمعه وهو يصيح :

أتعلمين أيَّ حُزنٍ يبعث المطرْ؟
وكيف تنشج المزاريب إذا انهمرْ؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياعْ؟
بلا انتهاء ـ كالدَّم المراق، كالجياعْ،
كالحب، كالأطفال، كالموتى ـ هو المطرْ!

في ذكرى رحيله، لا نقرأ السيّاب بوصفه ماضيًا شعريًا، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا:
لماذا يدفع الشاعر في العراق ثمن صدقه مرتين؛ مرة في حياته، ومرة في ذاكرة لا تنصفه إلا بعد الفقد؟
 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter