| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 25 / 10 / 2025 فاروق الرماحي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
نيتشه.. الفيلسوف الذي احترق بنوره
حين يتجاوز الفكر حدود العقلفاروق الرماحي
(موقع الناس)
ليس في تاريخ الفلسفة عقلٌ يشبه فريدريك نيتشه، ولا في سير المفكرين مأساة تضاهي مأساة هذا الرجل الذي تحدّى الإله، فانكسر أمام ذاته.
كان نيتشه مشروعَ فكرٍ يتجاوز الإنسان لا ليُلغيه، بل ليحرّره من خوفه.
كتب كما لو كان يُعيد تشكيل الوجود على مهل، وكأنّ كلماته شظايا برقٍ من عقلٍ احترق وهو يبحث عن معنى جديد للحياة.
في كتبه الكبرى هكذا تكلّم زرادشت , وما وراء الخير والشر , والعلم المرح وأصل الأخلاق وفصلها , اختصر نيتشه رحلته الفلسفية من نقد الدين إلى تحرير الإنسان من قيد الأخلاق التقليدية.
رأى أن الإيمان لم يعد يهب المعنى، وأن الأخلاق ليست فضيلة مطلقة، بل صناعة بشرية متبدلة، تولد من إرادة القوة لا من الخضوع.
أما حلمه بـ الإنسان الأعلى ،فلم يكن دعوةً إلى التوحّش كما أساء البعض فهمه، بل إلى خلقٍ جديدٍ للذات، يتجاوز فكرة الخير والشر، ويعيش وفق إرادته الحرة في مواجهة العدم.
لكن نيتشه، وهو يسعى لنسف كل المسلّمات، كان يحفر قبره ببطء.
ففي صباحٍ بارد من شتاء تورين في إيطاليا عام 1889، احتضن حصانًا يُجلَد في الشارع، وانفجر باكيًا، ثم دخل صمته الأبدي.
منذ تلك اللحظة، لم يكتب حرفًا، ولم يعد يعرف من يكون.
عاش أحد عشر عامًا بين المصح وبيت أمه، جسدًا بلا فكر، فيما كانت أخته تُعيد تشكيل إرثه الفلسفي كما تشاء.
رحل نيتشه عام 1900، لكن أفكاره ما زالت تمشي بيننا، كجمرٍ تحت رماد.
ربما لم يُصب بالجنون كما يُقال، بل تجاوز العقل إلى ما بعده، حيث لا يعود الضوء محتملاً.
فالعظمة كما يبدو ليست أن تفكر، بل أن تشتعل بما تفكر، حتى تحترق .
25 اكتوبر 2025