| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأحد 15 / 3 / 2026 فاروق الرماحي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الصواريخ فوق الخليج
من سيكتب النهاية…
طهران أم تل أبيب أم واشنطن؟فاروق الرماحي - ديترويت
(موقع الناس)
في الحروب الكبرى لا تكون النوايا وحدها هي التي تصنع النتائج، بل توازنات القوة، وامتداد الجغرافيا، وقدرة الاقتصاد على الاحتمال.
وما يجري اليوم في الشرق الأوسط بين إيران و إسرائيل و الولايات المتحدة ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل صراع استراتيجيات متناقضة، لكل طرف فيه تعريف مختلف للنصر وزمن مختلف للحرب نفسها.
إيران ترى أن المواجهة المباشرة مع القوة العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية ليست الطريق الأفضل.
فطهران تدرك اختلال ميزان القوة التقليدي، لذلك تعتمد فلسفة مختلفة للحرب تقوم على الاستنزاف الطويل والصبر الكبير .
في هذا التصور لا يجب أن تنتصر إيران عسكرياً، يكفي أن تجعل الحرب مكلفة ومفتوحة زمنياً.
شبكة الحلفاء المنتشرة في المنطقة تشكل العمود الفقري لهذه الاستراتيجية، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن مروراً بالفصائل المسلحة في العراق وسوريا. هكذا تتحول الجغرافيا إلى مسرح واسع للحرب غير المباشرة، بحيث يصعب حسمها بضربة واحدة.
أما إسرائيل فتنظر إلى الصراع من زاوية مختلفة تماماً.
بالنسبة لها لا تكمن المشكلة في البرنامج النووي الإيراني وحده، بل في طبيعة النظام نفسه.
ولذلك فإن الهدف الإسرائيلي الحقيقي يتجاوز الضربات العسكرية إلى محاولة تغيير ميزان القوة داخل إيران، وربما الدفع نحو إضعاف النظام أو إسقاطه. من هذا المنطلق تفضل إسرائيل حرباً حاسمة تقطع جذور التهديد بدلاً من إدارة صراع طويل قد يمنح إيران الوقت لإعادة بناء قوتها.
بين هاتين الرؤيتين تقف الولايات المتحدة بمنطق ثالث.
واشنطن لا تريد حرباً طويلة في الشرق الأوسط، فقد خرجت بالكاد من تجربتين مكلفتين في العراق وأفغانستان.
ما تريده الإدارة الأميركية هو ضربة قاسية تعيد الردع وتمنع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، دون الانزلاق إلى احتلال أو مواجهة مفتوحة تستنزف الاقتصاد الأميركي وتستنزف الرأي العام في الداخل.
في قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج للمرة الأولى منذ نشأتها أمام واقع أمني جديد.
الصواريخ والطائرات المسيّرة لم تعد مجرد أخبار في نشرات الحرب، بل أصبحت تمر في سماء المنطقة وتستهدف أحياناً منشآت الطاقة والموانئ الحيوية في دول مثل السعودية و الإمارات العربية المتحدة و قطر. والبحرين والكويت هذه الدول ترتبط بتحالفات استراتيجية مع واشنطن لكنها تدرك في الوقت ذاته أنها ستكون من أوائل المتضررين من أي حرب واسعة، لأن بنيتها الاقتصادية تعتمد أساساً على الطاقة والبنية التحتية الحساسة.
أما العراق فيبدو أكثر هشاشة من غيره في هذه المعادلة.
فالعراق يقع جغرافياً وسياسياً بين واشنطن وطهران، ويحتضن على أرضه قوى مسلحة متشابكة الولاءات.
في حال اتسعت الحرب قد يتحول العراق إلى ساحة مواجهة غير معلنة، حيث تتقاطع الضربات والرسائل العسكرية دون أن يكون قادراً على النأي بنفسه عن الصراع.
حتى الآن، لا تزال إيران تلعب دون أن تكشف كل أوراقها.
فإحدى أهم هذه الأوراق هي مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
مجرد التهديد بإغلاق هذا المضيق كلياً كفيل بإرباك أسواق الطاقة ورفع الأسعار عالمياً.
وإذا ما انضمت إلى هذه المعادلة الورقة الجنوبية عند باب المندب عبر تصعيد الحوثيين ضد الملاحة الدولية، فإن العالم قد يواجه أزمة طاقة مزدوجة تضرب الخليج والبحر الأحمر في الوقت نفسه، وهي أزمة قد تتجاوز قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف السريع معها.
وبعيداً عن ساحة المواجهة المباشرة، هناك قوى دولية تراقب الصراع بهدوء وتحسب مكاسبها الاستراتيجية.
في مقدمة هذه القوى روسيا و الصين.
بالنسبة لموسكو، أي حرب تستنزف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تعني تخفيف الضغط عن جبهتها في أوكرانيا وإعادة توزيع اهتمام واشنطن العسكري.
أما بكين فترى في انشغال الولايات المتحدة في المنطقة فرصة لتوسيع نفوذها في آسيا، إضافة إلى أن تقلبات أسعار الطاقة تمنحها أدوات تفاوض أكبر في الأسواق العالمية.
وإذا طال أمد الحرب فقد تتمكن إيران من تحقيق هدفها الأساسي، وهو تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة تجعل كلفة المواجهة أعلى من القدرة على تحملها.
أما إسرائيل فقد تحقق مكاسب عسكرية تكتيكية لكنها قد تجد نفسها في مواجهة جبهة إقليمية واسعة يصعب السيطرة عليها.
والولايات المتحدة قد تنجح في توجيه ضربات قاسية، لكنها قد تكتشف أن الشرق الأوسط مرة أخرى يجرها إلى صراع أطول مما خططت له.
في النهاية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال عن المنتصر والمهزوم. فالحروب الكبرى لا تنتج رابحاً واحداً بقدر ما تعيد رسم موازين القوة.
وإذا كانت بعض القوى الدولية قد تستفيد من استنزاف خصومها، فإن الخاسر الحقيقي غالباً ما يكون شعوب المنطقة نفسها، من الخليج إلى العراق، حيث تتحول الجغرافيا مرة أخرى إلى مسرح لصراع دولي تتجاوز نتائجه حدود الشرق الأوسط ليصل أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره .