نسخة سهلة للطباعة
 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

فالح الحمراني

 

 

 

 

الثلاثاء 28 / 2 / 2006

 

 
 


حوار مع صديق روسي حول العراق

 

د. فالح الحمراني*

اختلف معي اصدقاء ومعارف حول افاق التطورات في العراق. من بينهم عرب واخرين روس. البعض اوصل الخلافات للقطيعة وناصبني حتى العداء، رغم اني لست من اهل القرار وليست لدي اية علاقات مع السلطة القائمة، ولااود ان تكون، حفاظا على استقلالية موقفي.. و لااملك الا موقفا ووجهة نظر قابلة للنقاش. ولكنني اظل الى جانب تطوير العملية السياسية في العراق بطرق سلمية وصولا لنظام ديمقراطي غير مركزي وقطعا غير طائفي ولاديني، التفاعل مع الحاضر لدفعه نحو المستقبل، للتغلب على المصاعب القائمة، وان الديمقراطية ولامركزية الحكم ونبذ العنف والارهاب اواعتماد المذهبية، ضمانة اكيدة من اجل الحفاظ على العراق كدولة. العراق ساحة تكفي للجميع عند توفر النوايا الطيبة. انا ارى ان الديمقراطية هي الافق الارحب للعراق، وان الوجود الامريكي، وليس قبولا به،يظل محصلة حاصل يجب الافادة منه لااستعداء امريكا الدولة المهيمنة على العالم والمنطقة ضدنا ، وانا ضد انسحاب مهين لكرامة الدولة المهيمنة على العالم ، وعلى قناعة ان العنف وتفجير النفس ( انتحار) وسط الابرياء من ابناء العراق ليس الحل ولاالطريق الذي يوصل لعراق مزدهر ، انها اساليب وحشية تتنافي والقيم الانسانية الحقة. ورغم عدم حب البعض لامريكا، لكننا نظل بحاجة ماسة لها، ان تطبيع الوضع في العراق يجب ان يكون سياسيا وسلميا. لقد فشل النظام المركزي الصارم والديكتاتوري ذو المنحى الطائفي في الاستجابة للمتطلبات الوطنية والسيادية للعراق فسقط. والان يجري البحث عن نظام يساعد على الحفاظ على وحدة الارض العراقية وضمان حقوق كافة مكوناته ودون النظر للمذهب الديني او الانتماء القومي واحترام حقوق الفرد، المواطن وخياراته.دون فرض قوة او مليشيا نفسها على الاخر. حكومة تنتهج سياسية واقعية، بعيداكما قال شاعرنا عن " العنتريات التي ماقتلت ذبابة".

صديقي الروسي الذي تربطني به علاقة تمتد لاكثر من عقدين يحمل مشاعر ودية للعراق، ولكونه استاذ تاريخ وشخص واسع المعارف فانه مطلع بشكل جيد على التقلبات والمنعطفات فيه، والعراق موضوعنا الدائم، نحمله في قلوبنا ورؤوسنا، نبحث ونرسم النموذج الافضل لنظامه السياسي ، ونتطلع لمستقبله.ولكن كل على طريقته. بوريس من منطلق اولوية الدولة على المواطن، وانا من زاوية حرية وكرامة الانسان، المواطن اولا.موقفان من حركة التاريخ. في ان يكون حركة نحو الافضل، لايخضع لنزوات القادة والزعماء وانما لحرية الانسانية وكرامته، وكل ما تقوم الدولةان تخدم المواطن ان توفر فرص متكافئة للجميع ودون استثتاء للحياةالافضل، وان تساعد الاضعف، ان توفر الحد الادنى لكل مواطن، والمجال لكل من يريد ان يحصل على الاكثر بجهوده الشخصية.
بوريس على النقيض مني في الموقف حول العراق. بوريس وانطلاقا من ثقافته الروسية التقليدية ينظر للوضع، من وجهة نظر منفعته وفائدته للدولة، مدى صيانته لوحدتها وسيادتها وتامين حياة مستقرة لسكانها ووضع الية مستديمة للتطوير والتقدم. اثناء ذلك لايعنيه بكثير ان يكون الحاكم مستبد او انفرادي، ولاقضايا التضييق على حرية الكلمة والضمير والانتخابات النزيه، والفرد في نهاية المطاف لايعدو غير " برغي" في ماكنة الدولة، وعليه ان يضع نفسه في خدمتها. من هذا الموقف تجاهل بوريس كافة البراهين والمعطيات والوقائع التي اتيت بها له ليشد ازر موقفي من نظام صدام حسين الدكتاتوري في العراق على مدى ثلاث قرون. الدولة اولا ايها العراقيون. ولم يسمع لي ان الانظمة الشمولية والدكتاتورية التي تحتكر القرار وتعزل المجتمع عن المشاركة في السلطة عن طريق ممثليه والمشاركة في القرار هي التي تزرع الفايروس الخطر الذي سوف ينخر بكيان الدولة وتدميرها. وهذا ما قام به النظام الصدامي والستاليني في روسيا، الذي اسس بسياسته الرعناء التمزق الطائفي والقومي في العراق واحدث الاخر الانشقاق في الدولة السوفياتية.بوريس يقول دع التاريخ يمضي ويتحول دول دون هزات ومنعطقات حادة، دع كل مرحلة تنتهي بهدوء ويؤمن بان التطور يجب ان يكون تدريجي. ويحذر من المقاومة، ويذكرني بان ثورة اكتوبر ومن ثم انتفاضة خروشوف على موروث ستالين و" بدعة" غورباتشوف أي البيريسترويكا هيئت لان يقوم يلتسين " بحماقته" بتفكيك الدولة العظمى التي كان اسمها الاميراطورية الروسية ومن ثم الاتحاد السوفياتي. وبوريس لايتوانى عن مدح ستالين، ويبرر كل ممارسته اللاانسانية، مبررا بتحويله روسيا لدولة عظمى، دولة صناعية نووية وقوية، حولها لقطب اخر بعدما كانت منهكة وضعيفة. ويغمض صديقي عينية عن الثمن عن التضحيات الجسيمة خاصة بالارواح. ويردد الدولة اولا.
قبل ايام جاءني بوريس منفعلا دون حتى لم يشعرني مسبقا كالعادة بزيارته، وبادرني قبل ان ياخذ كاس الشاي الذي قدمته له،" لقد اثبت التاريخ صحة افكاري ومواقفي بشان العراق، وارجو ان توافقتي على ذلك" فسالته ما المسالة. لقد فهت ان تصعيد اعمال العنف في العراق وسقوط الضحايا الابرياء وتردي الاوضاع قد تركت تاثيرها عليه. وباغتني بحجته التي يتصور انها دامغة " لقد قلت لك منذ اكثر من عشر سنوات ان الاطاحة بنظام صدام لايصب في صالح العراق ويلقيه بطاحونة العنف ويعرضه الاتقسام. يضع الدولة على حافة الهاوية.انظر ما يجري هناك.
نظرت لصديقي الروسي بعطف، وقلت له انني لااتفق معه، حقا ان الوضع في العراق محزن ومؤلم ويسبب نزف الدم في القلب ، وانه يتعرض لكارثة، ولكنني ارفض طرح السؤال على شاكلة أي الوضعين افضل. العراق كان ايضا في محنة في ظل النظام الدكتاتوري لاتقل ماساوية وفضاعة عما يدور الان، ولكن العراق يختلف الان نوعيا انه بلد اخر. و قرات عليه ما كتبه لي مؤخرا احد الاصدقاء العاملين في المجال الاعلامي بالعراق "ان هذا الجو الملىء بالحرية للصحافة ومؤسسات المجتمع المدني والدستور والانتخابات وحرية المراة وغيرها الكثير، وهذه الحرية الشخصية ومؤشرات مستقبل جميل جدا للعراق الا يستحق هذا الضريبة التي يجب دفعها يمختلف الاشكال بل التمسك بها وعدم الاستسلام للدعه والراحة فاشعر انها طبيعية جدا امام هذا المستقبل الذي ينتظرنا .. وهذه حقيقة فانها حرية كبيرة جدا .. لكن مع اطلالة الموت، عكس النظام السابق فقد كان امانا ولكنه امان الساذجين وراحة ولكنها راحة الاغبياء فقد كنت واصدقاء نبيع في الشوارع كل شىء، الا انفسنا وولائنا وثقافتنا .. لم اكتب انا شخصيا لمدة ربع قرن ولا كلمة .. ولم افكر في ذلك ..".
لاذ بوريس بالصمت. لست ادري هل ان صديقي قد فهمني لاول مرة منذ عقدين؟. ولكنني ادركت اننا كنا دائما نمثل موقفين ورؤيتين للتاريخ. وليس بوسعي ان احكم على ايهما الافضل. لكني مازلت على قناعتي.ان الديمقراطية واشاعة الحريات العامة وتوفير الاجواء لكل مكونات المجتمع العراقي لتجسيم ارادتها، افضل الطرق لصيانة العراق كدولة.


* كاتب واعلامي عراقي مقيم في موسكو