| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

د. ذياب فهد الطائي

 

 

                                                                                    الجمعة 28/10/ 2011

 

فشل الدولة القومية ...... المركب البنيوي

د. ذياب فهد الطائي

لابد ابتداء تحديد أمرين بالغي الأهمية هما :

الأول : ماذا نعني بالدولة القومية

والثاني : إن حديثنا هنا سيقتصر على موقف أنصار الدولة القومية في الأقطار العربية ، بحكم إن الموضوع واسع ومتشعب من جهة ،وان تجارب بلدان (العالم الثالث) متشابهة في مرجعياتها الفكرية وسيرورتها التاريخية ومواقفها العملية من بناء الدولة القومية .

إن ما نعنيه بالدولة القومية أنها "كيان سياسي وقانوني منظم يتمثل في مجموعة من الأفراد الذين يقيمون على أرض محددة ويخضعون لتنظيم سياسي وقانوني واجتماعي تفرضه سلطة عليا تتمتع بحق استخدام القوة لتحقيق الصالح العام" بينما الحكومة هي "السلطة التي تمارس السيادة في الدولة لحفظ النظام وتنظيم الأمور داخليا وخارجيا والحكومة كبنية هي أجهزة ومؤسسات الحكم في الدولة التي تقوم بوضع القواعد القانونية وتنفيذها وتفصل في نزاعات الأفراد مشتملة على أعمال التشريع والتنفيذ والقضاء"

لقد بنيت الدولة القومية في أوربا في منتصف القرن الثامن عشر على أنقاض سلطة الإقطاع والكنيسة وكانت أفكار الفيلسوف الألماني (هيغل) هي المرجعية الأساسية لها وقد أعتبر هيغل إن الطبقة الجديدة الناهضة (البرجوازية) هي من يضطلع ببناء هذه الدولة ،المحكومة بكونها وريثة النظام الإقطاعي، في حقوق الملكية (وسائل الإنتاج) وبالتالي اشتراطات هذه الملكية التي تتطلب أسواقا موحدة وآمنة وتسهيلات في نقل منتجات وسائل الإنتاج الجديدة وحزمة واسعة من القوانين لحمايتها وترسيخ دورها في المجتمع الجديد وكانت تلك القوانين نقطة البداية في قطع الصلة بالماضي الفكري وتعاليمه وقد حسم هذا الأمر الفيلسوف الألماني ( نيتشه) .

أما في البلدان العربية فقد نشأت فكرة الدولة القومية على مرحلتين:

أ – يجمع الباحثون في نشأة الدولة القومية لدى العرب على إن بدايات ذلك كانت بعد غزو نابليون لمصر وبعثات محمد علي باشا إلى أوربا، وإن الأمرين فتحا الطريق لتأثر الشباب المصري بالأفكار الغربية ،وأن هذا التأثر قد أعلنه( رفاعة الطهطاوي) الذي دافع عن أهمية إقامة العدل في الحكم و(جمال الدين الأفغاني) الذي كان همه إجراء إصلاحات على نظام الشورى والأخذ بالدستور ، ولكن أفكار ( محمد عبده) كانت أكثر وضوحا وتحديا ، فقد نادى بمدنية السلطة وعدم شرعية الحكم الاستبدادي وضرورة أن يكون للأمة تمثيل نيابي  .

ب – بعد الحرب العالمية الأولى بدأت المرحلة الثانية في الفكر القومي بالعمل على إنشاء الدولة فقد تم إعلان مصر دولة ملكية وأنشئ في العراق حكما هو الآخر ملكيا ووضعت الحدود لحكومات عربية تحت الانتداب أو الاحتلال مما خلق شعورا عاما بكراهية المستعمر ودفع الى تكوين حركات مناهضة للتواجد الغربي وقوّى النزعة للاستقلال .

من الملاحظات الهامة في هذا الصدد إن معظم مؤسسي تلك الحركات هم من العسكريين ورجال الإقطاع مما أدى إلى نشوء حالة فريدة من نوعها تمثلت بتوالي الانقلابات العسكرية، ففي العراق جرت ست وعشرون محاولة انقلابية  .

كانت الممانعة العربية في الأقاليم مبنية على أحلام رومانسية ولم تكن مهيأة لإقامة الدولة بمفهومها الحديث، وذلك بسبب ميل النخب السياسية إلى الابتعاد عن الديمقراطية وإشراك الجماهير في الحكم عبر صناديق الاقتراع، والتشبث بالموروث بهدف استخدامه لإخضاع شعوبهم .

لقد حدا كل هذا بمحمد حسنين هيكل إلى القول إن مصر وهي طليعة البلدان العربي (لم تعرف الدولة).

وفي الحقيقة فإن البلدان العربية عرفت السلطة ومن ثم الحكومة وبعدها النظام ، أما ما قامت به من توظيف وسائل الإعلام فلم يتعد أمرين  :

1/ب – إذاعة البيان الأول للانقلاب

2/ب – إرهاب شعوبها بعرض عمليات الإعدامات الجماعية أو اضطهاد قيادات الحركات السياسية المناهضة ، إضافة الى احتكار المعلومة  .

من هنا كانت أزمة الدولة القومية العربية التي استغلها الغرب وشركاته العملاقة في توظيف هذا القصور لقيام حكام تلك البلدان، بالدفاع بشكل مباشر أو غير مباشر عن مصالحها (مصالح الغرب ) كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية أو في غزو الكويت .

يقول" غرامشي": في الغرب يتسيد المجتمع المدني على الدولة، وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة صورة التراضي والهيمنة، على حين أنه في الشرق تتسيد الدولة على المجتمع المدني وتتخذ سيطرة الطبقة الحاكمة شكل التسلط والقهر؛ "فالدولة هي كل شيء "

وربما يكون السبب في فشل البرجوازية العربية، بناء الدولة، يعود إلى إن هذه البرجوازية هي من صنع الغرب أولا الذي اختارها من الإقطاع والعسكر ، وفشلها في بناء اقتصاد وطني ثانيا ، وثالثا لأن الفكر الذي تبنته يطرح حلا محليا لمشكلة عالمية ، بمعنى إنه مازال يبحث عن حلول تتسم بالبعد عن الواقع الذي يتحرك فيه العالم .

وعلى هذا فإن هذا التيار لم يشكل عقبة كبيرة أمام العولمة وتكنولوجيا المعلومات، لاختراقه وإضعافه وتحويله (والى حد بعيد) ليعمل في مصلحة (مجتمع المعلوماتية) ويمكن أن نشير بهذا الصدد إلى الحروب التي خاضها نظام حزب البعث في العراق ضد إيران وغزو الكويت والى التعاون الوثيق لكل الأنظمة العربية مع القوات الأمريكية التي احتلت العراق عام 2003 إضافة إلى عدم الرغبة ببناء اقتصاد متوازن والعمل على التوسع في تشجيع النزعة الاستهلاكية في المجتمع ،وتناسل الاستبداد وترسيخ الدكتاتورية ، ويمكن الاستدلال على ذلك بعدم الرغبة في بناء اقتصاد متوازن والإبقاء على نموذج الاقتصاد ألريعي .

أما التساؤل المشروع عن كيف يمكن أن تكون الدولة القومية في العالم العربي ضمن سياق حركة التاريخ والتفاعل مع تيار العولمة وتوظيف تكنولوجيا المعلومات لخدمة مجتمعها ، فإني أعتقد إن هناك ثلاث خطوات لازمة وهي باختصار شديد :

1- الأخذ بالديمقراطية كآلية لنظام الحكم والقبول بالتبادل السلمي للسلطة اعتمادا على نتائج صناديق الاقتراع والإيمان بالتعددية وقبول الآخر .

2- فصل الدين عن الدولة وضمان حرية المعتقد والفكر ووضع تشريعات صارمة تجاه مثيري الفتنة الدينية أو الطائفية أو العرقية .

3- بناء الاقتصاد الوطني اعتمادا على أسس علمية مدروسة ومعلنة ووضع الخطط للتنمية المستديمة والخروج من حالة الاقتصاد ألريعي  .

 

 

free web counter