| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
السبت 11 / 6 / 2016 د. باسم سيفي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الى ساسة العراق، اين سندات الدولة في السوق المحلية؟!
د. باسم سيفي
(موقع الناس)ان تستدين الدولة اموالا من مواطنيها او من الدول الاخرى او السوق العالمية ليست مسألة حديثة يعرفها المختصون فقط ولا تحتاج الى علم واسع، فقد مارستها الدولة العراقية في خمسينات القرن الماضي في تمويل بعض مشاريع الاعمار وحاليا تمارس في الدول المتقدمة بشكل واسع وامتد حتى في الحكومات المحلية والشركات. الفكرة بسيطة وهي ان تصدر الدولة سندات قرض بقيمة محددة تباع في السوق تدفع بعد عدد من السنين وبفائدة سنوية محددة مثلا اصدار مليون سند بقيمة خمسمائة ألف دينار للسند تدفع بعد 5 او 10 سنوات وبفائدة سنوية قدرها 5%، ومن يشتري عدد من هذه السندات بإمكانه بيعها في سوق الاوراق المالية او يرهنها للقروض، وبإمكان المستثمرين شراء هذه السندات في السوق او من البنك المركزي في الاصدارات الجديدة.
منذ سبعينات القرن الماضي ازدادت ديون الدول بسبب بيع السندات بدرجة كبيرة جدا وفي السنوات الاخيرة وصلت الى ارقام قياسية، فمثلا ارتفعت ديون الولايات المتحدة لأكثر من الناتج القومي. هذه السندات عادة ما تعرض اولا للبيع في السوق المحلية ثم تذهب للسوق العالمية اذا ارتفعت الحاجة وبالاخص للعملة الصعبة، ولكن في العراق ومع الازمة الحالية اصبحنا نسمع بالسندات الخارجية وبفائدة سنوية عالية بكل المقاييس وتصل الى 12% دون ان نرى طرحها في السوق المحلية. وقد سألت في اواخر آذار 2016 عدد من المصارف في بغداد عنها وكلهم اكدوا عدم التعامل مع السندات الحكومية رغم ان اثنين من تلك البنوك تتعامل مع الاوراق المالية في بيع وشراء اسهم الشركات !!! فما الذي يجري في هذه المسألة ولم لا تطرح الدولة السندات الحكومية في السوق الداخلي؟؟؟
هناك اموال كثيرة لدى المواطنين العراقيين سواء ان كانوا من سكنة العراق او الخارج يمكن استثمارها في سندات الدولة وأقدرها بعشرات المليارات من الدولارات والتي يمكن ان تغطي جزءا كبيرا من العجز في ميزانية الدولة وايضا تقليل العجز في ميزان المدفوعات الخارجي من خلال دخول دولارات عراقيي الخارج الى العراق وعدم خروج فوائض وادخارات عراقيي الداخل الى الخارج بشكل دولارات، وهو ما يجب على المسؤولين عن السياسة النقدية (المتعلقة بسعر صرف الدينار والميزان التجاري الخارجي) والسياسة المالية (المتعلقة بصرفيات وايرادات الدولة) ان ينتبهوا اليه ويعززوه خاصة مع الازمة المالية الحالية التي سببها انخفاض اسعار النفط وسوء الادارة لموارد العراق واقتصاده.
عراقيي الداخل وبسبب سياسة الانفاق التوسعية بشكل رواتب للعاملين في الدولة والفساد المنتشر خلال اكثر من عشر سنوات اعقبت سقوط النظام الدكتاتوري، راكموا رأسمالا ضخما من خلال توفير جزء من الدخل سواء كان من رواتب الحكومة او الربح التجاري او رشى وفساد بأشكال مختلفة وأيضا من خلال صعود اسعار العقار بدرجة كبيرة ومستويات قياسية. معظم هذا الرأسمال حاليا شبه جامد ويبحث عن منافذ للاستثمار والتي انكمشت كثيرا مع الازمة الاقتصادية الاخيرة وهبوط الثقة في البنوك المحلية وسوق اسهم الشركات، خاصة وتراجع الجدوى الاقتصادية لكثير من المشاريع الانتاجية، وهذا ما أدى الى زيادة كبيرة في اكتناز الدينار في البيوت وانخفاض السيولة النقدية والى زيادة الطلب على الدولار والتحويلات الخارجية.
عراقيي الخارج لازالوا يحولون ما يحصلون عليه من دخل وارباح في العراق الى الخارج حيث ضعف الثقة بالاقتصاد العراقي وعدم وجود منافذ استثمارية مأمونة في الدولة والبنوك وسوق الاوراق المالية وتهويل السلبيات من خلال هيمنة الاعلام المعادي للعملية الديمقراطية وجهل معظم ساسة العراق بأهمية الاقتصاد وخلق الظروف الملائمة للاستثمار في العراق. اموال عراقيي الخارج ليست قليلة وحاليا يستثمر معظمها بمردود يتراوح حول 2% في البلدان التي يسكنونها، وعلى هذا الدخل يدفعون ضرائب قد تصل الى الثلث. العراق يفترض ان يكون جنة الاستثمار لعراقيي الخارج خاصة اذا لم يفقد ساسته الكثير من الذكاء ويوقعوا اتفاقات ضريبية مشتركة مع البلدان التي يتواجد فيها الكثير من العراقيين.
فقبل ذهاب العراق ووزارة المالية الى السوق العالمية لبيع السندات الحكومية بشروط مجحفة ومكلفة عليه التوجه للسوق الداخلي ويصدر سندات بشروط مختلفة وفترات متعددة حسب حاجة المستثمرين. اعتقد حاليا بوجود امكانية جيدة لنجاح بيع سندات بقيمة 10 ترليون دينار وأكثر بفائدة قدرها 5-8% سنويا ولمدة 2-10 سنوات اذا ما جرت بشكل نظيف وتم نشر المعلومة الى المواطنين العراقيين ووضع آليات سهلة وواضحة لعمليات التسجيل والبيع والشراء والرهن. وعلى البنك المركزي ان يعلن بشكل جيد عن سنداته ويخصص بعض البنوك للتعامل مع بيع وشراء هذه السندات مع عمولة معقولة ويحاسب المقصرين والمعيقين لنجاح آلية السندات في ادارة الاقتصاد العراقي.
اقترح ان يقوم البنك المركزي باصدار نوعين من السندات. الاولى بدون ضمانات للدينار مقابل الدولار وتكون بفائدة اعلى مثلا 7-8% موجهة بشكل عام للمستثمرين الذين لايرون خطورة في انخفاض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار او العملات الاجنبية الاخرى او لا يرون اهمية لذلك بالنسبة لهم. هذه السندات ستجذب من يخزن الاموال في البيوت ومن يريد تقليل اعتماده على الودائع في البنوك خاصة ممن يملكون فوائض وادخارات كبيرة نسبيا ويريدون استثمارها بمشاريع مستقبلا.
السندات الثانية تصدر مع ضمانات قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار مثلا 1200 دينار للدولار عند حلول موعد دفع السند. الفائدة على هذه السندات تكون اقل مثلا 5-6% سنويا فالمسثمر في هذه السندات سيربح ايضا من فرق العملة حاليا فهو كمن يشتري الدولار بسعر 1200 دولار بدلا من سعر السوق الحالي وقد كان حوالي 1280 دينار للدولار الواحد في شهر حزيران. هذه السندات موجهة بشكل عام للمستثمرين الذين يرون خطورة في انخفاض قيمة الدينار العراقي مقابل العملات الاجنبية وبالاخص الدولار وستعمل على تحويل عراقيي الخارج العملات الصعبة الى الدينار العراقي يحصلون من خلالها على عوائد جيدة وبدون ضرائب، وعلى تشجيع عراقيي الداخل ممن لديه ادخارات جيدة على عدم تحويل دنانيرهم الى الدولار حاليا.
الثقة بهذه السندات مهم جدا اذا اريد نجاحها وتوسيعها وهذا يتطلب اعلام جيد ونشط يقارع الاعلام المعادي للعراق ويطرح حقائق المستقبل الواعد للاقتصاد العراقي خاصة مع زيادة عائدات النفط والغاز وتوجه الدولة نحو بناء القطاعات غير النفطية وبالاخص الانتاجية في الصناعة والزراعة. وهذا يحتاج الى مصداقية مؤشرها ضبط الميزانية العامة وزيادة ايرادات الدولة وتقليل نفقاتها وتنفيذ اصلاحات جذرية في السياسة والاقتصاد والادارة لتشجيع الاستثمار وتوظيف العمالة العراقية واجتثاث الفساد والتبذير. والاهم الاهم هو السهولة في شراء المواطنين لهذه السندات ومنع المتنفذين من احتكارها او افشالها.
في 12 نيسان رأيت وثيقة صادرة عن البنك المركزي بفتح باب الاكتتاب على سندات دولة بقيمة تزيد عن ترليون دينار خلال الفترة من 15 آذار وحتى 14 نيسان. لم هذا التكتم ومن المسؤول عن ذلك؟؟؟ انها المؤامرة المتعمدة والحيتان التي تحتكر هذه السندات على حساب المواطن وتحاول افشالها وتريد فرض السندات الخارجية وبشروط مجحفة بحق الشعب العراقي ولكن تنفعهم وشركائهم الاجانب. احد المعارف سجل طلب شراء عدد من هذه السندات لدى احدى البنوك الحكومية ولكن البنك لم يشتري له هذه السندات رغم حجز المال اللازم من حسابه لدى هذا البنك. لماذا ياساسة العراق ؟! وكيف يتجرأ بنك حكومي على مثل هذا التصرف؟!