| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 18 / 2 / 2025 عبدالمطلب عبدالواحد كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
كاتي كولفيتس، فنانة ومناضلة
عبدالمطلب عبدالواحد
(موقع الناس)ما ان يضع الزائر خطواته الأولى في الجناح المخصص لمعرض اعمال الفنانة التشكيلية الألمانية كاتي كولفيتس في مدينة كوبنهاجن الدنماركية، حتى تأسره بحسها المرهف، بواقعيتها المدهشة، وبكثافة خطوطها على لوحاتها المرسومة بالفحم او بقلم الرصاص، معبرة فيها عن ملامح الشقاء والحزن في وجوه الأطفال البائسة، ولوحات أخرى تصور الفقر المدقع والجوع، شقاء العمال، والنساء المسحوقات اجتماعيا واقتصاديا والمحرومات من ابسط الحقوق الإنسانية، شخصيات محطمة، امهات مكلومات بفقد الأبناء والاحبة في حربين عالميتين كلفت البشرية ملايين الضحايا لمصلحة حفنة من الرأسماليين الجشعين. كان الموت والحب والامومة موضوعاتها الاثيرة رسوما ومنحوتات.
كاتي كولفيتسابتداء من 7 نوفمبر 2024 ــ 23 فبراير 2025 ، يستمر متحف الدولة للفنون بعرض اعمال الفنانة كولفيتس المولودة في الثامن من يوليو 1867 في مدينة كونييجسبيرج، كاليننجراد الحالية، المتوفاة في 22 ابريل 1945 قرب مدينة دريسدن، عن عمر 77 عاما، كرستها للفن والنضال من اجل حقوق الانسان وبشكل خاص من اجل حقوق الطبقة العاملة والنساء.
وانصب ابداعها الفني بالمجمل لدعم النشاطات المعادية للحرب، ومن اجل احلال السلام على البشرية اجمع. عاشت الحربين العالميتن الأولى والثانية والعهد النازي، وفجعت بفقدان ابنها الأكبر بالحرب الأولى وبحفيدها الجندي في الحرب الثانية. وتعد كولفيتس من اشهر فناني المانيا في القرن العشرين، وتعرض اعمالها في اشهر المتاحف وقاعات العرض. وتتنوع اعمالها الإبداعية المعادية للحرب بين النقش على النحاس والطباعة والرسم والنحت.
لقد واجهت الفنانة سنوات صعبة من البحث المضني عن التقنية الفنية المناسبة لكفاحها ضد الحرب وتوصلت بعد سلسلة من التجارب الى تقنية النقش على الخشب التي ميزت جانبا مهما من تجربتها الإبداعية. (بدأت باستخدام تقنيتها المفضلة، النقش، منذ عام 1918، وبدءًا من عام 1919، أجرت تجارب على الطباعة الحجرية، ومع ذلك، لم تسفر أي من هذه التجارب عن نتائج مرضية لها. ولم تتمكن إلا من خلال استخدام تقنية النقش على الخشب الصعبة من العثور على وسيلة مناسبة للتعبير عن هذه الفترة الفظيعة، والأحداث المروعة التي عاشتها) (*).
عادت مجددا اعمال كاتي كولفيتس إلى الأضواء عالميا، بعد أكثر من عشر سنواتٍ من دون إقامة معارض كبرى لها، فعدا عن معرضها الحالي في كوبنهاجن، ينعقد في فرانكفورت معرضا يُقدِّم أعمالاً على الورق ومنحوتاتٍ ولوحاتٍ سابقة لكولفيتس. وينظِّم متحفُ الفن الحديث في نيويورك أولَ معرضٍ أمريكيٍّ كبير لأعمالها منذ 30 عامًا. وهناك دائما متحفا متخصصا بفنها في مدينة كولونيا ـ المانيا.
لقد برزت موهبتها الفنية وهي طفلة صغيرة، وتلقت دروسا في الرسم والنقش على النحاس، وقدمت اول اعمالها وهي في سن الثالثة عشر، وواصلت دراستها الفنية في برلين، تخرجت من الاكاديمية البروسية للفنون، ونالت وسام الاستحقاق للفنون والعلوم. تزوجت وانجبت وهي في العشرينات من عمرها، وكان زوجها داعما ومعينا لها، مؤمنا بموهبتها الابداعية، وتوجهاتها السياسية والانسانية. وقد انعكس ايمانها بالعدالة الاجتماعية ونزوعها نحو الاشتراكية على مشوارها الفني طيلة حياتها.
كان للتربية العائلية دورا في نمط الوعي الذي تشكل لديها مبكرا في مخاض الصراعات الفكرية والاجتماعية في بيئتها المحلية من جهة وفي عموم القارة الاوربية، تحت تأثير الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية الكبرى التي رافقتها، حيث الهجرة من الريف الى المدينة، شبح البطالة والفقر، سوء الخدمات الصحية، انتشار الامراض ووفيات الاطفال... تلك المظاهر السائدة في تلك الحقبة من التاريخ قد اشعلت في روحها الشديدة الحساسية جذوة الانحياز للمقهورين والتعبير عن همومهم بتكوينات فنية مبهرة. من بين اعمالها المدهشة "الفلاح والمنجل"، وهي طباعة على النحاس، استخدمت فيها تقنية الكشط لتعطي العمل ملامح الغضب والاحتجاج وربما الاستعداد للتحدي، حيث المنجل لم يعد اداة عمل في عملية الحصاد فقط، بل ان المنجل المشحوذ الشفرة، يمثل سلاحا للفلاح المقهور في صراعه ضد مستغليه، وخصوصا في الهبات الجماهيرية والانتفاضات الفلاحية.
الوالدان الحزينان
حرب الفلاحين
من اهم اعمالها "ثورة النساجين" 1897 و"الوالدان الحزينان" الذي شرعت فيه بعد ان فقدت ابنها في الحرب، ولم تتمكن من انهائه الا بعد 18 عاما، لشدة ما كابدته من الالام والمعاناة النفسية والفنية اثناء العمل. كما حازت لوحتها "لا للحرب مرة اخرى" 1924 بشهرة عالمية واسعة، وحملت في عدد لا يحصى من مسيرات السلام في العالم، وحققت نجاحا في عملها "حرب الفلاحين"، التي انجزتها بين عامي 1901 ـ 1908، كما ابدعت منحوتة صغيرة في غاية الاهمية "ام مع ابنها المتوفي" 1937 ، وغيرها مئات من الاعمال الخالدة الدالة على عبثية الوجود واللاجدوى لمن لا تتوفر لديهم المقدرة والامكانيات للاستمرار بالحياة. كان عملها يناشد القيم الإنسانية والتعايش المشترك. وفي الوقت نفسه، كانت منشغلة بأستمرار بدورها كفنانة وامرأة وأم، وكانت رسوماتها بمثابة تأملات حول موضوعات نسوية مثل الهوية والجسد والواقع الاجتماعي.
لا للحرب مرة اخرىتقول كاتي: (لا أريد أن أموت... حتى أستغل موهبتي بأمانة إلى أقصى حد وأزرع البذرة التي وُضعت بداخلي حتى ينمو آخر غصن صغير) (**).
شحذ المنجل
(*) (**) النصان بين القويسات مقتبسان