| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 6 / 12 / 2018 د. علي الخالدي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
تداعيات المزايدة باﻷستحقاق الإنتخابي
د. علي الخالدي *
(موقع الناس)لقد أضحت سمات سياسة المحاصصة الطائفية واﻷثنية التي إنتهجتها الأحزاب الإسلامية بعد أسقاط الدكتاتورية وتنصيبهم على مواقع القرار , مرادفة لتوليهم الحكم ، إذ بدون هذا النهج المقيت لا يليق حكمهم ، خاصة بعد أن زرعت محسوبيها وثبتت وتائدهم في كافة مفاصل الدولة وودوائرها الأمنية و الإدارية ، بحيث يصعب على من يريد التغيير والإصلاح كنسهم منها إلا بإجراء تطهير تلك الأجهزة منهم ، ولهذا تتخوف من أن تأتي حكومة تكنوقراط وطنية مستقلة ، وتكشف المستور طيلة ما ينيف عن خمسة عشر عاما ، سيما وإنها طيلة تلك الفترة لم تستجب لمطاليب الجماهير الشعبية العادلة بتمزيق موقومات النهج المقيت ، وإنما أحكمت سيطرتها وخاصة على الأجهزة الأمنية والدوائر التي تحتك بالمال العام ، فهي تُصر حاليا على أن تقع تلك الدوائر تحت سيطرتها لتواصل توجيهها بما يخدم أجنداتها المتناقضة طائفيا ،لذا يعملوا على تعسير ولادة الحكومات إلى أن يُستجاب لإرادتهم ، سيما وإنهم قد حققوا في الإنتخابات الأخيرة قفزة نوعية بصعود ميليشيات موالية لهم ولحلفائهم تُستعمل كفزاعة لعرقلة اي إصلاح وتغيير في التركيبة البنوية للحكم . فتمسكهم بنهج الطائفية وبأشكال متجددة يتيح لهم فرصة نجاة الفاسدين وابقاء ملفاتهم كامنة لمدة أربع سنوات أخرى ، على أمل أن تنساهى الجماهير الفقيرة ، ويواصل المتحاصصيون ترتيب أوراقهم لحرف بوصلة العملية السياسية عن سكتها الحقيقية ، ويصبح الطريق ممهدا لمواصلة النهب والفساد وعرقلة مآرب الجماهير الشعبية وقواها الوطنية بتحقيق العدالة الإجتماعية عبر الإصلاح والتغيير .
لقد وجدوا في الإستحقاق الإنتخابي ورقة رابحة لدخول العملية السياسية من الشباك ، فعسروا ولادة حكومة تكنوقراط مستقلة . كشماعة لتعليق وساخة النهج المقيت أمام الجماهير الفقيرة التي حرموها من فرحة تحقيق حلم إستحقاقها الوطني الذي لاح في الأفق ، وخلق ظروف غير مواتية لممارسة العملية الإنتخابية ديمقراطيا ، عبر التزييف والبيع والشراء للمناصب الوزارية ، داخل قبة البرلمان من أجل عدم الإتيان بحكومة إصلاحية تجري التغيير المرتقب وتلاحق الفاسدين ، لتبقى مقاليد الحكم بأيدي من لا يريد نبش ملفات الفساد ومحاربته وغلق طرق سرقة المال العام عبر السحت الحرام وتحقيق برامج التنمية المستدامة للشعب .
فخلال ما يقارب من خمسة عشر عاما , كانت ورقة الإستحقاق الإنتخابي هي الرابحة ، في إيقاف عجلة التنمية والإصلاح ، ومواصلة تفاقم هدر أموال البلاد على طاقمها الحكومي المنبثق من الكتل أصحاب اﻷستحقاق اﻷنتخابي فإستشرس الفساد والمحسوبية , ناهيك عن تعاليهم على الشعب ، بتسكينهم بقصور وبيوت العهد الدكتاتوري .
لقد طفح الكيل , ولم تعد أمام الجماهير إمكانية مواصلة التحمل , بينما بقي اصحاب من يدعي الإستحقاق الإنتخابي ومحسوبيهم من المتحاصصين غير مبالين بما ستؤول اليه اﻷمور , نتيجة عقم مواقفهم , وركضهم وراء تأمين المصالح الحزبية والطائفية , خائضين معركة التجاذبات والتراشق الكلامي , الذي أوصلهم حتى الى كيل الأتهامات لبعضهم البعض , مؤكدين للشعب بهكذا سلوك عن تخليهم من أي التزام تعهدوا به أمام الشعب والوطن بالعمل مع القوى الوطنية على إجراءات اﻷصلاح والتغيير , ومؤكدين على حقيقة مواصلة صراعهم المستميت على موقع القرار السياسي أمنيا ، وبشكل منفلت من أية ضوابط وقواعد وطنية واخلاقية سياسية ،عديلوا عما نادوا به في حملاتهم الإنتخابية .
لقد استبدلوا قوانين التطور اﻷجتماعي وخرقوا قواعد العدالة الإجتماعية بإجراءات وممارسات خلقت مستلزمات التفرد بالقرار حتى على صعيد المحافظات , وبالتالي عملت على كل ما من شأنه ابراز نزعة التحكم الفردي لدى المسؤول , خاصة إذا ما تمكن بحصر قوى تضمن له الدعم في فرض الحظوة على اﻷخرين , مما خلق تناقضات لم تقتصر على نوع واحد , وإنما على عدة تناقضات في آن واحد , دون ان يُحَدد التناقض اﻷساسي (تبني نهج المحاصصة) الذي لعب دورا سلبيا في تطور العملية السياسية , هذا التناقض الذي شخصته القوى ذات الإستحقاق الوطني ، الذي وقفت وراءة الجماهير المهمشة ، وأشار اليه العديد من الكتاب والصحفين والمحليلين السياسين , مؤكدين أن هذا التناقض تتم ادارته عبر المواقع الحساسة التي عشعش بها رجال عهد سيطرة الإسلام السياسي بمذهبيه مستخدما جيش من النفعيين واﻷنتهازيين والمزورين , وبتدخل دول الجوار يُتمسك به حاليا بحجة الإستحقاق الإنتخابي المشكوك بنزاهته ، كي يواصلوا عدم الألتزام باﻷستحقاق الوطني , وتضييع فرصة استقطاب الكوادر العلمية العراقية المستقلة في عملية التغيير والإصلاح التي طالبت بها الجماهير وتبناها سائرون وحلفاءه ، الذي لم ينادي بإستحقاقه الإنتخابي . وأمام هذه اﻷوضاع يبقى إدعاء ذوو اﻷستحقاق الإنتخابي مستميتأً , باعتباره الوسيلة الوحيدة تتيح لهم وضع اليد على المؤسسات الامنية لتحمي الفاسدين ولتبقي ملفاتهم مغلقة .
* طبيب متقاعد